في كل مرة أزور مدينة عربية، أبحث أولاً عن اسم حيّ قديم، قبل أن أسأل عن أشهر مطعم أو أحدث مركز تجاري، ربما شدّتني الأسماء منذ وقت مبكر، وربما لهذا أجدني أتوقف عندها أكثر مما أتوقف عند أي معلم آخر. وكثيراً ما أخرج بانطباع واحد.. الاسم يُعرّف المدينة على نحو لا تستطيع المباني أن تفعله!.
فعندما نتوقف أمام اسم مثل (باب دكالة) في مراكش، أو (باب سويقة) في تونس، أو (خان الخليلي) و(الدرب الأحمر) في القاهرة، نشعر أن المكان يقدّم نفسه بنفسه. فلا نحتاج إلى دليل سياحي كي يخبرنا أن أناساً عاشوا هنا، وأن حرفاً ازدهرت، وأن الزمن ترك بصمته. يكفي الاسم ليقودنا إلى كل ذلك.
وفي بغداد، يكفي أن تسمع (الكرخ) أو (الأعظمية) حتى تتداعى إلى الذهن طبقات من الأدب والسياسة والحياة اليومية، وفي السودان، يبدو (أبو روف) و(بيت المال) أقرب إلى ذاكرة اجتماعية، وهناك في صنعاء (باب اليمن)، فيبدو وكأنه اختصر المدينة كلها في اسم واحد.
وحين تعبر الخليج، تستقبلك (المرقاب) و(شرق) في الكويت، و(مشيرب) و(سوق واقف) في قطر، ثم تصل إلى المملكة فتجد (الدرعية) و(منفوحة) في الرياض و(الهنداوية) و(البلد) في جدة، و(الخشع) و(القابل) في أبها، لكلّ اسم معناه ونبرته المختلفة، وسيرته ومبانيه المختلفة.
وفي نفس المنعطف، ما يدعو إلى التأمل جيداً، حين تكبر المدن وتزدهر، وتتسابق في مشاريعها العمرانية التطويرية، فينتقل التحوّل نحو أسماء جديدة بالظهور، قد تبدو لنا أسماء أنيقة، براقة، وعالمية، ولكنها مكرورة!. حتى قد يزور العربي مدينة عربية أخرى، فيجد الاسم نفسه أو ما يشابهه، الواجهة نفسها، والتصميم نفسه، والمقهى والمطعم نفسه، حتى يخال إليه أن المدن بدأت تستعير ملامح بعضها بعضاً وبطريقة استنساخ بلغة اليوم قص ولصق (copy and paste)، أو وكالة تسويقية لبراندات عالمية!.
نعم، العمران يتطور، والعولمة تزحف، وتلك سنة الحياة. أما الهوية فلها مسار مختلف. فالشوارع تتبدل، والأبراج ترتفع، والواجهات تتغير، لكن الأسماء تبقى أطول عمراً من كل ذلك. إنها تحتفظ بذاكرة المكان، وتربط الحاضر بمن مروا من هنا قبلنا.
يكفي أن يُذكر اسم حي قديم حتى تستيقظ في الذاكرة وجوه، وعادات، وروائح، وأصوات، وتفاصيل قد لا يجدها المؤرخ في كتاب، لكنها تبقى محفوظة فعلاً ثقافياً يغني عن متاحف ومزارات وقطع أثرية.
ولهذا كلما اختفى اسم قديم، شعرت أن صفحة طُويت من كتاب المدينة، ومنه أشعر أن وجوبية الإبقاء على الأسماء القديمة هي وفاءٌ للإنسانية وامتدادها أكبر من الوفاء للمدينة نفسها. فالمدن تتغير، والشوارع تتبدل، والمباني ترتفع، والملامح قد تختلف مع كل جيل وهذا كله طبيعي، لكن أكثر ما يقلق شيء آخر، أن تبهت الأسماء التي ظلت ترافقها عشرات السنين.
وما أحسبه تحدياً حقيقياً في السنوات المقبلة أن تظل المدينة، بعد كل ما يطرأ عليها من عمران وحداثة، قادرة على أن تتعرف إلى نفسها، وأن يتعرف إليها أهلها من أسمائها قبل أي شيء آخر.
وحتى نلتقي.. أخشى أن يأتي يوم نحتاج فيه إلى دليل يخبرنا باسم المكان الذي نقف فيه!.