في تفاصيل تاريخ بلادنا العريق عبور طبيعي يعلنه المجيء المدهش في حاضر بلادنا اليوم، فمازالت تشدّنا حكايات الماضي المجتمعي بكل امتلاءاته، وتستوقفنا لهجات سرد الحكايات الملأى بقطوف البذل ومسارح الشجاعة في مسترادهم القديم، ويُذهلنا الإبداع الفطري الذي لم ترسم تفاصيله دراسة أكاديمية، أو تقيم حدوده معايير منتخبة؛ بل هو الطبع والتطبع، وإثبات الذات التواقة، وذلك باستثمار مقومات البيئة الاجتماعية آنذاك، واستثمار المنح الربانية في العقول والأبدان، حيث كان الكفاح عشقهم حتى الثمالة.
نعم هنالك صفحات بيضاء ناصعة التفاصيل ترسم كفاح جيل ألهم التراب ليكون صناعة في كل البيئات المفتوحة لتعكس مرايا النفوس آنذاك، وكان ذلك الجيل يسقي صحراء الجزيرة العربية ويروي فياضها من معامل تكرير لم تصنعها بلاد أخرى، ولم تُدفع أموال لاستجلابها، حيث تتربع بلادنا وتفتح ذراعيها في كل المواسم لتلتقي رواداً من أنماط أخرى، وتندمج مع الآخر دون برامج تحفيز ومسارد إقناع، ولقد كان أولئك في الضفة الأخرى يقاومون عقبات الحياة، ولكن أهدافهم كانت أكثر وضوحاً من منظار البندقية، وكل تعلق منهم ببقعة من الأرض له أسراره وله موجباته، فكانوا أرق مع أرضهم من الغيم، ولكنهم أصلب من صخور السَراة!
وفي ذلك الوقت والزمان الذي عاشه أجدادنا كانت كثير من فضاءاته دون مصابيح مدلّاة تنُير الحنادس، فكانت بصائرهم تباري الكهرباء بريقاً وإشراقاً، وباختصار كانوا لمجتمعاتهم ووطنهم مثل تقنية اليوم في تيسير دروب المرور إلى بوابات الحياة، وإلى شد أزر بعضهم بعضاً، فليتنا نتجاوز اليوم الصورة الذهنية لمجتمعاتنا التي أذهلها الحراك دون وصول، نتجاوزها بمنجزات مستقبلية تليق بنا أبناء وأحفاد أولئك الأفذاذ الذين تحدثت عنهم كثير من الطروحات، ولكن على استحياء، ربما لأن عمق المعرفة بهم يستحيل على الذين يدوّنون ويتحدثون، فقد يرد شيء عن كفاحهم في المجتمعات الشعبية، وعن صور ذلك الوجود النقي الذي يلتفون حوله، وعن النموذج القدوة الذي صنعوه لمجتمعاتهم القريبة، حيث كان صناعة لا يستطيع العالم بأسره فعلها لهم. لقد حاصرتهم السنين العجاف، ولبثوا فيها يذودون حتى يصدر الرعاء، حتى قلب الله حالهم إلى أعوام فيها يغاث الناس وفيها يعصرون.
ولقد أعجبني قول أحدهم مباهياً بذلك الجيل وما صنعوه في مجتمعاتهم من سديد الفعل والقول، يقول: «لقد كانوا بامتياز أسعد أجيال الصحراء دون منازع، ولن يحقق جيل مهما ملك ما حققوه في حقبتهم الزمنية تلك من الحدب المجتمعي، والبناء الراسخ، حتى ولو لحسوا الآيسكريم في وديان (عطارد)، وجمعوا الكمأة من فوق (زُحل) وأشعلوا الغضى على (بلوتو)».
نعم كان في تلك الأجيال إمكانات، ومعهم يقين يماثل الجبال رسوخاً، وكانوا يعبرون جسوراً عملاقة من الجد والحب، لتبقى فضاءاتهم خضراء قائمة رغم التحولات، فقد تبدأ مسيرة حياة أحدهم في مكان أضيق وأشقى، وقد تبدأ تحت ضوء خافت لمصباح أحرق الزمن فتيله، وقد يكون مسترادهم من الأرض صغيراً، ولكنهم يبصرون ما كان يفترض أن يشع فيه النور ويلتحمون فيه ومعه.
كان ذلك الجيل المكافح لا يعترف بفترات الكمون الملازمة لصناعة إستراتيجيات النهوض المجتمعية، ولذلك تولدت في أوساطهم البسيطة مبادئ ومُثل، وهي قاعدة شديدة المرونة، مفادها أن البساطة وقبول الآخر هي التداول الحقيقي للحياة. ومن هنا فحكايات ذلك الجيل ونماذجه في المجتمعات المحلية الشعبية جديرة بفكر ممتلئ لتدوين تلك التفاصيل المطمورة، وجمع شتات ما كان منه مدوناً في مدونات فردية، وتقديم ذلك النتاج رافداً لثقافتنا المحلية، فمازالت حكايات حضارتنا العتيقة تسكننا ونسكنها بكل تفاصيلها!