مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

بين الحوار الداخلي والواقع الخارجي

ثمة من يفضل قراءة (اليوميات) و(المذكرات) و(السير الذاتية) للشخصيات المجتمعية الشهيرة، من الأدباء والمفكرين للتعرف إلى حياتهم وشخصياتهم. ومن الخطأ الاعتقاد هنا بأن السيرة الذاتية فن وأدب نابع من الخيال، فهو ليس كذلك بحكم كونه يستمد جماله من روح كاتبه، بشكل متصل بالواقع.
فشخصيات السيرة الذاتية، وأحداثها لها صلة وثيقة بالواقع، وقد أخذت الخيال والقدرة على عرض الصراع والأحداث من القصة، وكذلك صياغة الأحداث الحقيقية لحياة الشخصية في قالب فني- أدبي، وفي الوقت نفسه، فقد أمدت السيرة بعض كتاب القصص الواقعية بموضوعات قصصهم، حيث يمكن للكاتب القصصي أن يستعين بسيرة ما في تأليف عمله القصصي، وعلى أية حال فالعلاقة بين السيرة الذاتية والقصة هي علاقة أخذ وعطاء.
فالسيرة الذاتية هي قصة حياة فرد من الناس، يكتبها صاحبها بنفسه، ويذهب هذا الفهم إلى أن أي قصة يكتبها الشخص بنفسه عن حياته، قد تكون من قبيل السيرة الذاتية، والحق أن هذه الأخيرة كجنس أدبي، تنفرد عن بعض الأشكال المتقاربة، وبخاصة (المقال الشخصي) و(اليوميات) و(المذكرات اليومية) التي تستخدم في السفر، و(رواية السيرة الذاتية) التي يتضح من اسمها أن موضوعها شخصي، ولكن كاتبها ليس كاتب سيرة ذاتية محترفاً.
ليست السيرة الذاتية مجرد تسجيل حوادث وأخبار، ولكنها عمل فني يترك أثره المنشود لدى المتلقي. ومن دون شك فبداخل النص السير ذاتي تتشكل هوية الأنا السردية، بمعنى وجودها الذي يرسم كيانها الورقي، فيتحول النص السير ذاتي حينها إلى سرد لقصة حياة، وهي أساساً محطة تصل بين لحظتين، إحداهما تحيل على لحظة الكتابة، أما ثانيهما فتحيل على ماضي الكاتب نفسه، فتغدو هذه اللحظة وصلاً بين زمنين، زمن مضى قد انقضى، وزمن حاضر يمثل لحظة الكتابة، ومنطلق البداية في رحلة سرد تاريخ الأنا وتحولاته.
لكي تحقق السيرة الذاتية مرتبة عليا من البوح، فإنها تحتاج إلى شجاعة المواجهة، فإحجام كثير من الكتاب عن الخوض مثلاً في ثالوث الدين والجنس والسياسة بنوع من الاعتراف المتحرر، يكون مرفوقاً عادة بوازع التردد، والخوف من ردات فعل الأهل والمقربين، والوسط الذي تنتمي إليه الذات (اجتماعي، ثقافي، سياسي..).
لا غرو أن الإقدام على فعل الكتابة ممارسة، تضع في الحسبان انتقاء اللفظ المهذب، والبعد عن عبارات التجريح، والمبتذل من كلام العامة الذي قد يلحق الإساءة بالأشخاص المنتمين إلى محيط الكاتب نفسه. وإذا كان (فعل الكتابة لا يتم دون أن يصمت الكاتب)، كما يقول رولان بارت؛ فإن هذا الفعل أقرب ما يكون انطباقاً على كتابة السيرة الذاتية، إذ يشعر كاتبها شعور الشاعر الذي ينشد الوحدة مغازلاً نفسه وذكرياته. ومهما كان من أمر انشغال الإنسان بالعالم والآخرين، فإنه لا بد من أن تجيء عليه لحظة يجد نفسه فيها في حوار مع نفسه.
فكتابة السيرة الذاتية تتم حينما يكون في مقدور كاتبها قطع صلته -إلى حين- بالبيئة الخارجية، لكي يجمع شتات نفسه، فالكاتب حين يفرغ لسيرته الذاتية يحاول أن يختلي بنفسه في لحظة صدق مع النفس، ولذلك يتمرد على سجن العالم الخارجي، وهكذا تجمع السيرة الذاتية سحر الداخل ممتزجاً بالخوف من الخارج.
فعميد الأدب العربي طه حسين لجأ إلى كتابة سيرته الذاتية (الأيام) -النص التأسيسي للسيرة الذاتية في الأدب العربي- مدفوعاً بالدافع نفسه بحثاً عن دفء الموقد الباطني، بسبب المحنة التي تعرض لها بعد نشر كتابه (في الشعر الجاهلي) الذي أفصح فيه عن موقفه تجاه مسألة انتحال الشعر الجاهلي، وكأنها استجابة فكرية لأثر (الخارج) على (الداخل)، أي موقف المجتمع من طه حسين نفسه، بعد أن دعا إلى آرائه التجديدية.
هذا يوضح أهمية مراعاة الهدف من الاعتراف، لأنه في واقع الأمر جزء من مخطط شامل، يرمي إلى بناء سيرة ذاتية، قد تبدو في ظاهرها مضموناً للاعترافات القابلة للتصديق أو التكذيب، بيد أنها انعكاس لتلك الأزمات الفكرية والنفسية، ورحلة بحث عن مقومات شخصية في حاضر الكتابة الآن.
والحق أن كتابة السيرة الذاتية، هي كتابة غير عادية بالنسبة إلى الذي يكتبها والذي يقرؤها، وعلى هذا النحو فهي تخضع لشروط تتصل بفعل الكتابة لا بالكتابة ذاتها، وهذا المجال ليس سهلاً، حيث يتم استعراض من خلال هذه السير مجمل المواقف الإيجابية، وكذا السلبية؛ ليتمكن القارئ من معرفتها. وفي هذا السياق ثمة من يرى أن (أصدق حياة يمكن أن يكتبها الإنسان هي ترجمته لحياته الخاصة لأنه أعرف الناس بها).
نفى عزالدين إسماعيل ما جاء في تلك المقولة، مؤكداً (أن هذا غير صحيح في كثير من الأحوال، ففهم الإنسان لنفسه أمر مشكوك فيه، فربما كانت قدرته على فهم الآخرين أكبر من قدرته على فهم نفسه)، لكن هذه المسألة في الحقيقة نسبية، حيث تتوقف على شخصية المؤلف، سواء أكتب عن نفسه أم عن غيره، على اعتبار أن كتابة السيرة عموماً تتطلب صدقاً وضميراً متيقظاً، ولاسيما في ما يكتبه الإنسان عن نفسه.
كما تتطلب موضوعية، وتحرياً دقيقاً، وجمع المعلومات الكافية، من مصادر موثوقة فيما يخص السيرة الغيرية. وللإشارة فالفرق بين السيرة الذاتية والغيرية، لَخَّصه إحسان عباس بدقة وإيجاز في قوله: (إن الأولى (أي السيرة الذاتية) ذاتية مع شيء من الموضوعية، وأن الثانية (أي السيرة الغيرية) موضوعية مع ذرات صغيرة من الذاتية).
على كل حال فـ(السيرة الذاتية) و(اليوميات) و(المذكرات).. من الأدب الشخصي، وهي بالذات إحدى وسائل الاتصال بين الناس، حيث إن كاتبها ينقل أفكاره إلى الآخرين كما ينقل عواطفه، وهذا يدل على أن الأدب لا يخرج عن كونه أداة تواصل بين الأفراد، على حد تعبير الأديب الروسي تولستوي، ولا مراء أن الاتصال هو حقيقة أساسية للوجود الإنساني، فعندما يقوم رجال السياسة بكتابة التاريخ، يكتبونه وفق رؤيتهم الرسمية وربما السياسية.
عندما يكتب المفكرون التاريخ، ويرصدون حركة الفكر، وحياة الناس ينطلقون من توجهاتهم وشرطهم المفهومي والعقلي. أما الأدباء فعندما يكتبون تاريخ أمتهم ينسجون ذلك وفق منظورهم، استناداً إلى مقومات الأدب الأساسية: الحقيقة، العاطفة، الخيال، والصورة أو الأسلوب. ولكن يبقى التاريخ الحقيقي هو تاريخ كل الناس، كتاريخ العلاقات الاتصالية فيما بينهم.
لا غرابة أن لتطور وسائل الاتصال، وثورة المعلومات منزلة كبيرة في كشف الحقائق، والحيلولة دون الزيف والتزوير، وليس من السهل حجب وجهة نظر، أو التعتيم على الحقائق، فبمقدور أي فرد أن يكتب ما رأى، فلم تعد الحقائق حكراً على أحد.
إذا عدنا إلى معالم الحضارة العربية الإسلامية نجد أن فن السيرة الذاتية غرض أدبي عريق. ولئن لم يتبلور متصوره الذهني، بما يتيح له الانفراد بمصطلح نقدي؛ فإنه قد صيغ على نماذج تكاد تصل به إلى منزلة الاكتمال في المضمون والغرض والأسلوب. وقد استوعب النقد العربي الحديث المصطلح الغربي المركب تركيباً مزجياً، فحكاه لفظا وقال (بيوغرافيا).
ثم حاكاه صياغة فصهر منه مصطلح (الترجمة الذاتية)، وهذا الضرب من الوضع، والتصنيف قد جاء في كثير من المواضع مبثوثاً بين مظان أغراض أخرى، مختلفة في بطون مصنفات المؤرخين والجغرافيين والأدباء... ولكنه انفرد بالتأليف، فاستقامت بنيته في نموذجين أولاهما جاءنا به (أبو حامد الغزالي) في مؤلفه (المنقذ من الضلال) (رحلة فلسفية). والثاني (ابن خلدون)، حيث قصد إلى التعريف بنفسه وبرحلته عبر الزمن المحكي، ففي هذين النموذجين نرى فن الترجمة الذاتية غرضاً مقصوداً لذاته، قد وعاه المؤلفان الوعي الكامل، ووضعاه على قواعده الكاملة والمحكمة.
إذا رجعنا إلى حقيقة السيرة الذاتية فإن نشأتها وغايتها الأولى ترتكز على ما هو تاريخي، ولكنها فيما بعد ابتعدت عن هذا الأصل التاريخي، وأصبح لها غايات أخرى، كالتعليمية والأخلاقية.. وغدت فناً قائماً بذاته لها أصولها وقواعدها - كما بينا سابقاً - فلم تعد مجرد جمع للمعارف، والأقوال، وحشد للأخبار، حيث أصبحت تعتمد على التحليل، والطرائق العلمية، وعلى المناهج النفسية الحديثة.
هذا يقتضي على كاتب السيرة الذاتية استحضار ما قلناه أثناء مرحلة الكتابة، المبنية على تأمل مراحل مسيرة حياته، أو الرد غير المباشر على آراء جدالية تعرض لها في حياته، أو موقف تجاه قضايا تخص الوجود أو المجتمع أو السياسة. وإذا كان الكاتب -صاحب السيرة الذاتية- يشعر بوقع الزمن الذي يهدده، ويعرض مشروعه للتلاشي في مرحلة ما من مراحل الحياة؛ فإنه قد يجد في تأليف سيرته الذاتية الفضاء الأوسع لقطع مواقفه تجاه حياته، والمناخ الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي يعيش فيه، غير بعيد عن محورية الذات الفردية، والمؤسسة لهذا اللون من التعبير -السيرة الذاتية-.
ذو صلة