مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

السيرة الذاتية مصدراً لكتابة التاريخ..

عندما وقع الاختيار على شخصي المتواضع لأكون محرراً وموثقاً للسيرة الذاتية للسيد عمرو موسى، وزير الخارجية المصري الأسبق، والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية في خريف سنة 2015، والتي صدر الجزء الأول (من أصل ثلاثة أجزاء) منها في خريف 2017، وسيصدر الثاني في خريف 2020 انصب بحثي الرئيس في البداية على موقع هذا النوع من الكتابة ضمن المصادر التاريخية التي قد يلجأ إليها المؤرخ عند التأريخ لحقبة معينة.
هالني في الحقيقة أن جلّ السياسيين العرب يكتبون تجاربهم تحت عنوان (المذكرات)، ويشاطرهم في ذلك كبار المؤرخين –على الأقل في المدرسة التاريخية المصرية- وانطلاقاً من ذلك المفهوم شديد الضيق الذي يخلط بين أنواع عدة من كتابة الحياة Life-Writing التي قد يلجأ إليها السياسي، نجد مؤرخاً مثل عبدالعظيم رمضان يجرد هذا النوع من الكتابة من أي صلاحية كمصدر من مصادر كتابة التاريخ، وفي ذلك يقول:
(إن الجانب الشخصي في المذكرات يزيد من صفتها الانحيازية، على النحو الذي يزيد بالتالي من قدر الحذر الواجب اتخاذه عن الاستعانة بها في البحث التاريخي، فتبرير الأخطاء وانتحال الأدوار، وتشويه الخصوم وتمجيد الذات، ولو أنه يوجد بدرجات متفاوتة في الروايات، إلا أنه يزيد في المذكرات، ويؤدي إلى كثير من مسخ الحقائق، ويؤدي بالتالي إلى الارتياب في أمانة القول. كما أن كتابة الواقعة التاريخية بعد سنوات من وقوعها وبعد أن أصبحت ذكرى، يؤدي إلى كثير من الخلط والأخطاء، وبالتالي يؤدي إلى مزيد من الارتياب في دقة القول).
وهنا كان لزاماً عليّ قبل الشروع في كتابة السيرة الذاتية للسيد عمرو موسى، أن أطلع على ما يقوله المنظرون لهذا النوع من الكتابة، وما هي مواصفاتها القياسية، التي تجعل شخصية دبلوماسية وسياسية عربية رفيعة بحجم الأمين العام للجامعة العربية تترك كلمتها للتاريخ بأعلى درجات التوثيق، وتجعل هناك اطمئناناً لدى القارئ والمؤرخ الذي يرجع إليها لجهة الدقة والمصداقية.
بعد فترة من البحث وجدت أن هناك خلطاً شائعاً بين مفهوم السير الذاتية Autobiographies والمذكرات Memoirs لدى الكثيرين في مصر والعالم العربي، ولإزالته دعونا في البداية نتعرف على الفرق بينهما، كما حدده المنظرون لهذا النوع من الكتابة، الذين قالوا إنهما يندرجان تحت عنوان عريض من فنون الكتابة هو (كتابة الحياة) Life-Writing، أو (كتابة الذات) Auto-écriture كما تعرف في الأدبيات الفرنسية، والتي تشمل كذلك: اليوميات Diaries التراجم Biographies والرسائل الشخصية Personal Letters، والاعترافات Confessions، بحسب التعريف الموجز الذي قدمه (مركز أكسفورد لكتابة الحياة) (OCLW).
إذن وجه الشبه الأبرز بين السيرة الذاتية والمذكرات أنهما ينضويان تحت مجال (كتابة الحياة)، وأنهما يكتبان بواسطة الشخص نفسه صاحب السيرة أو صاحب المذكرات (الراوي)، أو بدعم من كاتب آخر، لكن هناك فوارق عديدة بينهما، أهمها أن السيرة الذاتية تشمل حياة المؤلف بأكملها من الميلاد حتى اللحظة التي بدأ أو انتهى فيها من كتابة سيرته. فيما تضيق المذكرات العدسة أكثر على جزء معين من هذه الحياة (سنوات المنفى على سبيل المثال).
علاوة على ذلك، فإنه في كتابة السيرة الذاتية يتطلب الأمر التزاماً بالترتيب الزمني لحياة صاحبها (الميلاد، الطفولة، الشباب، المسيرة المهنية.. إلخ)، وهو الأمر الذي لا تلتزم به المذكرات، التي يتحرك السرد فيها للأمام وللخلف في حياة المؤلف، حسب الضرورة.
ويعود ذلك إلى أن المذكرات تركز في بنيتها على الموضوع (السنوات التي قضاها الشخص وزيراً أو سفيراً أو صحفياً أو جندياً محارباً.. إلخ) أكثر من تركيزها على التسلسل الزمني، فينتهي القارئ من المذكرات وهو ملم بأحداث رئيسة في حياة صاحبها، ولكن ليس بالضرورة وفق ترتيبها الزمني.
مصادر المعلومات بين السيرة الذاتية والمذكرات
هناك أوجه اختلاف رئيسة فيما يتعلق بمصادر معلومات السيرة الذاتية والمذكرات، فعلى الرغم من أن كليهما مبنيان على الحياة الحقيقية لمن يكتبهما فإن السيرة الذاتية تحتوي على حقائق عالية التوثيق، ومعلومات شديدة التفصيل، وتواريخ غاية في الدقة. كما أنها تتطلب تحقيق الروايات على نطاق واسع، وإجراء المزيد من المقابلات مع شهود العيان أو شركاء صاحب السيرة في محطات مفصلية من حياته أو مواقفه وأدواره، مع الاستعانة بما يؤكد صدق روايته من الوثائق الرسمية السرية والعلنية والأرشيفات الصحفية، خصوصاً في حالة السياسيين، الذين ساهموا في صنع/ أو كانوا شهوداً على أحداث تاريخية في أوطانهم.
انطلاقاً من اعتماد السيرة الذاتية على هذا الحشد من المصادر المحققة والمدققة يُنظر إليها باعتبارها شكلاً من أشكال الكتابة التاريخية، بكل ما تحمله العبارة من حتمية التزام كاتب السيرة بأعباء البحث المضني، والتوثيق العميق، والقتال مع الذات لكبح جماحها وإجبارها على التمسك بأعلى درجات الحياد والموضوعية الممكنة.
أما المذكرات بحسب ديفيد ناساو David Nasaw- الذي ترأس لجنة تحكيم فرع السيرة الذاتية لجوائز بوليتزر The Pulitzer في سنة 2015 - فهي: (جزء من الحياة، أو لحظة من الحياة لم يتم توثيقها، فلا توجد بها وثائق تدعم ما يقوله كاتبها، ولا توجد بها مقابلات إضافية مع شركاء أو شهود عيان، ولا يستعان فيها بمقالات صحفية، ولا يوجد فيها سياق يوضح كل حادثة يتعرض لها صاحبها. المذكرات هي عمل -كما يوضح العنوان- من الذاكرة. أما السيرة الذاتية ليست من أعمال الذاكرة).
نستطيع أن نكون أكثر تحديداً فيما يخص مصادر السيرة الذاتية والمذكرات، وفي ذلك نشاطر مركز ( The Author Learning Center (ALC -الذي يدعم الأشخاص في كتابة ونشر سيرهم الذاتية ومذكراتهم- الرأي في قوله: (إن السيرة الذاتية تقوم على الحقائق، في حين أن المذكرات تركز أكثر على العواطف والمشاعر).
بموجب العرض السابق أستطيع القول إن ثلاثية (كتابيه) هي سيرة ذاتية للسيد عمرو موسى، وليست مذكراته. تغطي بأجزائها الثلاثة حياته من الميلاد حتى ترؤسه لجنة الخمسين لكتابة الدستور المصري الصادر في سنة 2014، ذلك لأننا طبقنا في كتابتها المواصفات القياسية العالمية لكتابة السيرة الذاتية Autobiography السابق الإشارة إليها، من أنها تغطي تقريباً حياته كاملة منذ ميلاده سنة 1936 حتى سنة 2014، والتزمنا في كتابتها بالتسلسل الزمني للأدوار التي لعبها في هذه الحياة، والتزمنا كذلك بمنهج صارم في تحقيق وتوثيق الوقائع والحوادث التي تناولها السيد موسى في سيرته، اعتماداً على الوثائق الرسمية السرية والعلنية التي لا تقبل شبهة انحياز، سواء خلال فترة عمله وزيراً للخارجية المصرية (1991 - 2001) أو أميناً عاماً للجامعة العربية (2001 - 2011).
بجانب المقابلات التي أجريناها مع شهود العيان والشركاء (34 مقابلة مع رؤساء جمهوريات ووزراء خارجية وسياسيين ودبلوماسيين باتساع العالم العربي في الجزأين الأول والثاني) الذين كانوا معه في الحوادث الرئيسة التي تناولها في سيرته، مع العودة للأرشيفات الصحفية العربية والأجنبية، مع بحث عميق يوضح السياقات التاريخية التي جرت فيها الوقائع والحوادث، وكانت محصلة ذلك كله ارتفاع منسوب الموضوعية في السيرة الذاتية للسيد عمرو موسى، الأمر الذي يدخلها من دون شك أو جدال إلى حقل الكتابة التاريخية، عكس ما يشيع الكثير من المؤرخين الذين ينظرون بارتياب عام إلى هذا النوع من الكتابة.
في الختام.. لعلي أتجاسر –دون تجاوز– فأقول إن السيرة الذاتية للسيد عمرو موسى بالمنهج الذي كتبت به، هي أول سيرة ذاتية لسياسي عربي تكتب بالمواصفات القياسية التي وضعها المنظرون الكبار ومراكز البحث المرموقة عالمياً في مجال (كتابة الحياة) بشكل عام والسيرة الذاتية بشكل خاص.
وسأكون مدينا بالشكر والامتنان والعرفان لأي شخص في العالم العربي على اتساعه يدلني على سيرة ذاتية عربية -أو على الأقل لسياسي عربي- سابقة على سيرة السيد عمرو موسى اعتمدت في كتابتها على سيل من الوثائق الرسمية السرية والعلنية المثبتة في متونها وحواشيها، ومقابلات شهود العيان والشركاء المسجلة بأصواتهم، والأرشيفات الصحفية العربية والأجنبية، والدراسات الأكاديمية الرصينة الصادرة بلغات متعددة باتساع المعمورة.
ذو صلة