إنعام كجه جي: تعلقت بالصحافة متأثرة بخالي الذي توفي قبل أن أولد
حوار/ هشام أزكيض: الإمارات
ربما حب الصحافية والروائية العراقية إنعام كجه جي لبلدها العراق هو سر اختراقها لعالم الأدب، رغم أنه جاء في وقت متأخر من عمرها، حيث شرعت في كتابة الرواية.
في عام 1952م، ولدت إنعام كجه جي، في الكرادة الشرقية، وهو حي قديم وعريق من أحياء بغداد، وفي كلية الآداب تخرجت في قسم الصحافة، وعملت في الصحافة الورقية والإذاعة العراقية، قبل انتقالها إلى باريس، وهناك أكملت أطروحة الدكتوراه في جامعة السوربون، وتعمل حالياً مراسلة في باريس لجريدة (الشرق الأوسط) ومجلة (كل الأسرة).
صدر للكاتبة إنعام كجه جي مجموعة من المؤلفات، أهمها: (لورنا)، كتاب السيرة الذاتية، يتناول حياة الرسامة البريطانية (لورنا هيلز) زوجة النحات والرسام العراقي الشهير (جواد سليم)، وكتاب (أدب العراقيات في سنوات المحنة والحرب) نشرته باللغة الفرنسية. وفي عام 2004م، أعدت إنعام كجه جي، وأخرجت فيلماً وثائقياً عن الدكتورة (نزيهة الدليمي)، وهي أول امرأة تصبح وزيراً في بلد عربي عام 1959م.
ومن الأعمال الروائية لإنعام كجه جي: (سواقي القلوب)، (الحفيدة الأميركية) و(طشاري) و(النبيذة) و(صيف سويسري). وقد فازت مؤخراً بجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في الإمارات، في دورتها التاسعة عشرة، وحول أعمالها الأدبية وخصائصها وعملها الصحافي دار الحوار الذي أجرته معها لـ(المجلة العربية):
ما الذي دفعك إلى اختيار مهنة الصحافة وكيف تنظرين إليها؟
- لا أدري سبب تعلقي بهذه المهنة منذ سنواتي الأولى. ربما لأن خالي كان صحافياً وكنت أسمع الكثير عنه من والدتي وخالاتي رغم أنه توفي قبل ولادتي. وعندما تعلمت القراءة فإن أسعد أيام الأسبوع هو ذاك الذي تصل فيه مجلة (سمير) من القاهرة إلى مكتبات بغداد. كنت أقف صباح الأحد أمام باب مكتبة (الحكمة) لكي أحصل على نسختي. ولا تتصور مدى سعادتي عندما فتحوا قسماً للصحافة في كلية الآداب بجامعة بغداد. كأنهم حققوا لي أمنية خاصة.
أنتِ اليوم مراسلة في باريس لجريدة (الشرق الأوسط) ومجلة (كل الأسرة)، فما القضايا التي تسعين إلى إثارتها في هذين المنبرين الإعلاميين؟
- القضايا الاجتماعية والثقافية. أكتب لأحتج على التمايز الطائفي الذي يدمر بلدي، ولتنوير الأجيال الشابة بضرورة المعرفة والتفكير العلمي العقلاني، والتمييز بين الإيمان الحق والخرافة، كما كتبت كثيراً وأكتب لأنقل تجارب الشعوب الأخرى إلى القارئ العربي. لا أزعم أنني مصلحة اجتماعية ولا مبشرة ذات رسالة لكنني أتمنى أن تواكب أمتنا سباق الحضارات وألا تعرج وراء القافلة.
ما نسبة حضور بلدك العراق في كتاباتك؟
- أقدره بتسعين في المئة. إن مشكلاتنا تتشابه في هذا البلد العربي أو ذاك. وحين أكتب عن العراق في رواياتي تأتيني أصداء من قراء في سوريا والجزائر ومصر يشعر أصحابها بأنني أعبر عنهم.
هل مازلت تحنين إلى ماضيك وذكريات الماضي العراقية؟
- ذكريات الماضي مضت مع الماضي. كل شيء تغير وترك مكانه لواقع جديد مختلف. أحتفظ بالصور وأعود إليها بين فترة وأخرى، وأحرص على أن يراها ابني وابنتي ويفهمان ما كان عليه بلد الآباء من رخاء وتفاهم ومدنية وتقدم علمي. واليوم لي أحفاد وأنتظر أن أعيد عليهم الدرس ذاته. هل أحنّ إلى الماضي؟ الجواب هو: هل هناك إنسان لا يحنّ إلى زمن شبابه؟
لماذا تعتبرين الحنين مرضاً نفسياً؟
- لأن المبالغة في الحنين تقيّد فرص تقبّل الحاضر والتعايش معه. لا يمكن ترك الماضي يكبلني ويشل حركتي في الحاضر.
ما الذي قادك إلى تأليف كتابك الموسوم (أدب العراقيات في سنوات المحنة والحرب)؟
- لأنني وجدت أن النساء الأديبات يطرقن موضوعات مختلفة عما يكتبه الأدباء في تلك الفترة. لقد سيق معظم الرجال إلى الجيش عاشوا تجارب رهيبة خلال الحروب المتتالية، ولما كتبوا فإن قاموس أغلبهم كان يدور حول الجندية والخندق والخوذة والدبابة والجثث ومفردات البأس والانتصار. أما النساء فقد عبّرن خير تعبير عن محنة شعب يعيش بين المطرقة والسندان. كتبت العراقية روايات وأشعاراً تتحدث عن الخوف والهجرة والاحتياج العاطفي وضيق ذات اليد. لقد تحايلن على اللغة لقول ما كان ممنوعاً التصريح به.
كيف اقتحمت عالم السينما وإنتاج الفيلم الوثائقي الخاص بالدكتورة (نزيهة الدليمي)، وهل كانت هذه التجربة بنظرك ناجحة؟
- لم أقتحمه لأن هذه كلمة كبيرة على إمكانياتي المتواضعة، فنياً وعملياً. كل ما في الأمر أنني، كصحافية وكاتبة، أرى من الضروري توثيق بعض التجارب الرائدة قبل فوات الأوان وغياب أصحابها عن عالمنا. ومن هنا ذهبت إلى الدكتورة نزيهة الدليمي في منفاها الألماني بمدينة بوتسدام وأنجزت عنها فيلماً بكاميرا بيتية بسيطة. كانت تجربة تستحق التعب والنفقات لأن تلك السيدة علامة في مسيرة المرأة العربية.
روايتك (الحفيدة الأميركية) وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، فهل كنت تتوقعين ذلك، وقبل ذلك ماذا تحكي أولاً؟
- أدعوك لقراءة الرواية لتعرف ماذا تحكي. أما القائمة القصيرة فهي تجربة يقدم عليها المرء وهو مفعم بالتوقعات.
ماهي الرسائل التي تحملها روايتك (طشاري)؟
- أن الدول الكبرى تخطط وترسم لنا ديمقراطية مشوهة ثم يدفع أهلنا الثمن.
مؤخراً، نلت جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية، أبارك لك هذا. الفوز أولاً، ولماذا تعتبرين هذه الجائزة مسؤولية وليست مثل غيرها؟
- هي أول جائزة عربية أحصل عليها. وهي لا تشبه غيرها لأنها تحمل اسم شاعر مفرد كريم أوقف ما رزقه الله به على تشجيع الثقافة وتقديم الدعم للمؤلفين. وبعد نصف قرن من الاشتغال بالكتابة فإن من الطبيعي أن يسعدني هذا التقدير.
أخبرينا عن كتاباتك القادمة ونوعها؟
- أحاول إيجاد الوقت لكتابة فصول من ذكرياتي في الصحافة. نشرت في صحف عراقية ومصرية ولبنانية وإماراتية باسمي الصريح وبأسماء مستعارة. وتلك وحدها رواية.