السيرة الذاتية أو الترجمة الشخصية ربما عدت أحد فنون القصص، أو القصص التاريخي، وهي فن قديم موغل في القدم، ولكن لا يبدو أنها كانت معروفة في قدمها ذاك على أنها فن من فنون القول. ومن الواضح أنها تدرجت من السيرة الغيرية أو الترجمة للغير. ولعل الكتب السماوية هي أول من تناولها لما أخبرتنا عن أبينا آدم وأمنا حواء، منذ بدء خلقهما، ثم ما كان من أمر ابني آدم. ثم تحدثت كتب السماء عن الأنبياء وأحوالهم وما كان بينهم وبين أممهم من الأحداث والقصص.
ثم إنه ظهرت أمم اهتمت بالترجمة عن نفسها وحرصت على تدوين كثير من الأحداث التي رأتها مهمةً في كل ما يدون فيه، حتى إنهم نقشوا ذلك نقشاً على الجدران والمعابد كالنوبة السودانيين والفراعنة، ومثل اليونانيين وكالفرس، وسينية البحتري التي وصف فيها الروائع المنقوشة على الإيوان مشهورة في هذا الباب.
أما العرب، فيظهر أنهم لم يعرفوا هذا الفن في تاريخهم القديم إلا بعد أن وجدوه فيما ظهروا عليه من ترجمات علوم اليونانيين وفنونهم بعد حركة الترجمة التي نشطت إبان العصر العباسي، فأخذوا هذا الفن منهم ومن الفرس. ومن أشهر من قرأوا له في هذا الباب، الطبيب اليوناني المعروف جالينوس، والفيلسوف أرسطو، من اليونانيين وكسرى أنوشروان وبرزويه من الفرس. وجالينوس ذكره المتنبي في شعره. والمتنبي كان شاعراً مثقفاً وقارئاً نهماً، تجد أثر اطلاعه وقراءاته الواسعة في شعره، ذكره بقوله:
يموت راعي الضأن في سربه
موتة جالينوس في طبه
فتحدثنا كتب الأخبار أن جالينوس (ولد 129 ميلادية) كتب لنفسه سيرة ذاتية وصف فيها نشأته وصباه وعلاقته بأسرته واهتمام أبيه بتعليمه، كما وصف علاقته بمن عاداه من حساده ومناصبيه العداء. وقد تأثر حنين بن إسحاق المترجم العباسي الشهير (809 - 873م) بسيرة جالينوس هذه، وكان قد ترجم له أغلب كتبه، فكتب هو كذلك سيرة شبيهة للغاية بسيرة جالينوس، في حاله وعلاقته مع حساده وأعدائه. كما تأثر به الطبيب الفيلسوف المعروف أبو بكر الرازي (864 - 923م) فكتب متأثراً بسيرة جالينوس في سلوكه الفلسفي. وكتب يدافع عن سيرته هو عندما هاجموه بأنه يجالس السلاطين والأمراء، فرد عليهم أنه إنما يسير سيرة سقراط الذي كان يداخل الملوك وأصحاب النفوذ والقوة.
ومعلوم كذلك أن الرئيس ابن سينا كتب سيرته الذاتية، فوصف حياته وصفاً دقيقاً. كل ذلك ذكره ابن أبي أصيبعة في كتابه (عيون الأنباء في طبقات الأطباء).
هذا وقد توسع العرب بعد ذلك في هذا الفن ناحين به منحى الترجمة الغيرية، وجعلوا من ذلك فناً ومنتحى للتأليف والكتابة. فظهرت كتب التراجم للشعراء والكتاب في شتى المناحي وظهرت كتب الطبقات. وكاتب (طبقات الشعراء) لابن سلام الجمحي من أشهر المؤلفات في هذا الباب، وكذلك كتاب (طبقات الشعراء) للخليفة ابن المعتز. وتتابعت الكتب في هذا الفن تترى، فجاء كتاب (نزهة الألباء في طبقات الأدباء) لابن الأنباري. ويعد ابن خلكان (1211 - 1282م) الكاتب والمؤرخ والقاضي من أشهر كتاب هذا الفن، بكتابه الشهير (وفيات الأعيان).
على أنه علينا أن نذكر هنا أن كتابة السيرة الذاتية ربما أشير إليها في العصر الحديث بعبارة (المذكرات). ويعد الكاتب اليوناني المعاصر نيكوس كازانتزاكي (1883 - 1957)، صاحب رواية زوربا اليوناني، من أشهر من كتب في فن المذكرات أو السيرة الذاتية، فقد نشرت له زوجته بعد وفاته كتاب (تقرير إلى غريكو)، يحتوي على رسائله ومذكراته.
هذا، وفي عصرنا الحديث ظهر الأديبان الدكتور طه حسين وعباس محمود العقاد أشهر الذين تعاطوا فن السيرة الذاتية بين العرب المعاصرين، مقلدين به المفكرين والكتاب الأوروبيين. فكتاب (الأيام) لطه حسين معروف جداً، فقد وصف فيه حياته منذ طفولته وباكر صباه وصفاً دقيقاً. وطه حسين شديد التأثر بآداب الحضارة الأوروبية ومعطياتها ومناهجها الفكرية والفلسفية والأدبية.
وأما الأستاذ عباس العقاد فقد كتب كتاباً رائعاً في هذا الباب، وهو كتابه (أنا)، الذي جاء فيه بسيرته الذاتية اختلف فيه كثيراً عما جاء في كتب السير والتراجم الذاتية. فهو لم ينزع فيه منزع المؤرخ، ولم يكتبه بأسلوب تاريخي، ولا بأسلوب الذكريات، فجاء كأنه منهج جديد في هذا الفن. فكتابته لم تأت شخصيةً بحتة، وسرداً لأحداث مرت به كان له فيها دور فحسب، بل بدا فيها باحثاً وفناناً ومفكراً وفيلسوفاً في ذلك كله. وقد كتب يقول عن هذا الكتاب قبل كتابته: (سأكتب هذا الكتاب وسيكون عنوانه (عني) وسيتناول حياتي من جانبين:
الأول: حياتي الشخصية بما فيها من صفاتي وخصائصي ونشأتي وتربيتي البيتية والفكرية وآمالي وأهدافي، وما تأثرت به من بيئة وأساتذة وأصدقاء، وما طبع أو انطبع في نفسي من إيمان وعقيدة ومبادئ، أو بعبارة أخرى، (عباس العقاد الإنسان) الذي أعرفه أنا وحدي، لا (عباس العقاد) كما يعرفه الناس، ولا (عباس العقاد) كما خلقه الله!
والجانب الثاني: حياتي الأدبية والسياسية والاجتماعية المتصلة بمن حولي من الناس أو بالأحداث التي مرت بي وعشت فيها أو عشت معها.. إلى آخر ما قال).
هذا ونلاحظ أن ثمة فارقاً في روح السيرة الذاتية ومنهجيتها بين كتابتها عند الغربيين الذين طوروا هذا الفن وجعلوه موضوعاً للكتابة قائماً بذاته، وبين كتابتها عند الكتب العرب، ربما يعود هذا الفرق إلى اختلاف الثقافة والتربية، وهو عنصر الاعتراف. فبعض الكتاب الأوروبيين يصورون حياتهم فيما يشبه الاعترافات، وقد تمتد هذه الاعترافات لتصل إلى جوانب غاية في الشخصية، مثل الاعترافات ببعض الانحرافات السلوكية والجنسية وغيرها، ومثل ارتكاب بعض الأشياء المكروهة. فهذا العنصر لا يكاد يوجد في كتابة السيرة الذاتية عند العرب.
فعلى غير المعهود وجدت في سيرة ذاتية لكاتب سوداني هو الشيخ بابكر بدري (1861 - 1954م)، رائد تعليم المرأة في السودان، وكان مقاتلاً في المهدية ثم أسر في مصر، وتعلم بها وعمل هناك تاجراً، ثم عمل ناشطاً اجتماعياً، واهتم بأمر التعليم في البلاد. فقد كتب كتاباً بعنوان (حياتي) سرد فيه قصة حياته، ووصف فيه كثيراً مما يرى ويعتقد، وما صنع وما شهده من الأحداث وكيف فعل فيها. وقد جاء في هذا الكتاب أنه منذ بايع المهدي لم يمارس الجنس مع امرأة قط، إلا مرةً دعته غانية في الحي ليرقي لها، فلما هم بذلك ووضع أصبعه على موضع العلة إذا بها تنقلب عليه في فخذه، فدفعها وخرج منها مسرعاً. فلما جن عليه الليل جعل يفكر فيها فطلبتها نفسه، فذهب إليها وكان لها ما أرادت. قال: (ولم أفعلها بعد ذلك أبداً)
هذا، وقد يختلف الناس اختلافاً كبيراً حول مثل هذه الاعترافات. فعلى حين يرى بعضهم أن مثل هذه الاعترافات مهمة ويجب أن تقع، لتثبت أن المنازع غير المعتادة والأخطاء والجنوح والانحرافات التي تعتري إنما هي من طبيعة البشر، وأنه يجب على المرء أن يصور حياته في سيرته الذاتية أو مذكراته كما هي وكما عرفها، يرى آخرون أنه لا داع لها ما دام أن القصد من هذه السير الفائدة ونقل التجارب، ووصف الحياة وتصويرها بمنهجية كتابية بعيدة عن مطالب الكتابة العلمية، بل على منهجية طريقة التداعي الحر (Free Association)
وأما أنا فأرى أن الأمر إنما هو أمر اختلاف ثقافات ومعارف وبيئات اجتماعية تختلف اختلاف البشر الذين يعيشون فيها، على نحو ما قدمت آنفاً.