عندما نختار كتابة سيرة غيرية عن شخص ما يكون ثمة دافع قوي يحفزنا للتعريف بذلك الشخص إذا لم يكن شهيراً أو لزيادة التعريف به أو تسليط الضوء على جوانب خفية أو مجهولة من حياته إن كان ذلك الشخص علماً معروفاً للكثيرين. وأياً كان الأمر، فلا بد من رابط ما يربط حياة كاتب السيرة الغيرية بالشخص الذي تُكتب سيرته، ما أسميه صاحب السيرة الغيرية، تمييزاً له عن مؤلفها. وربما تكون تلك العلاقة علاقة معرفة مباشرة ومعايشة عن قرب، كأن يكتب شخص عن أحد أفراد أسرته أو تلميذ عن أحد أساتذته أو صديق عن أحد أصدقائه، وما إلى ذلك. وفي هذه الحالة كثيراً ما تتقاطع السيرة الغيرية للشخص المعني، أي صاحب السيرة الغيرية، مع السيرة الذاتية للمؤلف. وقد يأتي ذلك في شكل شهادات عينية عن ذلك الشخص، أو رواية مواقف إيضاحية من حياة المؤلف، أو إيراد تفاصيل تبين طابع الصلة التي جمعت بين الشخصين، أو غير ذلك مما يسلِّط الضوء على صاحب السيرة الغيرية وجوانب حياته. وربما يواجه الكاتب مشقة في اختيار ما يناسب السيرة الغيرية من سيرة حياته، دون أن يحول المؤلَّف إلى سيرة ذاتية مغلفة بثوب سيرة غيرية، أو يجعله خليطاً يجعل من العسير التمييز بين الضربين.
وقد وجدت نفسي في موقف مشابه خلال تأليف كتابي (من باريس إلى أمدرمان- الدكتورة فيفيان أمينة ياجي: حياتها وأعمالها). فقد تعرفت على الدكتورة فيفيان ياجي عندما كنت طالباً أدرس اللغة الفرنسية بجامعة الخرطوم في تسعينات القرن العشرين، عن بعد في البداية، عندما كنت أراها سيدة ترتدي الثوب السوداني الأبيض، وتتحدث الفرنسية بطلاقة كلغة أم، وتتحدث اللهجة العامية السودانية بلكنة فرنسية، ثم عرفتها عن قرب عندما كنت طالباً أتلقى الدروس على يديها، ثم باحثاً وهي تشرف على بحث تخرجي في الجامعة نفسها، ثم مترجماً لبعض أعمالها. ومن خلال احتكاكي بها ومعرفتي التي نمت وتطورت وأصبحت وثيقة بها على مدى ربع قرن من الزمان، عرفت الكثير من جوانب حياتها وأعمالها، وكنت كثيراً ما أحدث الناس عنها في مناسبات مختلفة.
ومن خلال حديثي عنها، وما أرويه عن قصة حياتها المدهشة، كنت أواجه الكثير من الدهشة من قلة عرفوها ولم يدركوا كل تلك الجوانب عنها، ومن كثرة لم تعرفها ولم تسمع عنها قط. فكنت أروي جوانب مختلفة تتناول، على سبيل المثال لا الحصر، طفولتها على ساحل المحيط الأطلنطي في مدينة لاروشيل بمقاطعة بريتاني الفرنسية، وفترة مراهقتها القلقة، في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ورحلة بحثها التي قادتها إلى التنقيب في الأديان والفلسفات واستكشاف كتبها المرجعية ومعتقداتها، واكتشافها مصادفة للإسلام وانجذابها إليه، ثم دراسته بتعمّق والشروع في تعلُّم اللغة العربية في مدرسة الدراسات الشرقية بباريس، وتعرفها، أثناء دراساتها تلك، بشاب سوداني كان طالباً لنيل الدكتوراه في باريس أيضاً وزواجهما، وحضورها معه إلى السودان، وانطلاقها بعد ذلك مع زوجها عندما أصبح دبلوماسياً ومرافقته إلى مواقع عمله في مختلف أنحاء العالم، حتى عودتهما إلى السودان واستقرارهما فيه، وعملها بعد ذلك بالتدريس في الجامعات السودانية، وكل ما دونته خلال حياته من ذكريات عن تجربتها الشخصية وما مرت به من مراحل مختلفة وتجارب حياتية وروحية شتى، والكتب التي ترجمتها أو ألفتها عن الإسلام والسودان والأدب الفرنسي والأدب الأفريقي المكتوب بالفرنسية، وغيرها من المواضيع التي كانت تثير اهتمامها.
وأمام تلك الدهشة التي كانت تطل من عيون سامعي، وسعياً للتعريف بها وبحياتها الثرة وبدورها المعرفي والتعليمي الكبير، خاصة وأن كل كتاباتها قد كانت باللغة الفرنسية، فقد آليت على نفسي أن أكتب عن حياتها وأعمالها. وبدأت الكتابة بمقال صحفي نشرته، بيد أني شعرت أنه لم يوفها حقها ولم يعرف بها بالقدر الكافي، فضلاً عن أن المقالات الصحفية تختفي سريعاً ويطويها النسيان، فقررت أن أكتب كتاباً يكون أكثر تفصيلاً وأعمق مضموناً وأطول عمراً. واعتمدت في تأليف الكتاب على حوارات متعددة كنت قد أجريتها معها، خاصة أثناء ترجمة أعمالها عن تاريخ السودان والاستفسار عن كثير من التفاصيل والأحداث التي تناولتها والمراجع التي استندت عليها، وعلى ما دونته هي من مذكرات عن حياتها داخل السودان وخارجه وبخاصة ما كتبته عن رحلة الحج بعنوان (الدين المقدَّس)، وما لاحظته أو سمعت به من مواقف بعينها، وما استنتجته من مختلف مؤلفاتها، وذلك إضافة إلى ما كتب عنها في الصحف والمجلات، وكذلك شهادات بعض طلابها وأفراد أسرتها، وغير ذلك مما أُتيح لي الاطلاع عليه من مواد ذات صلة.
ومع ما توافر لدي من معلومات ومراجع أفادتني كثيراً في كتابتي وفي تتبع سيرة حياتها وعرض أعمالها، كنت أجد نفسي من حين لآخر، مثلما أسلفت في مقدمة هذا المقال، إلى التدخل لإيضاح نقاط معينة أو شرح ما قد يشكل على القارئ من أحداث متداخلة. وقد كنت حريصاً على أن يكون واضحاً ما هو تدخل مني وما هو وارد من صاحبة السيرة نفسها أو من مصادر أخرى. وقد شرحت على سبيل المثال بدايات معرفتي بها والأسباب التي قادتني لتأليف ذلك الكتاب عنها، وتناولت كذلك تجربة ترجمة أعمالها وما واجهته فيها من مصاعب، وعن طريقتها في التعامل مع طلابها والإشراف عليهم، مما حوي طرفاً من سيرتي الذاتية، والتغيرات المختلفة التي حدثت في حياتي مما أثر على صلتي بها أو على جهودي في ترجمة أعمالها أو تأليف كتاب سيرتها في أوقات معينة.
ويبين ذلك بعض جوانب تداخل السيرتين الغيرية والذاتية من خلال تجربتي الشخصية هذه، ولعل هذا الأمر يدعو إلى دراسة نماذج لهذا التداخل ومدى تباعد وتقارب النوعين الأدبيين، وتجارب مؤلفين مختلفين في هذا السياق.