مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

د. عز الدين موسى.. إعادة إعمار تحقيق التراث

سهم بن ضاوي الدعجاني: الرياض


«في السنوات الخمس عشرة الأخيرة، اتخذ له مجلساً علمياً، صباح كل يوم خميس بمنزله (دارة العرب) بحي الورود، في الشارع المسمى باسمه، فكان هذا المجلس أو المنتدى مقصد الكثيرين من نشاد المعرفة، ومن رجالات الثقافة، ومن الأدباء والكتاب وبعض أساتذة الجامعات. ولم يكن النقاش في هذا الملتقى ليخرج عن نطاق الدرس والبحث في مسائل المعرفة، حتى ليخيل لحاضريه أنهم في قاعة للمذاكرة والتلقي والتحصيل، وليسوا في زيارة تقدير ومودة فحسب». هذا ما سطره الأديب السعودي المعروف عمران بن محمد العمران في عام 1421هـ في مقال له يرثي علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر -رحمه الله- نشرته مجلة اليمامة في عددها (1624)؛ يصف فيه مجلس الجاسر الأسبوعي، الذي رأيت فيه لأول مرة الدكتور عزالدين موسى رحمه الله، تحديداً في جمادى الآخرة من عام 1418هـ، فقد كان يحضر مرتدياً (الجلابية) الفضفاضة المصحوبة بـ(العمة والشال)، كعادة الإخوة السودانيين، والتي تعكس العراقة والوقار المعروفة عنهم، وكنت ألحظ التقدير الذي يلقاه الدكتور عزالدين من الجاسر، فقد كان من أعمدة ذلك المجلس سؤالاً وتعليقاً ونقاشاً وأدباً، يذكرني حاله مع شيخه الجاسر بطلاب العلم في حضرة مشايخهم كما هو حال السلف الصالح.
الميلاد والاعتدال
ولد الدكتور عزالدين موسى في 1936م في جزيرة (توتي)، وهي جزيرة تقع عند ملتقى النيلين الأزرق والأبيض في السودان، وسط مدينة الخرطوم، وتتوسط المدن الثلاث المكونة للعاصمة، وهي: أمدرمان والخرطوم وبحري، وكأن مكان الميلاد هذا شكّل وسطيته واعتداله الفكري بشكل فطري، في مراحل حياته الفكرية، وهذا ما لمسته في أحاديثه وتعليقاته وموضوعاته التي طرحها في خميسية الجاسر، بل إن جزيرة توتي مكان ميلاده رحمه الله هي أقدم منطقه في الخرطوم، ويوجد بها سكان دون انقطاع تاريخي. ففي وسط الجزيرة هناك مدينة قديمة تسكنها قبيلة المحس المشهورة في السودان منذ ما يزيد على 500 عام، وهي قبيلة ذات أصل أنصاري خزرجي. وقد اشتهرت جزيرة توتي بأنها منارة لنشر العلم الديني في وسط السودان منذ قرون، ولعل في هذه البيئة التأريخية لمكان ميلاده شيئاً مما يكشف سر اهتمامه بمدارس تحقيق التراث ودراسة تخصص التأريخ، فهو مؤرخ وباحث، ومحقق بارز، وأستاذ للتاريخ الإسلامي والدراسات الإستراتيجية بجامعة الملك سعود بالرياض لسنوات عدة، وقد ختم مجده العلمي بأن فاز بجائزة الملك فيصل للدراسات الإسلامية عن موضوع (التاريخ الاقتصادي عند المسلمين) عام 2003م.


علاقته بالجاسر
لقد واظب الدكتور عزالدين موسى لسنوات طويلة على حضور (ضحوية حمد الجاسر) التي كانت تعقد ضحى كل خميس، عندما كان يوم الخميس يوم إجازة في المملكة قبل 30 سنة، والتي وصفها في مقال كتبه بعد رحيل الجاسر، قال فيه: «ثم أدمنت في الأعوام الأخيرة مجالسته في ضحى كل خميس، والناس حوله متحلقون، فيتحفك بطرفة ظريفة، أو نكتة بليغة، أو معلومة جديدة... وهو مستبشر، وصارت -بين المداومين على جلسته- صحبة متينة، وعلاقة وثيقة، على اختلاف الأعمار والمراتب الاجتماعية... فإن غاب بيتر الفلبيني الذي يخدمه، ويخدم جلساءه؛ نحسب أن الشمل غير ملتئم، والعقد غير منتظم، وكنا حريصين على مجلسه هذا، فلا يلهينا عنه هم شاغل، سيما وأنه كان عليه منا أحرص، فلم يلهه عنه عمل، ولا يصرفه عنه مرض مع كبر سن ناف عن التسعين». وقد شهدت تلك الضحوية الكثير من تعليقاته ومداخلاته ومناكفته لصديقه الدكتور عبدالله الصالح العثيمين أمين جائزة الملك فيصل السابق رحمه الله، وقد شهدت الكثير منه، وكانت تدخل السرور على شيخهما الجاسر. وبعد وفاة الجاسر استمر بالحضور والدعم للخميسية والمؤسسة بكل ما يستطيع، فقد ترأس الجلسة الثانية لليوم التكريمي عن الشيخ حمد الجاسر يوم الإثنين الرابع عشر من شهر صفر لعام 1422هـ بمبادرة من جامعة آل البيت ممثلة في رئيسها الدكتور عدنان البخيت في المملكة الأردنية الهاشمية، وقد قُدم في تلك الجلسة بحثان علميان من الدكتورة ابتسام مرهون الصغار بعنوان: (الشيخ حمد الجاسر)، والدكتور بدري محمد فهد بعنوان: (الشيخ حمد الجاسر ومجلة العرب)، وشهادتان من الدكتور منصور الحازمي والدكتور عبدالعزيز المانع. كما ألقى محاضرة بعنوان (نحو خطاب إسلامي جديد ومستنير)، ضحى يوم الخميس 5 ربيع الآخر من عام 1424 هـ، في خميسية الجاسر التي كان يواظب عليها رحمه الله كل خميس بعد رحيل الجاسر، بل ساهم في دعم الخميسية بالترتيب لزيارة عدد من الشخصيات المهمة لها، والمساهمة في بناء برنامجها الثقافي بالمشورة إبّان إدارتي لمركز حمد الجاسر الثقافي وإشرافي على الخميسية، فما زلت أتذكر اصطحابه للمشير عبدالرحمن سوار الذهب رئيس السودان الأسبق ضحى يوم الخميس من شهر صفر لعام 1425هـ، عندما تحدث المشير عن (العمل الاجتماعي الإسلامي في أفريقيا.. منظمة الدعوة نموذجاً) في منزل الجاسر، وقد أدارها الدكتور عزالدين موسى بنفسه، ثم بعد الانتهاء من الخميسية زرنا سوياً مركز سعود البابطين الخيري للتراث والثقافة في حي الصحافة، حيث استقبلنا عبدالرحمن بن عبداللطيف البابطين، وأخذنا جولة على المركز، وما زلت أتذكر تعليقات الدكتور عزالدين موسى التي تجمع بين غزارة علمه ومعرفته العميقة بالمخطوطات، كما كانت مداخلاته في كثير من جلسات الخميسية تحمل بعداً إستراتيجياً لمؤسسة حمد الجاسر الخيرية التي أصبح عضواً بمجلس أمنائها في دورته الثالثة، ومن تلك التعليقات قوله تعقيباً على محاضرة ألقاها الدكتور إبراهيم العواجي رئيس اللجنتين التأسيسية والتنفيذية للمؤسسة بمجلس الجاسر، حيث طالب الدكتور عزالدين موسى في تلك الجلسة ألّا تكون هذه المؤسسة سعودية خالصة، واقترح أن تتسع دائرة عضوية مجلس الأمناء لتشمل مختلف البلدان العربية تقديراً لمكانة الشيخ الجاسر ودوره الريادي في الحركة الثقافية في الوطن العربي، وهذا ما حصل فعلياً فقد تم ترشيحه ضمن عدد من العلماء العرب لينضموا إلى مجلس أمناء مؤسسة حمد الجاسر الخيرية بعد مباركة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -أيده الله- عندما كان أميراً للرياض ورئيساً فخرياً لمؤسسة حمد الجاسر الخيرية، وهم: الدكتور ناصر الدين الأسد رحمه الله من الأردن، والدكتور محمد بن شريفة من المغرب، والدكتور محمود علي مكي من مصر، والدكتور عبدالله بن يوسف الغنيم من الكويت، والدكتور محمد عدنان البخيت من الأردن، كما أن الدكتور عزالدين له حضوره البحثي في مجلة العرب، تلك المجلة التي تعنى بتاريخ العرب وآدابهم وتراثهم الفكري التي أسسها شيخه الجاسر عام 1386هـ، ففي عدد رجب وشعبان سنة 1419هـ نشر بحثاً بعنوان: (طريقة محمد بن شريفة في تحقيق التراث ودراسته).


جهد علمي لا حفل تأبيني
في ندوة الشيخ حمد الجاسر وجهوده العلمية التي نظمتها كلية الآداب بجامعة الملك سعود في الفترة من 4 - 5 / 8 / 1424هـ، قدم الدكتور عزالدين موسى بحثاً بعنوان: (مواضع جغرافية بين البكري والجاسر)، ختمه بهذا الاقتراح الذي يحمل رؤية إستراتيجية مختلفة تعيد هيكلة التحقيق العلمي للأماكن: «وخلاصة القول: إن نسبة التصحيف للبكري في المعجم فيها تعميم يحتاج إلى تقييد شديد، ويفتح الباب على مصراعيه لمشكلة التحقيق كلها... وهو الآن مع التخصصات الدقيقة المنفصلة أصبح أكثر صعوبة، ولعل هذا ما رمى إليه الشيخ عندما كتب عن عبث الدكاترة بالتراث. فمن هنا لا بد من أن يعاد تحقيق كتب الأصول بجهود جماعية من أهل الذكر المتعددة علومهم، ومثل هذا لا يختص بالجزيرة وحدها، وإنما لا بد منه في سائر الوحدات الجغرافية للوطن العربي وامتداده الإسلامي. فهل يبدأ مركز حمد الجاسر المشوار، ويفتح التحدي لمنظمتي الثقافة العربية والإسلامية في تونس والرباط. إذا ما قمنا بمثل هذا العمل نكمل ما بدأ الشيخ باقتدار وامتياز في ظروف حرجة، وإمكانات ضعيفة، وأدوات شحيحة. فهل نكمل ما بدأ أم نقدس ما أنتج ونتغنى به، ولا نلبث إلا أن نرجع القهقرى؟ ومن هذا المنطلق التحية لهذه الكلية التي رأت إحياء الذكرى بجهد علمي لا حفل تأبيني»، وهنا يدعو رحمه الله إلى منهج جديد يتصف بالتكامل بين ذوي الاختصاص العلمي والشمولية في التناول لكي نتجاوز الصورة النمطية لـ(تحقيق المخطوطات) إلى إعادة معمار تحقيق التراث، بعيداً عن تقديس ما خلفه العلماء السابقون.
منتديات الرياض
حظيت مجالس الرياض الأدبية وندواتها الثقافية المختلفة بمتابعة الدكتور عزالدين وحضوره العلمي المشهود لكثير منها ، فقد عرف عنه رحمه الله حضوره الدائم لأحدية صديقه الدكتور راشد المبارك عندما كانت الأحدية تعقد بمنزله القديم في حي الشميسي، ثم بعد انتقاله إلى منزله الجديد شرق الرياض. وأتذكر محاضرة له يوم الأحد 23 / 6/ 1431هـ عن (الواقع العربي بين أمن المواطن وأمن الدولة). كما كان يحضر كثيراً من لقاءات ثلوثية الدكتور محمد المشوح التي تعقد بمنزله في حي الغدير، وخميسية باجنيد، ومنتدى ثلوثية بامحسون الثقافي، حيث قدم عدداً من المحاضرات العلمية في المنتدى منها: (الهوية ومصير الدولة القطرية) عام 1435هـ، و(التجديد في الفكر الإسلامي الحديث) في عام 1439هـ.


مكتبة الفقيد والوفاء
أوقف الدكتور عزالدين عمر أحمد موسى مكتبته الخاصة لمكتبة الملك سلمان بجامعة الملك سعود، وعلل هذا الموقف النبيل بقوله: «إن الجامعة ممثلة في كلية الآداب احتضنتني ورعتني، وكان من الواجب عليّ أن أرد ولو بجزء يسير إزاء ذلك الجميل؛ فأهديت لها مكتبتي الخاصة المكوّنة من عشرة آلاف كتاب، حيث إنّ جزءاً منها في الرياض وجزءاً منها في السودان، وهي مكتبة عامرة بذخائر ونفائس في مختلف ميادين العلم والمعرفة، جمعتها في أقطار متعددة ومن جامعات عالمية مرموقة».
هذه المكتبة العلمية تم جمعها لأكثر من نصف قرن طيلة حياته، وهو يؤدي واجباته ومسؤولياته الأكاديمية، ويتابع نشاطاته وعطاءاته الفكرية والثقافية التي أثمرت أبحاثاً ودراسات أهّلته لنيل جائزة الملك فيصل في مجال الدراسات الإسلامية.

ذو صلة