مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

السيرة الذاتية بين الأدبين الفرنسي والعربي

السيرة الذاتية في الأدب الفرنسي والعربي موضوع مثير وغني لكنه في نفس الوقت محفوف بالمحاذير والمخاطر لأنه يمس الحياة الشخصية ويمس بشكل خاص الحياة العاطفية والجنسية والعلاقة مع الدين والسياسة.
والواقع أن علماء النفس درسوا ظاهرة الكتابة الخاصة التي يكتب فيها الإنسان قصة حياته بنفسه، وقالوا إن الإنسان عادة ما ينزع لكتابة سيرته عند غروب شمس حياته فينظر لحياته التي مرت أمامه ويرى ما فيها وينظر لها مستعرضاً كل ما فعله وما عرض له وما تعرض له وما فعله الآخرون إلى آخره.
وقالوا إن نزوع الكتّاب لكتابة سيرة حياتهم يهدف إلى شيئين أساسيين، الأول: تطهير النفس، كنوع من أنواع الاعتراف وبعض السير الذاتية تحمل اسم (الاعتراف) مثل سيرة جان جاك روسو، أو الشاعر الكبير ألفريد مورسيه (اعترافات فتى العصر).
في الأدب العربي نجد أن العلاقة المتشابكة مع الدين والعرف تجعل عملية كتابة السيرة الذاتية عملية محفوفة بالمخاطر وقد تعرضه لأذى كبير جداً على الصعيدين السياسي والاجتماعي، بينما المجتمعات الغربية قطعت شوطاً كبيراً في مجال كتابة السيرة وانطلق الأدب الغربي في هذا المنحى خصوصاً بعد قيام الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر حيث كان هناك نزوع للتحرر.
ويضاف إلى هذا الثورة الصناعية وصناعة السينما وثورة الاتصالات الحديثة وثورات التحرر الشبابي في ثورة الشباب الفرنسي مايو 1968، كل هذه معالم بارزة على طريق شيوع وازدهار السيرة الذاتية في الغرب.
في كتابتي لسيرة جاك شيراك ونابليون وجون كوكتو كنت دائماً أنزع لفهم الجانب الشخصي في كتابات هؤلاء ولعل ترجمتي الأخيرة للمراسلات الحربية وكتابات نابليون بونابرت في مصر حتى نعطي للرجل الكلمة ويقول شهادته لنرى مشاعره حول أحداث ثورة القاهرة الأولى والثانية ومعركة أبي قير البحرية. هي وسيلة لمعرفة كيف يفكر الرجل.
من المهم جداً أثناء التأريخ لأدب السيرة الذاتية أن نعرف كيف كان الكاتب يفكر بنفسه؟، وما هي رؤيته لمسيرته؟.
في أدبنا العربي، قليلة هي النماذج التي تقدم أدب السيرة الذاتية بشكل ناجح. أهمها على الإطلاق كتاب الأيام الذي كان بمثابة ثورة فردية على النظم والتقاليد التعليمية والفكرية والاجتماعية السائدة.
النموذج الناجح جداً لأدب السيرة الذاتية في الأدب العربي هي مذكرات توفيق الحكيم (عصفور من الشرق) عن حياته في فرنسا، و(سجن العمر) عن حياته في مصر كتبها بمنتهى الشجاعة عن حياته العاطفية وبعض المواقف الجنسية، والاجتماعية.
وقد تناولت هذا في رسالتي للماجستير عام 1982 في جامعة عين شمس بعنوان (أدب السيرة الذاتية وأصولها في الأدبين الفرنسي والعربي) وحياني عليها راهب الفكر توفيق الحكيم وأهداني بعض مراسلاته وكتبه ومراسلاته مع سيمون دو بوفوار، والتي تحوي أيضاً من الأسرار الشخصية الكثير وسوف أعكف على ترجمتها ونشرها قريباً في إحدى الصحف المصرية.
كثير من الأدباء تطرقوا لسيرتهم الذاتية لكن بشكل أقل خفوتاً من طه حسين وتوفيق الحكيم، وأظن أن ثقافتهما الفرنسية كان لها عظيم الأثر في دفعهما لخوض هذا المضمار ومحاكاة أدب السيرة الذاتية في فرنسا.
آخر كتبي عن حياة البابا سيلفستر الثاني (البابا الذي أحب الله) هي كتابه لسيرة حياة، وكان كتاباً صعباً لأنها لرجل عاش في قرون بعيدة ولم يترك لنا سيرة حياته، وكان لابد من البحث في المخطوطات التي كتبت عنه في تلك الحقبة وهو الذي أدخل الحروف العربية إلى أوروبا في القرون الوسطى قبل الحروب الصليبية، ولحسن الحظ احتفظ الفاتيكان بكتابات الرجل ومراسلاته وكانت خير عون لي، وأراها نوعاً من أنواع السيرة وكشف دواخل الإنسان. فالسيرة الذاتية ليست فقط الكتاب المباشر بل تمتد إلى أشكال التواصل المختلفة.
وهنا أود أن أشير أيضاً إلى كتابي عن حياة (جان لاكوتور) وهو كاتب عن أشهر الصحافيين في العالم وكان هو أيضاً كاتب سير من الطراز الرفيع. كتب سيرة زعماء العالم من شارل ديجول إلى فرنسوا ميتران وجون كينيدي إلى جمال عبدالناصر، بل هو الذي قدم عبدالناصر للعالم. وكتب أيضاً سيرة شامبليون والملك محمد الخامس وفرنسوا مورياك وأندريه مارلو، وقضى حياته يكتب ويؤرخ لسير العظماء. ومع هذا حينما شرعت في كتابة سيرة حياته بعنوان (جان لاكتور عبوراً من الجبال إلى الكلمات)، وقال لي حينما شرعت في كتابة سيرته بالفرنسية إنه لم يكتب عنه أحد بالرغم من أنه كتب سير العظماء، ولم يكن يتصور أن يأتي كاتب مصري فرانكفوني ليكتب عنه، وأمدني بصوره خلال مراحل حياته، صوره في المدرسة وصور زواجه، وقص لي عن حياته الخاصة وبخاصة عن علاقته بزوجته التي عاش معها أكثر من 45 سنة وكانت متزوجة من رسام مشهور في المغرب حينما تعرف بها، وحينما علم المصور بعلاقاتهما مزق كتبها وملابسها وصورها ولوحاته التي رسمها لها، وكان ذلك عام 1948 فهربا وتزوجا في باريس عام 1949 وتوفيت هي عام 2000، وهي قصة درامية تعرضت لها، لكن لاكتور كان مُحرجاً للغاية ولم يساعدني كثيراً، وكان يرفض أن يتحدث عن عشيقاته ورفض تماماً أن أتناول هذا الجانب من حياته إكراماً لزوجته، وحتى بعد وفاتها أصر على رفض الإفصاح عن علاقاته النسائية تقديراً لها، وهو أمر وجدت أنه يستحق الاحترام، فلم أتعرض له في كتابي.
هكذا يسير كاتب السير الذاتية طريقاً شائكاً وصعباً في البحث والتنقيب عن الأسرار الشخصية مع مراعاة أخلاقيات الكتابة عن حياة الآخرين فضلاً عن الأمانة في التوثيق كون هذا المجال الكتابي باباً من أبواب التاريخ.
ذو صلة