مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

(فتنة العصيان) قراءة في السير ذاتية النسوية العربية

تنحَتُ المفكرة العربية مكاناً لها في رحلة الإبداعات الأدبية بخطى ثابتة ومتّزنة، تنحو بها نحو مكاشفة طرق متغيرة ومتجددة في عوالم السير ذاتية. كما تكتسب سياقات (كتابات الذات) تلوينات متراوحة بين الإشباع والتخفيف ضمن أدب فيه من الحساسية ما يجعل ارتياده محفوفاً بالحيطة والمخاطر. فكيف تكتب المرأة العربية فن الأدب السير ذاتي؟ وكيف ترسم (ميثاق السير ذاتي) في تفاصيل رحلتها الأدبية والروائية في التجارب العربية؟
تبحث الكاتبة العربية عن (الأنا) وشذرات تصورها بلغة حماسية فصيحة، فتتراوح رحلتها الفكرية الإبداعية بين الترميز والإيحاء والانحياز طوعاً في جماليات الأدب النسوي كتابة وموضوعاً وتثميناً لإيديولوجيات مختلفة، لتثبت الباحثة فيها عن الذاتية في رحلة العصيان المعلنة. فأي وعي تمرره الكتابات النسوية في أدب السير ذاتية من خلال الرواية في العالم العربي؟ وكيف يسهم المشهد المجتمعي في تعزيز شحنة اللّا الرافضة والنازعة لضرورة البوح العلني في كتابات (الأنا) النسوية وتصوراتها المشفوعة بأسئلة هاربة من قيود المنع القسري، والمرتحلة ولادةً بين الواقع والحلم المتحرر؟ فهل تشفع (اللغة) ضمن أدب الاعتراف للمرأة أن تفترش واقعها المعيش وترتاده، محطة مباحة للنشر والإفصاح والكشف، حتى تؤكد تموضعها واستحقاقاتها في قوانين مجتمع ذكوري متعارف عليه؟
ترتبط فنون الكتابات في أغلب السير ذاتية النسوية بأساليب الرفض والقطع مع المسلّمات والبحث عن ثورة نوعية على مستوى الموضوع المتناول أو القضايا المطروحة أو النظريات التي يقع تبنيها، فما الدوافع الفنية لرسم معالم هذا الجنس الأدبي وخصائصه السردية؟ وكيف تطورت ثورة العصيان وفتنته في مساقات التعبير وثيماته الموضوعاتية في كتابات الذات النسوية؟ وأي أسماء أدبية ساهمت في بناء التجربة النسوية وآفاقها وجمالياتها التعبيرية بالعالم العربي؟
السير ذاتية النسوية وهلامية تحديد المفهوم
(يقول إلياس فركوج في أحد حواراته: إذا ما اتفقنا من حيث المبدأ على أساس أن الحياة لا تتعين موضوعاً في الفن كما في الحياة إلا بوجود ذات لا تعاينها فحسب بل تعيشها كشرط يوجب التلازم معها؛ فإن لجوء الكاتب إلى حياته الشخصية لكتابة أدبه يصير أمراً مفهوماً). يضمن الاتفاق بالتالي أن السير ذاتية جنس أدبي يتراوح تحديد نظمه وآلياته بين الأدب الشخصي والأدب الحميمي وكتابات الذات وتنوع أنماطها المتعددة بين ما يمكن اعتباره متأثراً بأساليب اليوميات أو الاعترافات أو غيرها. ويحمل هذا الجنس النوعي من الكتابة كل مرتاديه على رسم (الأنا) بكل تفاصيلها الواقعية والموضوعية في رحاب الـ(نحن) الجماعية، ومعايشة كل الاحتمالات الناجمة عن مرايا التعري النوعي والدلالي واستقبالها بالرفض أو بالقبول ضمن ثقافة المجموعة وقوانينها وأخلاقها الوضعية. (حدد فيليب لوجون منذ 1975 خصائص السيرة الذاتية معتمداً أساساً على ما أسماه الميثاق السير ذاتي، وهو عنده شرط ضروري لوسم نص من النصوص بالسيرة الذاتية، وقوامه أن يجد القارئ على نحو ما تطابقاً بين أعوان السرد أي الراوي والشخصية القصصية والمؤلف، ويقوم الاسم العلم دليلاً لغوياً منصوصاً على ذلك).
تتعدد الدراسات المتلبّسة ببنود البحث والاستدلال على آليات التعريف الواضحة للسير ذاتية ومقوماتها في الأدب الحديث والمعاصر في الوطن العربي. وأمام غزارة النتاج الأدبي للسير ذاتي، نذكر كمثال كل من: (الأيام) لطه حسين، و(أوراق العمر) لنجيب محفوظ، والعقاد في (أنا)، و(سيرة حياتي) لعبدالرحمن بدوي؛ تتولد بدورها نوعية الكتابة النسوية وتبرز، كموقف تأكيدي ودال على مكانة المرأة، وقدرتها الجبّارة على التفكير والتعبير وصياغة رسوم منصوصة بجماليات الواقع المعيش ورهاناته المستحدثة في ثقافة عربية محدّدة. انصرفت الكتابات النسوية إلى ملذات التعبير الغارق في جماليات (الآنيّة) الملبّدة بموروثات المجتمع والتي تسعى طواعية ضمن حرب فكرية مطلقة للاحتماء في لذة الذات المقرّرة والحاملة للواء الكينونة المستقلة رغم فصول الكفاح والعصيان المربكة.
يقرأ الدكتور حاتم الصقر في طروحاته النقدية بمؤلفه (البوح والترميز القهري) خصوصيات السيرة الذاتية، باعتبارها من بين الأجناس الأكثر بلبلة ومرونة في ذات الحين، إذ (أصبح من المقرر قولنا بأنها جنس غير مستقر وغير متعين بشكل نهائي، حتى لتوصف أحياناً بأنها جنس مراوغ، وأن مصطلحها نفسه يكتنفه الغموض واللبس لاقترابها من أجناس وأنواع محايثة كاليوميات والمذكرات والرسائل وقصائد السيرة والشهادات والحوارات الشخصية، واقتراضها بعض آليات عمل تلك الأنواع أو نظمها الداخلية وأشكالها التي تأثرت هي أيضاً بالسيرة الذاتية... إن التعريفات المتداولة للسيرة الذاتية لا تخرج عن تحديدها بأنها قصة حياة الشخص الذي يسردها).
تضمن الكتابة للمرأة، رغم اختلاف الهموم وانشغالاتها اليومية والنفسية والعقائدية؛ رحلة الانعتاق من براثن القيود المسلطة عليها، وتكسبها سلاحاً دفاعياً عن وجهة نظرها، كما أنها إعلان نوعي وفكري للعصيان ودلالاته ضد كل أنواع التقزيم أو العبودية أو الدونية الرجالية. (فلن يحرر النساء إلا النساء أنفسهن)، لتخرج بدورها من سجن الكتمان وترتحل في عوالم التخفّف من وطأة الإخفاء، وما فتئت المبدعة العربية تنسج سدوداً منيعة ضد كل أشكال المنع ومحاربة الصورة السلبية لقدرات المرأة في تحديد مصائرها المتعددة وتخليد اسمها كفاعلة متميزة في الحياة الثقافية المتجددة. وتتعدد الأسماء العربية في مجالات الكتابات الذاتية، فنذكر لطيفة الزيات ونوال السعداوي وهدى الشعراوي وفدوى طوقان وليلى عثمان وليلى بعلبكي.. وغيرهن ممن وقفن أمام مرآة الإفصاح، وكتبن بتراب الفكر المتناثر صدى التعايش والحب والعرف والصدام وغيره كموقف واضح المعالم ضد قوانين الصمت الجماعي. فكيف تبوح الأمكنة بسير الذات المتكشفة والمستكشفة؟
مكاشفة (الأنا) في السيرة الذاتية النسوية
تضمن الثورة فرصة الإعلان الصريح عن لحظة المقاطعة والرفض والعصيان الفوري ضد كل مترهلات الفكر والثقافة وأسلوب الحياة غير الحائز على الاكتفاء والاقتناع من قبل الفردانية، ضمن مبدأ المجموعة. وفي غمار ما عاشته المرأة العربية ضمن أسلوب مغاير من التوافق القسري في حياة الخنوع؛ فإن مرآة الكتابات الذاتية كانت رقصة زوربا أمام عالم مكتظ بالدونية وغير قابل لنوعية التعبير الفاضح لأسرار حياة الذات الكاتبة للسيرة. ونزولاً عند القناعات المتوارثة بأن البيوت أسرار، وضرورة عدم إفشاء حرمة البيت، وما تعيشه المرأة المحصنة في عرين الحياة؛ فإن الثورة الفكرية التي تولدت بالعالم العربي كانت مشروعاً لنهضة الذات وإصراراً لا نظير له من أجل التغيير بكل ما أوتي من أساليب التحدث بالأنا المباشرة أو المتخفية والمتحدثة بضمير الغائب أو غيره من فنون النص في السير ذاتية. ووفق مرونة الجنس الأدبي المستعمل ركبت لطيفة الزيات في (أوراق شخصية.. حملة تفتيش) صور مدينة الذات وطرقت جماليات المكان وتحدثت بإصرار الأنا الثائرة عن خفايا الفضاء المغلق وفتحت نوافذ أحداثه الممزوجة بالصبر والتحدي والرفض والعصيان والحب والجنس والفتاوى المعلنة والمخفية.
ترتحل صورة الأنا في (أوراق شخصية) بين انحيازها للانتماء أو اللاانتماء في المكان واللامكان، ليكون البيت موضع السؤال ومركز الحدث ومولد طاقة المكان. (وكان من المستحيل أن تدرك الفتاة في تعليمها الجامعي ولا المرأة في مقتبل العمر بعد أن تخرجت وحبل الأم السري قد انفصم؛ أن خيوطاً ما أياً كانت هذه الخيوط تشدها إلى ماضيها، ماضي البيت القديم. نفاذة متفجرة كالقذيفة، الفتاة والمرأة في مقتبل العمر لم تعد ومضة البرد في ظلمة الغيوم ترضيها، لا أقل من صبح تهب العمر لطلعته. السلطة سقطت في الأرض والسماء، ومع سقوط السلطة تسقط الحاجة الملحة للفناء في أحضان الأب حباً ورعباً، والخوف تبدد من المنح والمنع، من الأوامر والنواهي، من الملائكة والشياطين من العقاب والحساب وسين وجيم وسؤال الملاكين ودقة رجال الشرطة في الفجر على الباب). تكتب لطيفة الزيات بعمق الشعور ونقيضه، وترتب فصولها السردية والذاتية بحبكة زمنية خارقة تسحب القارئ إلى بنودها، ليتحمس لحماسها ويحزن لحزنها وينقبض قلبه لسجنها ويعلن العصيان لرفضها. تمرر الكاتبة كل بنيتها الفكرية، وشحنها بحماسة النضال وجرأته من أجل رفض سلوكيات اجتماعية معايشة في مجتمع تقليدي مكبل بقوانين صارمة. تتبلور الأنا في الكتابة السير ذاتية بشكل حماسي، لتصرخ كل بطريقتها التعبيرية والأسلوبية في رحاب البحث عن الهوية الذاتية وإرباكها لكل جمود في الوعي الفردي والجماعي. ولم تقف فتنة العصيان عند كتابة نسوية محددة بل التمست جلها البحث عن المسكوت عنه لتنسجه صورة علنية وتنشر ألوانه على قارعة السير ذاتية بطرق أدبية مختلفة. فكما أطنبت لطيفة الزيات في قراءة المكان وحدوده، والسجن وفصوله، والبيت وجموده، ضمن منظور جديد وتجربة مختلفة مربكة ومنفلتة الصياغة التعبيرية والسردية في أوراق جد شخصية، تتحول إثرها الأنا وتتزاوج ثم تنفرد ثم تستجدي المكان والمكانة؛ كذلك تمضي الكاتبة الجزائرية مليكة مقدم في البحث عن الأنا، بنوع من السرد الملفت للتعجب والصارخ بجرأته التي تكسر قواعد الأعراف والمقدس. ففي روايتها (رجالي) تتطرق الكاتبة لعلاقاتها المتحررة في المجتمع الشرقي المنغلق والمتحمس لكل بنود التقاليد المتوارثة، فتتولد الذات الراوية بشكل رحب ومتحرر لتدقق تفاصيل حميمية في تجاربها الجسدية المنفلتة مع الآخر الرجل. لم تفر مليكة مقدم لأساليب السرد بضمير الغائب أو الإيحاء أو استعارة اسم مغاير، بل تعمدت المكاشفة والوقوف أمام انعكاس مرايا الواقع التي تعيشه والأفكار التي تخوضها، لتمرر في سطورها لحظات فرحها الصارخة والمزامنة لكل مراحل اعترافاتها في بيئة متشددة وخارج كل أشكال الرقابة الفردية أو الجماعية، (إن حاجة المرء إلى الكتابة ليبرر على رؤوس الملأ ما كان أتاه من أفعال أو صدع به من آراء، ويكون شعور المرء بهذه الحاجة أكثر إيلاماً وأشد إلحاحاً على وجه الخصوص إن ذهب في ظنه أن الناس قد افتروا عليه). تبرر هذه الحاجة كل أشكال الكتابة الصريحة في السيرة الذاتية النسوية بالعالم العربي، فتخدم شهرتهن، وتداعياتها كرسالة للبحث عن الذات. رحلة البحث عن الذات كانت عنواناً لورقة الأستاذة سالمة المرهوبية في كتابات الذات في الأدب العماني الحديث، لتقرأ فيها مذكرات أميرة عربية (سالمة بنت سعيد بن سلطان)، طرحت الكاتبة صورة الأنا الفردية ضمن الأنا الجماعية المختلفة بما أنها كانت سيرة ذاتية نتاجاً (لحوار ضمني مع القارئ الأوروبي الذي وجهت له خطابها... كما شكل نتاجاً للتفاعل الثقافي بين منتجة النص العربية والثقافة الأوروبية التي انزرعت فيها وعاشت في إطارها). تعددت نسيجية البحث عن الأنا الذاتية المتمردة والثائرة، لتكتب الأميرة فصول حياتها وزواجها وهروبها وانفلات أحلامها وعزلتها بطريقة سلسة متقنة تجتمع فيها خصوصية الأنا الفردية ضمن اختلاف الثقافة التي تنتمي لها والثقافة التي تعيشها، وتنقسم فصول الكتابة إلى مراحل الطفولة وما بعدها لتنمو الأنا المتزنة الممتلكة لرؤية بحث واضحة وملحة عن الهوية الذاتية الجديدة والقديمة والمنفصلة والمتصلة والواحدة والمثناة.
تحدثت أمل التميمي مطولاً عن لحظات الاستغراب المحفوفة بمخاطر البوح السردي في الكتابات النسوية، لتكثر بدورها نوال السعداوي في مواقفها المتشددة نحو افتكاك المرأة لحقوقها وتملكها لها ضمن رحلة التعايش الجماعي، فتتولد الذات العنفوانية الأسلوب والخارقة الكلمة والواضحة الموقف، لتستمر رحلة الكتابات النسوية المعاصرة في جدلية متفاوتة التحديد لجنس الكتابة ولقبولها وتجديدها كتجربة ريادية للبحث عن الأنا وأزمة الهوية الذاتية ومفارقاتها التعبيرية والتاريخية في عالم السير ذاتية بالعالم العربي.
ذو صلة