مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

التشادي روزي جدي: أدركت حبي لأنجمينا وكتبت عنها حنيناً إليها

حوار/ محيي الدين جرمة: اليمن


روزّي جدّي. كاتب وروائي تشادي، يعيش في أنجمينا ويعمل في السلك القضائي. صدر له أربع روايات وكتاب في أدب الرحلة. فازت روايته (زمن الملل) بجائزة غسان كنفاني. وفاز بجائزة التميّز الأدبي عن روايته (ارتدادات الذاكرة)، الرواية التي أحدثت صدى وأثارت غباراً وأسئلة، وكُتبت حولها عديد دراسات ورؤى من قبل نقاد الأدب والسرد عربياً وأفريقياً، ناهيك عن كونها أرفع جائزة تقدمها وزارة الثقافة في بلاده تشاد. كما توج بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة عام 2026م عن مخطوطة بعنوان (فوق الأهرامات وتحت القباب، يوميات بين القاهرة وإسطنبول). حول ذلك وحول روايته الجديدة: (ثلاثية أنجمينا) الصادرة عن دار ديوان؛ كان لنا معه هذا الحوار:
بعد رف صغير من الروايات التي حققت حضوراً متميزاً لتجربتك ككاتب وروائي تشادي صدرت روايتك الجديدة (ثلاثية أنجمينا)، ولعلها العمل (الأقرب إلى قلبك) كما تقول. حدثنا عن أوجه الاختلاف والتقنيات المستخدمة في هذه الرواية تحديداً.
- علّموني في الابتدائية أن هناك أربعة فصول في السنة، لكني عشت حياتي كلها في أنجمينا التي لا نشهد فيها سوى ثلاثة فصول. من هنا جاءت الثلاثية التي كتبت فيها عن التاريخ السياسي للعاصمة التشادية التي ولدت قبل بضع وستين سنة وشهدت الكثير من العنف السياسي، حروب أهلية وانقلابات ولخصت الصراعات التشادية كلها. كتبت عن مدينتي بدافع الحنين الحتمي إليها حين أغادرها رغم أنها تعد من بين أسوأ مدن هذه الأرض. قلت إنها الأقرب إلى قلبي لأني كتبت عن أشياء أعرفها وعشتها. كتبت عن جيلي وعن الحروب التي عشناها والرصاصات التي مرت قرب رؤوسنا وعن الأصدقاء الذين التحقوا بالثورات المسلحة وماتوا وعن كل الكوارث التي عاشها جيلنا نحن مواليد التسعينات.
في الأعمال الأخرى كتبت بتقنية الراوي العليم ما عدا روايتي الأولى، هنا عدت إلى ضمير المتكلم وهي تقنية تسمح بالحديث عن المشاعر بشكل أعمق.
منذ نحو عقد وأنت تكتب عن أنجمينا، عن بلادك تشاد، عن قضاياها وقضايا دول أفريقيا جنوب الصحراء بالخصوص. ما الذي جعلك تتعلق أكثر بأنجمينا كهاجس للكتابة على الورق؟
- قال جورج لوكاش قبلي إن (الرواية فن المدينة بامتياز)، أعتقد أن أنجمينا جعلتني روائياً. فأنا وصلت إليها وأنا رضيع ولم أعرف مدينة غيرها لأكثر من عقدين. تعلقت بها وأحببتها وشعرت بأنها تعني لي الوطن. حين أغادرها ولو داخل تشاد فإنني أشعر بالغربة. ولأني عشت طوال حياتي فيها عرفت عنها الكثير، تاريخها ومشاكلها الاجتماعية وأزماتها وسكانها.
رغم قسوة الظروف التي مرت بها بلادك إلا أنك تكتب من منطلق (حب الوطن) وضرورة الهروب، ووخزات الحنين، وحتمية العودة. كما تقول. أليس كذلك؟
- أحب بلادي ولا أعرف لماذا؟ أحياناً أقول أنا لا أحبها بل أحب أهلي وأصدقائي ولهذا أحب المكان الذي يعيشون فيه. لكني اكتشفت أنني أحبها رغم أنها ليست جيدة للعيش وأتفهم من يغادرونها لكني عاجز عن الابتعاد عنها. أنجمينا منحتني حكايات وقصصاً وقدرة على الكتابة رغم صيفها الحار وانقطاع الكهرباء وصعوبات البحث عن القوت وكل ما يمنع المرء من أن يجلس ويفكر ويكتب. لا يعرف المرء شعوره تجاه مدينته إلا بعد أن يغادرها. غادرت أنجمينا إلى تركيا قبل سبع سنوات. وحده الله يعلم كم اشتقت إليها سريعاً. جميل هو الحنين إلى المدن. أدركت حبي لأنجمينا عبر جمال حنيني إليها.
صف علاقتك الجديدة بـ(دار ديوان) الذي يبدو من عنوانه أكثر ميلاً إلى الشِعر منه إلى الرواية.
- تأثرت كثيراً بنجيب محفوظ وطه حسين، المرة الأولى التي أردت فيها أن أصبح كاتباً كانت عقب الانتهاء من القراءة الأولى لكتاب (الأيام) قبل سنة تقريباً عثرت على نسخ لأعمال نجيب محفوظ وطه حسين داخل مكتبة صديق قال لي إنه اشتراها من دار ديوان عرفها لي هكذا، هذه دار مصرية اشترت حقوق هذه المؤلفات لتصدرها في طبعات جميلة ومنقحة. قرأت من تلك النسخ ورأيت الاعتناء بالتنسيق والأغلفة والتفاصيل التي تجعل الكتاب جميلاً. وقلت في نفسي:
سأسعى لنشر روايتي (ثلاثية أنجمينا) في دار ديوان كي يكون كتابي على رفّ مع مؤلفات الكتاب الذين جعلوني كاتباً. هكذا بدأت علاقتي معها واليوم أنا سعيد بأن روايتي نشرت في دار ديوان.
روايتك هذه تتحدث عن (مدينة مثقلة بالحروب الأهلية، والبطالة، والموت المجاني، في حين أنها لا تكف عن إغواء أبنائها) هلا حدثتنا كيف تعاملت مع السرد في مواضيع كهذه قد يراها البعض على قدر من الحساسية؟!
- أعتقد أن الكاتب الذي يخشى من الحقيقة عليه التوقف عن الكتابة. أكتب بصدق مع نفسي ومع الواقع ولا أهتم بمدى حساسية الموضوع بقدر ما يهمني صدق ما أحكيه. تعاملت مع السرد كروائي يعرف قيمة الأدب. أنا من مواليد التسعينات وفي فترة طفولتي ومراهقتي لم تتوقف الحروب الأهلية أبداً. الرئيس ديبي كان متمسكاً بالسلطة لوحده ومن وقت لآخر تتمرد مجموعة معينة قبلية أو إثنية وتصبح من المعارضة المسلحة على الحدود مع السودان أو ليبيا لتبدأ الحرب. مئات الآلاف من الرجال والشباب ماتوا في تلك الحروب بعضهم أصدقاء لعبت معهم كرة القدم في شوارع أنجمينا. هذه الأحداث أثرت عليّ بشكل كبير والعنف السياسي في البلدان الأفريقية يؤثر على كل شيء؛ على الاقتصاد والحياة الاجتماعية للناس وكل شيء تقريباً. فأنجمينا مدينة لا تخرج من حرب إلا وتدخل في أخرى كما تصفها والدة بركاي، بيد أنها تغوي أبناءها بالعودة لأن ثمة شعوراً من السعادة لا نشعر بها إلا ونحن نجوس شوارعها الغبارية وتتلطخ رؤوسنا المجعدة وخياشيمنا بغبارها الأبيض.
تجربتك في كتابة الرواية هل حفزتك لاكتشاف (أبكر بركاي) بطل الرواية القادم من فرنسا إلى العاصمة أنجمينا التي هرب منها ذات يوم، كأنّه يعود إلى جرح قديم لم يندمل بعد كما جاء في تصدير دار النشر؟
- فكرة الرواية هي كتابة كل ما أعرفه عن أنجمينا وكل ما عشته في هذه المدينة. هي وفاء لإغواء الحنين الذي يغمرني في كل مرة أغادرها لفترة قصيرة ورسالة حب لمدينتي البائسة التي أحبها رغم مرارتها ومعرفتي بأنها ستقضي عليّ بموت مجاني عاجلاً أو آجلاً. بركاي مجرد شخصية محركة للأحداث ووجهة نظر أخرى خاصة بمن يغادرونها لكنها تسكنهم ولا يستطيعون الفكاك منها حتى حين يدرون أنها ستقتلهم.. لكن الشخصية الرئيسة هو الراوي العليم الذي يقدم لنا تاريخ هذه المدينة منذ أن ولدت في الأربعينات كقرية صغيرة مروراً بما شهدته من أحداث كبيرة وصولاً إلى ما هي عليه اليوم وما سيحدث لها لاحقاً، فالرواية هي نبوءة عن مستقبل أنجمينا وتشاد أيضاً.

ذو صلة