خناثة بنونة الاسم النسائي الأبرز في الكتابة الأدبية المغربية، ولدت بفاس عام 1940م ونشأت في كنف أسرة محافظة اشتهرت بالتجارة والنضال الوطني الذي أبلى فيه أفراد أسرتها بلاء حسناً وبخاصة أسرة والدتها التي حملت مشعل النضال ودفع أفرادها لأجل ذلك أرواحهم وحرياتهم لأجل استقلال المغرب ونيل وحدته، فحكم على خالها بالإعدام واعتقل أخوها وهو مازال حدثاً صغيراً، ما أشعل في قلب خناثة حمية النضال وفتح عينيها على صور البطولة الحقيقية التي عاشتها وهي لا تزال طفلة صغيرة لا تجاوز العاشرة، أدخلها الوالد إلى مدرسة الحلف التابعة للحركة الوطنية لأن سلطات الاستعمار كانت يومها تحظر دخول أبناء المناضلين إلى المدارس الحكومية وحصلت منها على الشهادة الابتدائية بتفوق، والتحقت بعدها بمدرسة المعلمات ثم بالمعهد العراقي العالي بعدما حصلت على الباكالوريا بشكل حر لأنها لم تدرس المرحلة الثانوية، ثم عينت مدرسة للثانوي بفاس من 1963م إلى 1968م لتتولى الشأن الإداري بثانوية (ولادة) بالبيضاء، وتصدر سنة 1965م أول مجلة ثقافية نسائية (شروق) هدفت إلى إيضاح حال المرأة والخوض في هواجسها وموقعها.
كان لنكبة 1967م وما خلفته من جرح عربي عميق أثر كبير في تأجيج نيران الثورة والحمية التي كانت تغلي في صدر خناثة بنونة، لتثبت وجودها كفاعل ثقافي أخذ على عاتقه مهمة التغيير، وينطلق صوتها بعنف معلناً عن رغبة جامحة في خوض معركة التغيير لاسيما وأن المؤسسات السياسية ظلت بمنأى عن صناعة المعارك وتأطير فعل المواجهة، ليشهد الأدب طفرات حداثية من التغيير لمواكبة ما استجد من تشظيات وتمزقات عرفتها المجتمعات العربية من المشرق إلى المغرب، لم تكن خناثة بنونة بعيدة عنها، لتفتتح مشروعها الإبداعي من بوابة القصة بإصدارها لأول مجموعة قصصية نسائية في تاريخ المغرب ليسقط الصمت سنة وانتقل بعدها 1967م إلى عالم الرواية فكانت روايتها الأولى في تاريخ الكتابة النسائية بالمغرب (النار والاختيار)، سنة 1969م، رواية الجرح العربي بامتياز وكانت صرخة سردية عنيفة دوت من الخليج إلى المغرب معلنة الرفض الصارخ للواقع العربي الهش والمتآكل، كوفئت لأجلها بالجائزة الأدبية الأولى بالمغرب فقدمتها هدية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتوالت أعمالها بعد ذلك في الصوت والصورة عام 1975م والعاصفة 1979م ثم جاءت رواية الغد والغضب سنة 1984م والصمت الناطق 1987م، وفي 2006م ظهرت مجموعتها القصصية الحب الرسمي وذاكرة قلم 2008م وفي نفس السنة صدرت لها الأعمال الكاملة 2008م لتنضاف إلى سلسة المنجز الريادي لها كأول كاتبة مغربية تصدر لها أعمال كاملة.
إن خناثة بنونة ليست مجرد أديبة يمكن حصرها في نتاج إبداعي فحسب وإنما هي موقف قائم في حد ذاته وصوت صارخ وثورة حامية تغلي من الداخل، اتقدت منذ الطفولة التي رافقت فيها الكتاب الذي كان أداة لعب في يدها تقول: ولهذا كان الكتاب ومنذ البدء أيضاً لعبي وملعبي كان أداة تعاملي الأولى مع الحياة ومع الواقع المتأجج بالأحداث دون أن أعرف جل الأنواع الأخرى من لعب الأطفال (وكانت رحلة حج والدها منفذاً آخر نفذت منه إلى عالم القومية والإيمان بالقضية الفلسطينية العادلة بعدما عثرت على كتاب (برتوكولات بني صهيون) وقرأته في نهم لتشتعل جذوة تفكيرها في هذا الكائن الغاصب ويبدأ مسلسل النضال والدفاع عن قضية فلسطين، كما كان دفاعها عن بني جلدتها في كتاباتها وخطاباتها محطمة الفكر الذكوري السائد ومعلنة عن ميلاد كتابة نسائية ذات وجود ومعنى تسير بخطى ثابتة إلى جانب الكتابة الذكورية وتملأ الفراغ الذي يحسه الكتاب المغاربة في الساحة الثقافية كما أعلن عن ذلك عبدالله كنون، لقد كانت خناثة بنونة حاملة للهم العربي والوطني ولا أدل على ذلك من دفاعها المستميت في مختلف المنابر، للدرجة التي قد تخالف فيها مواقف حزب الاستقلال الذي ظلت وفية له ولزعيمه الراحل الأستاذ علال الفاسي وهو صاحب فضل كبير عليها لمنعه والدها من تزويجها، فكان يقول لأسرتها: إن هذه الفتاة ليست ابنتكم، إنها ابنتي، وابنة المغرب لأن المغرب لم ينجب من قبل مثلها)، وقد تجلت مواقفها الصادقة والصارخة صرخة حق في كتاباتها المتمردة مضموناً وشكلاً ولغة وأسلوباً، فكان تمردها ظاهر الأثر في رفضها لوضع المرأة في بلادنا والبلاد العربية وبادياً في رفضها للوضع العربي وكان تطلعها للبديل المستقبلي جلي المعلم في كل نفس من أنفاس كتابتها منذ مجموعتها القصصية الأولى (التي أظهرت ثورتها على الصمت واستنطاق الواقع لمعرفة حقيقته عبر المزج بين الواقع والفكر تحت مظلة فلسفية عكست رؤية الكاتبة للعالم المتهشم اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وفكرياً وثقافياً، ثورة فجرها الأسلوب الفريد الذي شكل إعلاناً هو الآخر عن السائد فلم تكن لغتها ولا أسلوبها إنشائي الطابع وإنما جاء الأسلوب مكثفاً مرموزاً شديد الإيحاء يلغي مركزية النثر ويصل جسوره بالشعر فكان شديد التلون كما لو أنك تقف على أعتاب حقل بديع الأزهار، متعدد التلاوين لتنظر لوحة فاتنة تأسر العقول وتحملك على عيش أحلام جميلة بعالم مثالي طوباوي، ما جعل اللغة عند خناثة بنونة كسراً لكل القيود والعقبات تعانق جمهورها لتكشف أسرار العالم وتظهر خفاياه، فجاءت متعددة الأصوات، بوليفونية المظهر تتضافر فيها لغة العوام ولغة الساسة والحزبيين ولغة القوميين ولغة المثقفين ولغة الشعر في تناغم فريد يصنع عالماً لغوياً متكامل البناء تقول خناثة بنونة في (النار والاختيار): «ابتسم القمر، فارتعدت البسمة فيها، ذلك أن شيئاً ما يريد أن يبسم لها، هو كالقمر، قمر الأمس لا قمر اليوم» وانظر إلى هذا التعبير البديع في (الصمت الناطق) تقول: «شرعت النظر كانت الرابية هناك، تستلذ بوهن الكهولة وتبحث عن الشريان غير أن السماء كانت قد تعبت من جحود الأرض فنسيتها، لكن استرحام الربوة والشجرة ورأس الخروف المنكب على ضرع الأرض الجاف يفعل فعله في السماء»، إن النظر في مثل هذه الأنساق التعبيرية سيؤكد حتماً أن خناثة بنونة لم تحمل مشعل ثورة فكرية فحسب وإنما حملت مشعل تمرد لغوي وأسلوبي في الكتابة مؤسسة لمشروع نسوي جديد ينافس بشراسة السائد من الكتابة الرجالية ويثبت حضور المرأة القوي في عالم الإبداع والكتابة وتكفي شهادة عبدالله كنون حينما قال وهو الناقد ذو العين الثاقبة والبصيرة المتقدة: «هذه فتاة رائدة جندت نفسها لخدمة الكلمة ولم تعرف انقطاعاً ولا فتوراً من الجيل الطالع الذي نبغ في عهد الاستقلال أعمالها تهدف إلى غاية تداريها بالأسلوب الرمزي وتثور أحياناً في غير مواربة ولا تحذلق».
لقد بصمت خناثة بنونة تاريخ الكتابة النسائية بالمغرب فأبدعت في القصة والرواية إبداعاً غير مسبوق فكانت لها الريادة التاريخية والفنية والجمالية وما جائزة القدس سنة 2013م التي قدمتها لفلسطين معتبرة أن مال القدس ينبغي أن يبقى للقدس، ومكافأة الملك محمد السادس سنة 2015م لها بوسام الاستحقاق الوطني من درجة قائد إلا اعتراف بقيمة أديبة رائدة وكاتبة مناضلة مؤمنة صادقة تتبنى قضايا الوطن والأمة بعزم وصفاء سريرة ما كان من اتحاد كتاب المغرب إلا أن يخلد اسمها منذ سنوات خلت في كتاب بعنوان (خناثة بنونة: في المرايا المنعكسة) لتظل اسماً شامخاً ونخلة سامقة طالعة من تراب المغرب تنعكس في مرايا الوجود.