مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

المقامات اللزومية من الاتّباع إلى الإبداع

التعريف بصاحب المقامات اللزومية
هو أبو الطاهر محمد بن يوسف بن عبدالله بن إبراهيم التميمي جمال الدين، المازني، السرقسطي، الأندلسي، الأشتركويي، نسبة إلى أشتركوي، عالم أديب لغوي من رجال القرن السادس الهجري. كان معاصراً للحريري، شهد الحقبة الأخيرة من عصر ملوك الطوائف وحُكْم المرابطين... عاش متنقلاً بين أمصار الأندلس، آخذاً عن أعلامها قبل أن يستوطن قرطبة، وينقطع للتأليف والتدريس. توفي سنة 538هـ- 1146م.
تأثر السرقسطي بالحريري تأثراً كبيراً، لم يقف عند حد معارضته لمقاماته، بل امتد إلى معجمه. فإذا كان الحريري قد كتب (دُرة الغوّاص، في أوهام الخواص) فإن جمال الدين الأشتركويي ألف كتاب: (المسلسل في غريب لغة العرب)، وقد اتبع فيه طريقة تخالف مناهج المعاجم العربية المعروفة، إذْ عمد فيه إلى (عدم إخضاع مفردات اللغة لأيِّ ترتيب سوى ما يدعو إليه (التسلسل) بين معاني الألفاظ، أو (التشاجر)، و(التداخل) الذي يعني أن يَجُرَّ ذكرُ الكلمة الأولى إلى ذكر الثانية، والثانية إلى الثالثة، والثالثة إلى الرابعة.. وهكذا تنظم الألفاظ في سلسلة متشابكة، متشاجرة يأخذ بعضها بعنق بعض).
إضافةً إلى هذا وذاك، فإن للرجل إسهاماً في القريض تشهد على ذلك دُرَر من شعره المبثوث بين ثنايا كتب التراجم، فضلاً عن أشعاره المرصعة لمقاماته، حيث نجده فيها ينظِم تارة وينثر. فمن (المعروف أنه ابتداء من القرن الرابع كان السعي لتقريب الشُّقّة بين النثر والشعر، صار الشكلان يعالجان نفس الموضوع، ويستجيران بنفس المحسنات).
لقد زاوج السرقسطي -إذن- في تواليفه بين الشعر والنثر، فلم يقصر نظمه عن نثره، ولم يُزْرِ كلامه بشعره. فأنشأ المقامات، ونظم القصائد. جاء في(الإحاطة): (كان كاتباً لغوياً شاعراً، معتمداً في الأدب، فرداً متقدماً في ذلك في وقته، وله المقامات المعروفة، وشعره كثير مدوَّن).
المقامات اللزومية.. دلالة العنوان
مجرّد الحديث عن المقامة يستدعي بالضرورة ربطها ومقارنتها بالنموذج الأصل (مقامات بديع الزمان الهمذاني، ومقامات الحريري). لقد تفطن هذا الأخير -من قبل- إلى الصعوبة التي تعترض كل من شرع في كتابة مقامة من المقامات: (وأنشأتُ على ما أعانيه من قريحة جامدة، وفطنة خامدة، وروية ناضبة، وهموم ناصبة؛ خمسين مقامة تحتوي على جِدِّ القول وهزله، ورقيق اللفظ وجزله، وغرر البين ودرره، ومُلح الأدب ونوادره، إلى ما وشحتها به من الآيات، ومحاسن الكنايات، ورصعته فيها من الأمثال العربيّة، واللطائف الأدبيّة، والأحاجي النحويّة، والفتاوى اللغويّة، والرسائل المبتكرة، والخطب المحبرة، والمواعظ المبكية، والأضاحيك الملهية، مما أمليتُ جميعه على لسان أبي زيد السروجي، وأسندت روايته إلى الحارث بن همام البصري... هذا مع اعترافي بأن البديع -رحمه الله- سباق غايات، وصاحب آيات، وأن المتصدي بعده لإنشاء مقامة، ولو أوتي بلاغة قدامة، لا يغترف إلا من فُضالته، ولا يسري ذلك المسرى إلا بدلالته).
إن السرقسطي عند إنشائه للمقامات اللزومية كان محاصراً -كغيره- بهذا الشكل من التعبير، مشدوداً إلى التقاليد الفنية لهذا الجنس الأدبي صياغة ومحتوى، لاسيما وأن (الموروث قويّ في حضور الذاكرة). فمقامات السرقسطي (المستوفية العدد) نص متكامل التزم فيه مؤلفه مكونات جنس المقامة بخلاف سابقيه من مقاميي بلده الذين لم يتجاوز عملهم -أحياناً- المقامة الواحدة، هي أميل إلى الأجناس الأخرى (الرسالة، الرحلة...) منها إلى هذا الضرب من الأدب.
أول ما يستوقف قارئ المقامات اللزومية هذا النص الموجز الذي صُدِّرت به: (أمّا بعد حمد الله العليّ، والصلاة على المصطفى النبيّ، فهذه خمسون مقامة، أنشأها أبو الطاهر محمد بن يوسف، التميمي، السرقسطي بقرطبة من مدن الأندلس عند وقوفه على ما أنشأه الرئيس أبو محمد الحريري بالبصرة، أتعب فيها خاطره، وأسهر ناظره، ولزم في نثرها ونظمها ما لا يلزم، فجاءت على غاية من الجودة).
1 - العدد السُّنة.. (هذه خمسون مقامة):
أنشأ الحريري عند معارضته للبديع الهمذاني خمسين مقامة، وصارت هذه السُّنة متبعة بعده، حيث اقتفى السرقسطي أثر الحريري. وكأنَّ المقامة غدت تستلزم بالضرورة العدد الخمسين، فعلى كل فارس رغب في المشاركة في المضمار أن يتقيد بهذا الكم. ومن ثَمَّ اكتسب العدد (خمسون) -في هذا الجنس الأدبي- صبغة الإلزام.
2 -المقامات اللزومية بين الاتّباع والإبداع:
(أنشأها أبو الطاهر محمد بن يوسف التميمي السرقسطي بقرطبة من مدن الأندلس عند وقوفه على ما أنشأه الرئيس أبو محمد الحريري بالبصرة).
ظاهر هذا القول يوحي بأن عمل السرقسطي إنما كان نسخة طبق الأصل لمقامات الحريري، فهل الأمر مطابقة أم معارضة؟ (عَارَضَهُ: قَابَلَهُ، وَعَارَضْتُ كتابي بكتابه، أَي قابلته، وفلان يُعارِضُني، أَي يُبارِيني). (وَعَارَضْتُهُ بِمِثْلِ مَا صَنَعَ، أَيْ أَتَيْتُ إِلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَتَى، وَفَعَلْتُ مِثْلَ مَا فَعَلَ). عَارَضَ شاعراً: باراه، جاراه في شِعره، وأتى بمثله أو أحسَن منه. فالمعارضة أو الاعتراض بهذا المعنى (عمل أصيل، يقلد ما هو متفرد في طريقة فنان بطريقة تمكن نسبته إليه. ولا يعتبر (الاعتراض) تقليداً للعمل، ولا نسخة منه، بَلْ هو إنتاج أصيل، ينطلق من (كودات) إنتاج آخر).
إن أبا الطاهر معارض للحريري -مثلما عارض هذا الأخير من قبل بديع الزمان الهمذاني، فالمعارضة والمحاكاة لا تنقص من قيمة العمل المحكي، فهي يمكن أن تكون على العكس من ذلك (تحفة رائعة في نوعها).
من هنا ينتفي التقليد ويفقد دلالته، إذ مهما حرص المُقلِّد عليه، فإنه في نهاية المطاف يُسمع صوته هو، لا صوت غيره: (لا يخلو التقليد من مفارقة، فالمقلد يريد أن يُحاكي، أن يكون مثل، لكنه لا يعمل في النهاية إلا على تعيين انفصاله. إنه لا يُعيد ويكرر إلا ما ليس هو، والمثل ليس هوية على الإطلاق، التقليد مبنيّ على مسافة بين الوجود الباطن والوجود الظاهر، ومهما كانت درجة اكتمال التقليد، فهو لا يمحو الاختلاف).
ولا أدل على هذا الافتراض من أن (تقليد) الحريري للبديع (والحريري نفسه قد اعترف بذلك في مقدمة مقاماته) لم ينقص من مكانته، بل على العكس من ذلك، فإن الحريري ظل هو الحريري: الهرم الشامخ، والقنة البارزة في هذا الميدان، والرئيس الذي لا يُجارى. كذلك الشأن بالنسبة للسرقسطي الذي جاءت مقاماته (على غاية من الجودة).
إن الإشكال الذي واجه السرقسطي يُعَدُّ من البدهيات التي اعترضت -ولا تزال تعترض-كل مبدع محاصر بالنماذج الأدبية السابقة، فلم يترك الأوائل للمتأخرين قولاً يُقال. وقديماً قال الشاعر عنترة:
هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ منْ مُتَرَدَّمِ
أمْ هَلْ عَرَفْتَ الدَّارَ بعدَ تَوَهُّمِ؟!
3 - المقامات اللزومية بين لزوميات المعري ومدرسة التصنيع: (أتعب فيها خاطره، وأسهر ناظره، ولزم في نثرها ونظمها ما لا يلزم).
جَليٌّ -من خلال قراءة المقامات اللزومية- أن السرقسطي كدَّ ذهنه، وأتعب فكره بهمةٍ لا تعرف الكلال. لزم في كتابتها الكثير من التعقيدات حتى عرفت باللزومية، وهذه التسمية تحيلنا على ديوان ذاع صيته، عرف في الشعر العربي باللزوميات أو لزوم ما لا يلزم لشاعر الحكمة أبي العلاء المعري.
ذو صلة