مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

الأوقاف السعودية.. من دفاتر العثمانيين إلى رؤية 2030

إذا طالعنا دفتر الأوقاف العثماني رقم 29286 الخاص بمكة المكرمة، المؤرخ بسنة 1310ه، نخلص إلى أن الوقف لم يكن صدقة عابرة فحسب، بل كان مشروعاً اقتصادياً واجتماعياً متكاملاً. دكاكين تؤجر في الأسواق، وأراضٍ تُفلح، وريعها يذهب لعمارة الحرم، وكسوة الكعبة، ومداواة المرضى، وتعليم أبناء الفقراء.
وقد ورثت المملكة هذا المعنى فطورت آلياته. وتبرز وثائق دارة الملك عبدالعزيز كيف انتقل الوقف من مبادرة فردية إلى مؤسسة رسمية ضمن مشروع الدولة الحديثة.
واليوم، في ظل رؤية المملكة 2030، عاد الوقف ليتصدر المشهد. والسبب بسيط: حجم الأصول العقارية والاستثمارية الموقوفة كبير، ويمكن أن يكون سنداً للتعليم والصحة والإسكان الخيري من دون أن نحمّل الميزانية أعباء إضافية. فصندوق (وقف الملك خالد) مثال واضح، فهو يساند 40 جمعية خيرية كل عام في التعليم والتأهيل وتمكين الأسر.
ونجد كذلك وقف (سقيا الماء) وهو تجربة معاصرة ناجحة، استطاع أن يجمع مئات الملايين لحفر الآبار وإنشاء محطات تحلية في البوادي والقرى. كما أسهمت أوقاف جامعاتنا الوطنية في تمويل الكراسي العلمية والمنح الدراسية للمتفوقين.
الوقف إذن ليس ذكرى نعتز بها فحسب، بل هو طريق للمستقبل. فبدل حبس الأوقاف في عقار مؤجر، يمكننا استثمارها في الإسكان وريادة الأعمال والمشاريع التنموية، لتدر ريعاً متواصلاً يخدم الناس.
يبقى السؤال: كيف ننقل صكوكاً ورقية قديمة إلى صناديق رقمية؟ وكيف نحرر الوقف المعطل؟
السبيل في ثلاثة مسارات: رقمنة الوثائق، وإحكام الحوكمة، وفتح الباب أمام الجامعات والباحثين لدراسة هذا التراث دراسة ميدانية نافعة.
خاتمة:
إن الأوقاف في السعودية ليست صفحات من الماضي، بل هي رأس مال تنموي حي. فلو أحسنا رقمنة سجلاتها، وطورنا صناديقها، وربطنا الباحثين بها، لحوّلنا هذا الإرث إلى مليار ريال سنوياً لخدمة المجتمع. وهذا هو صدق الوفاء لشرط الواقف، وأبلغ مساهمة في بناء اقتصاد متين ومجتمع متماسك.

ذو صلة