مجلة شهرية - العدد (573)  | يونيو 2024 م- ذو الحجة 1445 هـ

العلاقة التفاعلية بين الإنسان والمكان

تتسم العلاقة بين الإنسان والمكان بالتلازم والالتصاق حيث لم تقتصر علاقات التأثير والتفاعل والانسجام بينهما على تأثر الإنسان بالمكان فحسب بل إن المكان يُوجد في الإنسان خصائصه وملامحه وأغلب ما يقوم به الإنسان من نشاطات متنوعة هي في محصلتها صورة من صور انتمائه للمكان. فعلاقة الإنسان بالمكان تبدأ من خلال معرفته به أولاً، ثم يضفي الإنسان على الأفكار صفات المكان من خلال محصلة تفاعله وانسجامه معه؛ ليجد المرء ذاكرته مليئة بالمواقف والأحداث التي لا يمكن للمرء أن ينساها بل وتؤثر في كثير من الأحيان في سلوكه المستقبلي مع مختلف الحوادث، ولعل معظم ما يمر في ذاكرة الإنسان يأتي في سياق وضع المكان إطاراً يمسك بتلك المواقف والذكريات.
وهذه ميسون البحدلية لما تزوجها معاوية بن أبي سفيان أسكنها في قصر منيف ووفر لها سبل الرغد إلا أنها كانت تحن إلى وطن الصبا والطفولة ومستودع الذكريات حيث الصحراء والرياح وجمال المراعي وراحت تنشد:
لَبَيْتٌ تخفِقُ الأرياح فيه
                أحبُّ إليَّ من قصرٍ مُنيفِ
وأصواتُ الرياحِ بكل فَجٍّ 
              أحبُّ إلي من نَقْر الدُّفوفِ
وبكْرٍ يتْبَعُ الأظْعانَ صَعْبٌ
               أحبُّ إلي من بَغْلِ زَفُوفِ
وكلبٌ ينبح الطُرَّاق عنّي 
                أحبُّ إليَّ من قِطٍّ ألوفِ
ولُبْسُ عباءةٍ وتقَرُّ عيْني 
           أحبُّ إليَّ من لِبْسِ الشُّفوفِ
وأكْلُ كُسَيْرَة في كِسْرِ بَيْتي 
             أحبُّ إليَّ من أَكْلِ الرَّغيفِ
وخَرْقٍ مِن بني عمي نحيفِ 
             أحبُّ إليَّ من عِلْجٍ عليفِ
خشونَةُ عِيشتي في البدْو أشهى 
         إلى نفسي من العيشِ الظَّريفِ
فما أبْغي سوى وطني بديلاً 
          فحسبي ذاكَ من وطن شريِف
والإنسان هو الكائن الأكثر تقديراً ووعياً للمكان، حيث يتفاعل الشخص مع المكان من خلال إيجاد دعائم الاستقرار والأمن في الوطن ما جعل الإنسان بعد استقراره في المكان يعمل على تسخير متطلبات المكان في تحقيق متطلبات ومقومات العيش له في ذلك المكان الذي أحب، ويشعر الإنسان بالحنين الصادق عندما يغادر وطنه إلى مكان آخر وهذا دليل على قوة الارتباط وصدق الانتماء للوطن.
فالوطن دلالة يكتسبها المكان توضحها بصورة جلية علاقات الارتباط بين الإنسان والمكان بوصفها تعبيراً عن انتمائه للمكونات المادية والمعنوية للمكان الذي يعيش به المرء وما حب الإنسان لوطنه وحرصه عليه إلا تطبيق لمعنى الاستخلاف في قوله تعالى: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها).
وحب الوطن والمكان والانعطاف عليهما أمر تدعو إليه الفطرة الإنسانية وقد راعت الشريعة الإسلامية ذلك، فذم الله المشركين الذين أخرجوا المؤمنين من ديارهم بقوله: (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق).
وأثنى سبحانه على الأنصار ونوه بذكر الديار فقال: (والذين تبوَّءوا الدار والإيمان)، فقرَنَ جلَّ في علاه بين تبوئهم الدار (المدينة المنورة)، والإيمان، وهذا تنويه واضح بذكر الديار 
ولما كان الخروج من الوطن قاسياً فكان من فضائل المهاجرين على الأنصار أنهم ضحوا بأوطانهم في سبيل الله حيث مدحهم ربنا في الكتاب العزيز فقال: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم).
وهذا بلال الحبشي الذي ضحى بكل شيء في سبيل دينه كان يهتف في دار الهجرة بالحنين إلى مكة بقوله:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة 
            بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوماً مياه مجنة 
        وهل يبدون لي شامة وطفيل
شامة: جبل في مكة. طفيل: جبل. الإذخر: شجر. جليل: قيل شجر، وقيل: جبل.
وبكى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يودع مدينته مكة المكرمة التي عاش بها طفولته وصباه حتى سالت دموعه على خديه وقَالَ :(أَمَا وَاللَّهِ لأَخْرُجُ مِنْكِ، وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكِ أَحَبُّ بِلادِ اللَّهِ إِلَيَّ وَأَكْرَمُهُ عَلَى اللَّهِ، وَلَوْلا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ). 
فالمكان جزء لا يتجزأ من كيان الإنسان وهو مستودع ذكريات أيام الطفولة البريئة وبنك المعلومات كلما أراد الإنسان تذكر ما ينشده في حياته المستقبلية.
ذو صلة