(ليس لدي شك، يا صديقي العزيز، أن تطمح إلى حياة ناجحة، وليس بالضرورة أن تنجح في الحياة، بل أن تحيا حياة سعيدة. لقد كان الرجال والنساء، في جميع أنحاء العالم، يسعون جاهدين لتحقيق هذا المطمح والعمل على تحقيقه. يعتقد الجميع أن ما يعطينا معنى لحياتنا هو النمو في الإنسانية. وأنا من جهتي مقتنع بأن هذا المبدأ الفلسفي للحكمة يظل هدفاً منشوداً نسعى إليه، فنحن لسنا على الأرض لضمان أمننا المادي فقط، وإنما أيضا للترفيه والاستهلاك).
بهذا المقطع يفتتح الفيلسوف فريديريك لينوار Frédéric Lenoir كتابه الموسوم (الحكمة، موضحة للباحثين عنها) La sagesse، expliquée à ceux qui la cherchent الصادر سنة 2018 عن منشورات Seuil.
يعد فريديريك لينوار فيلسوفاً وعالم اجتماع وباحثاً مشاركاً في المدرسة العليا للدراسات الاجتماعية (EHESS). ولد في مدغشقر سنة 1962. ونشر العديد من الروايات التي وصل عددها إلى الخمسين، وترجمت إلى عشرين لغة، كما يكتب أيضاً للمسرح والتلفزيون، ونشر العديد من الكتب حول علم الاجتماع وتاريخ الأديان والسعادة والرفاهية والروحانية، وله العديد من المقالات التي تروم نشر الفلسفة بين جمهور واسع. من أبرز أعماله: (روح السعادة) و(رحلة فلسفية) و(قوة الفرح) و(معجزة سبينوزا). بالإضافة إلى مشاركته الفعالة في النسيج الجمعوي، فهو مؤسس جمعية (جميعاً من أجل الحيوانات) Ensemble pour les animaux، كما يترأس جمعية تدرب المنشطين في ممارسة ورش العمل الفلسفية مع الأطفال.
أسئلة الكتاب
يعتبر فريديريك لينوار أن التساؤل هو باب المعرفة وأولى الخطوات للوصول إلى الحقيقة، وهذا ما يفسر كثرة التساؤلات التي يتضمنها كتابه (الحكمة، موضحة للباحثين عنها)، ومن أبرزها: لماذا كان القدماء يبحثون عن الحكمة؟ هل ما زالت هناك حكمة مثالية حتى في يومنا هذا؟ هل يمكن أن نقول إن الحكمة عالمية، وأنها تستجيب لنفس الطموح في جميع الأوقات، وفي جميع الثقافات؟ لماذا نسعى جاهدين لتحصيل الحكمة؟ ما هو السلوك الذي يجب السير عليه لتحصيل الحكمة المنشودة؟ كيف يصبح المرء أكثر محبة وباحثاً عن الفضيلة؟ كيف نعثر على الطريق إلى التحرر الداخلي؟ كيف نعيش حياة ملؤها الفرح والصفاء؟ كيف نجد التوازن بين حب الذات وحب الآخرين؟ وأخيراً، كيف يمكننا التغلب على بعض المصائب مثل وفاة أحد الأحباء؟
إنها أسئلة غالباً ما تراودنا ونطرحها على أنفسنا دون أن نجد لها إجابات كافية وشافية في أغلب الأحيان. يحاول فريدريك لينوار الإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها، متسلحاً بمعارفه وخبراته التربوية وبشحنة من الحماس، باحثاً عن الحكمة منذ بدايات التفكير فيها. يصطحبنا في هذا الكتاب لاستكشاف الحكمة عند المتصوفة وفلاسفة الهنود والصينيين واليونانيين، ويقودنا بإخلاص وبساطة على خطى من ألهموه، من أمثال: أبيقور Épicure وإيبكتيتوس Epictète وبوذا Bouddha وتشوانغ تزو Tchouang-tseu ومونتين Montaigne وسبينوزا Spinoza، بل يستوحي أفكاره حتى من الحكمة التي يتفوه بها الأطفال. يقول: (لقد بدأ بحثي عن الحكمة في سن الثالثة عشرة، سألت نفسي الكثير من الأسئلة، لماذا نحن على هذه الأرض؟ ما هو دورنا؟ كيف ننجح في حياتنا؟ وبعد ذلك، بدأت في العثور على إجابات ذات صلة، لقد أتيحت لي الفرصة لقراءة كتب أفلاطون، ومن الفلسفة اليونانية اتجهت نحو الفلسفة البوذية، وذهبت إلى الهند والتقيت برهبان التبت. في الواقع، لقد بدأت رحلتي هكذا. وهذا الكتاب، الذي أشاركه اليوم مع القراء، هو ثمرة أربعين سنة من البحث الشخصي).
حاول الكاتب الإجابة عن تلك الأسئلة وفق تسعة فصول جاء بعضها في شكل حوار مع قارئ وهمي، وجاءت هذه الفصول كالآتي:
- هل ترغب أن تنجح في حياتك؟
- ما الفرق بين الحكمة والروحانية والدين والفلسفة؟
- السعادة تكمن فيك.
- قل (نعم) للحياة.
- أن تكون نفسك، وأن تكون في وئام مع العالم.
- الحب والفضيلة.
- تمارين روحية.
- من سجن الأنا إلى حرية النفس.
- حكمة الأطفال.
الحكمة وفن العيش
يشير لينوار أن الفلاسفة ربطوا بين الحكمة والسعادة العميقة التي تنبني على أساس العقل، بغض النظر عن المعتقدات أو الطقوس الدينية. إن ما هو شائع هو الرغبة في قيادة حياة سعيدة تستند إلى معرفة ذاتية معينة، وعلى تحقيق أعمق لتطلعاتنا، كما يجب كذلك أن تكون مفيدة للآخرين. لقد أسس الفلاسفة اليونانيون الحكمة على البحث عن السعادة الفردية، وهي السعادة المرتبطة بمفهوم العدالة، والتي تأخذ في الاعتبار واقع الجماعة. إن البحث عن الحكمة قريب جداً من السعادة، إن الأمر لا يتعلق بالبحث عن سعادة عميقة ودائمة وسخية فحسب، بل سعادة مشتركة، على الرغم من النزعة الاستهلاكية ذات الطابع الأناني التي تسيطر علينا في الوقت الراهن.
بالنسبة لفريدريك لينوار، فلا يمكن فصل الحياة الناجحة عن المثالية التي ترشدنا مثل المنارة. ذلك (أن البحث عن الحكمة ضروري اليوم أكثر من أي وقت مضى، خصوصاً إذا أردنا أن نكون أحراراً وسعداء ومفيدين للآخرين). ويوضح المؤلف أن الحكمة هي فن العيش بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وأن يحيا المرء حياة سعيدة يتشارك فيها مع الآخرين بهجة الحياة ومآسيها، ويقدم لذلك بعضاً من المفاتيح لتحقيق هذا المبتغى: أن نحب الحياة كما هي، مع نجاحاتها وإخفاقاتها، والعثور على الفرح والسلام الدائمين في النفس الداخلية، بدلاً من جعلهما متعلقين بالأحداث الخارجية، والتعلم لمعرفة طبيعة الحكمة الحقيقية حتى يعرف المرء نفسه بالكامل، وزرع القيم التي تساعدنا على النمو في الإنسانية.
الحكمة هي قبول مواطن ضعفنا واختمار تجاربنا
تبدأ الحكمة بقبول نقاط الضعف لدينا، ومحاولة معرفة الذات الحقيقية، ليتمكن المرء من تحسين معرفته بنفسه بشكل جيد. إنها نظرة للعالم نحاول فيها قبول الحياة كما هي، وليس كما نرغب في أن تكون. وبعبارة أخرى، نسعى اليوم إلى تكييف العالم مع رغباتنا، بينما يسعى الحكماء إلى تعديل رغباتهم لتنسجم مع العالم. يقول فريديريك: (يجب أن نميز بين ما يعتمد على النفس وما لا يعتمد عليها. فما يعتمد عليك، يمكنك تغييره وتحسينه، فإذا كان هناك ظلم من حولك، فيمكنك مواجهته، وإذا كنت مريضاً، يمكنك علاج نفسك.. وهناك، بالطبع، أشياء خارجة عن إرادتنا، كموت أحبائنا، والمرض العضال، والأمراض الخطيرة جداً أو تلك التي تتطلب رعاية تامة. تحاول الحكمة، إذن، أن تحسن في أفضل الأحوال ما يمكن تحسينه).
نقترب من الحكمة أيضاً مع التقدم في العمر، ذلك أن تجارب الحياة تجعلنا نتطور. ومن الواضح أنه كلما تقدمنا في التجربة كلما أصبحنا أكثر حكمة مع الأخذ بعين الاعتبار الإخفاقات والمصائب. (لكنني مقتنع بأن طرح الأسئلة والبحث عن الكتب وقراءتها والوعي بجدوى الحكمة يمكن أن يساعد في إعطاء الذات الوسائل اللازمة للتقدم بشكل أسرع. لقد أدركت شخصياً، أن هناك الكثير من الأشياء التي أخطأت فيها، وسقطت كثيراً في أزمات عاطفية وحالات الفشل المهنية. لقد ساعدتني الرغبة في تحسين نفسي، والمضي قُدماً، وأن أكون أكثر سعادة، وذلك من خلال ممارسة التأمل، ومتابعة العلاج النفسي، والارتماء في أحضان الطبيعة، وإجراء تقييم ذاتي دوري، والتفاؤل، والاستمتاع بالحياة.. وهي أمور جعلتني أتحرك نحو الحكمة).
التأمل طريق الحكمة
يتساءل فريديريك عن السبب الذي يجعل الكثير من الغربيين اليوم يبحثون عن الحكمة المستوحاة من الروحانية التي لا تنتمي إلى ثقافتهم، مثل البوذية أو الزِّنْ. (لقد أصبحت المسيحية منذ ألفي سنة نمطاً فكرياً عظيماً في الغرب، مما خنق الحكمة القديمة لثقافتنا. ولمدة ثلاثين سنة فقط أعادنا اكتشاف الحكمة اليونانية وانعطفنا نحو الشرق). لقد دعتنا ثقافات الشرق للبحث عن الحكمة في دواخلنا من خلال ممارسة التأمل الذي يساعدنا على تنسيق عقولنا وقلوبنا وأجسادنا حتى نعيد اكتشاف طعم الإحسان والثقة والمغفرة والامتنان. واليوم، فإن الأبحاث العلمية تؤكد جدوى هذه الممارسة التي تطور انتباهنا، ولا تعلمنا تهدئة ذرات عقولنا فقط، ولكن أيضاً توسع تصوراتنا الحسية. ذلك أن التأمل بقلب مفتوح يجوب بنا إلى أجمل الرحلات المفعمة بالهدوء والفرح.
يطمح لينوار في هذا الكتاب إلى إشاعة حكمة تحقق رفاهية عميقة ودائمة للفرد والمجتمع على حد سواء، وباعتبارها كذلك وسيلة للحياة وتحقيق السعادة من خلال توجيه الروح والجسد معاً. فصول هذا الكتاب موجه بالخصوص لكل باحث عن الحكمة، ولأولئك الذين سئموا من النزعة الاستهلاكية الأنانية. إنه باختصار، كتاب مشرق مثل الحكمة، يدعونا لإنعاش فضولنا وإثارة دهشتنا.