لقد أحدث التطور التكنولوجي ثورة عارمة في مجال التواصل، وأسهم في تكريس مقولة (العالم قرية صغيرة)، وتحولت تبعاً لذلك مواقع التواصل الاجتماعي إلى عالم موازٍ للعالم الواقعي، وارتفع منسوب الهجرة نحوها والاستقرار بها واتخاذها ملجأ ومهرباً، يبحث فيه مرتادها عن مثالية مفقودة وعلاقات افتراضية يخيطها على هواه.
لقد وُجدت مواقع التواصل لتقرّب المسافات بين بني البشر وتمحو الحدود الجغرافية والثقافية؛ فإذا بها تتحول إلى عامل مضاد، ليصبح التواصل فيها ميتاً مفقوداً ينتظر من يبعثه، والسبب في ذلك المبالغة في ارتياد العالم الافتراضي بدون ضابط أو تحديد، ولهذا نرى الإنسان بلحمه وجسمه في العالم الواقعي لكنّ عقله ونفسه متعلقان بعالم آخر صنعه الوهم والافتراض، وبهذا التصوير يمكن القول إنّ الاتصال متحقق فيما التواصل غائب.
الفيسبوك بين سوء الفهم وإعدام التواصل
لا شكّ أن خطورة وسائل التواصل الاجتماعي تتمثل في إفراز ظواهر خفية تظهر معالمها على الشخص مع طول الزمن كالنمطية الفكرية والتسطيح العقلي وتعطيل مَلَكة التفكير، غير أن أكثر المظاهر بروزاً هو تلك الصِّدامية التي تحدث بين رواد المواقع التي تتطور إلى (انفصال) تتحول معه الصداقة، في لحظة، إلى عداوة ضاربة في عمق النفس.
من مظاهر قتل التواصل ما تعرفه الأسر من تفكك واضح، وانعزال كل فرد في زاوية من زوايا البيت وانغماسه في عالم افتراضي بكل جوارحه.
يكتسب رواد الفيسبوك طباعاً متشابهة، فأغلبهم يتطبعون بسلوك التوتر والتسرع وتضخم الأنا، حتى إن الواحد منهم ليظن أنه مركز الكون والعالم، ولعل السبب في ذلك هو إحاطة هؤلاء بالمدح الزائد الذي يتحول مع مرور الوقت إلى فوقانية ترفض معها الذات أي جدال أو هجاء أو انتقاد أو مخالفة في الرأي.
سوء الفهم صفة تلازم الفيسبوكيين لأن كل واحد منهم يتصل من وراء شاشة، وينتج عن ذلك وضعية تواصلية مختلة، يتصور فيها المتكلمُ المخاطبَ كما يريد مسقطاً حالته وواقعه النفسي عليه، فيقرأ كلامه كما تهيأ له لا كما أراده المعلِّق، وهو بخلاف التواصل المباشر الذي يظهر فيه المخاطب بلحمه وصوته وملامحه وصورته ومشاعره ونبرته، فيكون الفهم غير مخلوط بالإسقاطات الخيالية والتوهمات المرضية.
تتحول المجادلات على الصفحات الشخصية والعامة إلى جلد وسب وشتم، ويتخذ المتكلم كامل حريته ليبث رأيه أو سمه ظاناً بأنه انتصر على خصمه، وكثيراً ما يتبادل المتجادلون اتهامات بالمرض النفسي بناءً على تدخل أو رأي وهم الذين طالما مدحوا بعضهم البعض إن واقعياً أو افتراضياً، وفي ذلك ما فيه من عنف نفسي ولفظي.
إنّ اللجوء إلى تبادل الاتهامات الجزافية المجانية من أبرز الأعراض التي تميز السلوك التواصلي لمرتاد فيسبوك، ولعل صاحب السلوك يتخذ سياسة الهجوم -دون أن يدري- وسيلة لتفريغ ركام نفسي من الضغوط اليومية أو التمثلات القبلية، والأبشع أنه يصنفك في خانة معينة بناء على رأي أو منشور دون أن يعرفك معرفة شخصية.. وأمثال هؤلاء يتجاوزون هذه الأعراض المرضية إلى تكوين أحكام يلصقونها بالمخاطب المعارض استقوها من توهم أو استقراء خاطئ.
ويلجأ كثير من الفيسبوكيين عندما تعوزهم الحجة إلى سلوك طريق العنف اللفظي، فيَسِمون مخالفيهم بالجهل والسَّفَه وضحالة الرأي وفساد الذوق، وينبني على ذلك أن كل الصفات المضادة الإيجابية تلتصق بهم، وهذا لعمري منتهى الحمق الذي لا علاج له.
من أَمارات قتل التواصل أن يلومك صديق على ضغط زر الإعجاب على رأي يخالفه، والأغرب أن يكون صاحب التعليق صديقاً أيضاً، وإنّ تصرفاً كهذا ليعكس وصاية وتسلطاً وديكتاتورية وفرضاً للرأي وحجراً عليه، وضرباً لمبدأ الاختلاف، وكأني بهؤلاء يرددون دون وعي فكرة (انصر أخاك مخطئاً ومصيباً). بعيداً عن عالم المنشورات الظاهر، تحدث طرائف كثيرة في غرفة الرسائل البعيدة عن الملأ وأعين المتجسسين المولعين بقراءة التعليقات، فقد يحدث أن يراسلك من تعرفه، فإذا تأخرت في الرد لطارئ اتخذها تعِلَّة لكيل السباب والشتم وفي أبسط الحالات اللوم، وينتج ذلك عن سوء فهم وعدم تقدير لظروف الطرف المرسل إليه.
وآخر، يصارحك في صفاقة أنك أُعجبت بمنشور يسيء إليه بشكل من الأشكال، داعياً إياك إلى حذف الإعجاب، وتصرف كهذا يعكس حالة مرضية عسيرة يجمع فيها صاحبها بين انتفاخ الأنا، وحب التسلط، والتوهم بالكمال والعلو عن النقد، ومن هؤلاء من يدعي علماً ويحمل شهادة ويربي أجيالاً.. ويمتلئ العالم الأزرق بمحسوبين على الإبداع والشعر بالقوة، كل منشوراتهم تهديد ووعيد لكل من يخالفهم الرأي بالحظر والحذف، وكأنهم يريدون أن يصنعوا متابعين على مقاسهم، وهم بذلك يحيون ثنائية الشيخ والمريد.
ومن أغرب ما بات يشيع في هذا العالم الافتراضي لجوء الكثيرين إلى خطاب التهديد في منشوراتهم، يتوعدون فيها من لا يتفاعل معهم بالحذف والطرد من الجنة، وأنهم سيلجؤون إلى تنقية صفحتهم (الطاهرة) من الشوائب المخالفة والمزعجة والمعكرة لصفوهم حتى يفسحوا المجال لأصدقاء جدد قد يتحولون في المستقبل إلى مغضوب عليهم.
تحرك الفيسبوكي أحاسيس متضاربة، ويتأثر بأشياء وهمية يتخيلها، ويعيش في عالم من الوساوس والرؤى التي لا علاقة لها بالواقع، فكم من خلاف بسيط تحول إلى مشكل قامت عليه سيول من التعليقات ولم يخمد أواره وزفيره، ليتحول إلى خصام واقعي سببه سوء الفهم والتسرع.
إن الشخصيات الفيسبوكية مهزوزة مشوهة دائمة التوتر، لا تقبل النقد، ومنها من يمنح نفسه حق التطاول على الآخر ونفث خبثه دون سابق إنذار، ومن هؤلاء من يكون المبتدئ بطلب الصداقة، لكنه في لحظة يتحول إلى مناوئ ينفث سمه المرضي، والأدهى أن يكون هذا النفث وأنت غائب عن صفحتك، فيستغلها فرصة لإخراج ما في جعبته من تراكمات مرضية دفينة.
لقد تحوّل الفيسبوك إلى ساحة تعجّ بالمرضى، وكل داخل إليها معرّض إلى أن تصيبه العدوى التي قد تكسبه طباعاً ليس له بها عهد، ولعل أنسب حلّ لتجاوز التأثر السلبي سلوك سياسة (اللامبالاة) و(كم حاجة قضيناها بتركها) و(المرور على المنشورات مرور الكرام)، ومن شأن ذلك أن يجعل المرء يحافظ على مسافة بينه وبين الآخر، وذلك أدعى للسلامة، وتظل أنجع وسيلة لتجنب الأعراض السابقة أن يغادر المرء هذا العالم أو يقلل من زيارته، فذلك أدعى للحفاظ على توازنه النفسي والذهني.