أتيحت لي فرصة الاطلاع على العدد الرابع عشر من مجلة الرسالة لصاحبها الأستاذ أحمد حسن الزيات (1885 - 1968)، الصادر في أغسطس 1933، وكان وصف المجلة آنذاك (مجلة أسبوعية للآداب والعلوم والفنون)، وكتب تحت العنوان بخط أصغر (تصدر مؤقتاً في أول كل شهر ونصف)، وهذا يعني أن المجلات التي تعنى بالعلوم والفنون والآداب تعاني دائماً من صعوبات تحول دون انتظامها، وقد يصل الأمر في النهاية إلى احتجابها.
ورغم أن عدد الرسالة المشار إليه صدر في أربعين صفحة فقط، إلا أنه تناول موضوعات متنوعة شملت النقد الأدبي والشعر والقصة والتاريخ والترجمة والفلسفة وموضوعاً علمياً وموضوعات اجتماعية وعرضاً لبعض الكتب، وإعلاناً عن أربعة كتب جديدة، هي: أسباب الحرب العالمية (الأولى) للأستاذ سيدني برادشوفين، وحياة نابليون للأستاذ حسن جلال، وفتح العرب لمصر للدكتور بتلر، والنجوم في مسالكها للسير جيمس جينز.
وما يلفت الانتباه حقاً أن المجلة لا تتعالى على القارئ، بل تسعى هي إليه، فتمده بوجبة ثقافية دسمة وسهلة الهضم في التوقيت ذاته، وبهذا عملت المجلة على تشكيل الوعي الثقافي للقارئ من خلال مناقشة موضوعات جادة متنوعة، تربط المتلقي بتاريخ أمته، وتفتح له نافذة على الثقافات الأخرى إيماناً بأهمية الاحتكاك الفكري مع الآخر كأداة ضرورية لفهمه والتعامل معه.
هذه هي الرسالة منذ ثمانين عاماً ونيف، وقتما كان القارئ يسعى وراء مجلته بدأب، مضحياً بقرش ليقتنيها، عازماً على أن يقرضها لقارئ آخر مقابل مجلة أخرى أو حتى بدون مقابل. ولا أنسى ما ذكره صديق يمني من أن أعداد مجلة الرسالة كانت ممنوعة من التداول في اليمن أيام حكم الإمام، فكان يتم تهريبها وتداولها من مدينة لأخرى حتى إذا عادت لصاحبها الأول بعد شهور وجدها مهترئة من كثرة الأيادي التي تداولتها، إلا أن الأثر الثقافي الذي تركته كان لا يقل عن الأثر الذي تحدثه جامعة من الجامعات.
المؤسف في مسيرة المجلة هو نهايتها، فقد توقفت عن الصدور عام 1953 (أصدرت 1025 عدداً)، بعد أن قامت مصلحة الضرائب بالحجز عليها استيفاءً لديونها، وحاول الزيات بعد ذلك بسنوات إصدار المجلة مرة أخرى باسم (الرسالة الجديدة) إلا أن المحاولة لم يكتب لها النجاح، إذ سرعان ما توقفت عن الصدور نهائياً. لتختفي من الحياة الثقافية العربية واحدة من أهم الدوريات الثقافية التي لا تزال مرجعاً لكثير من الباحثين الراغبين في التعرف على ملامح الثقافة المصرية والعربية.
واقع القراءة
فماذا عن واقع القراءة الآن، وإلى أين تتجه الدوريات التي تعنى بالثقافة والآداب؟ هل عليها أن تعدل من مضمونها لترضي القارئ الذي لم يعد لديه وقت سوى لدقائق معدودة يطالع فيها على عجل موضوع ما، وسرعان ما يهجره إلى حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي، ليرد على رسالة، أو يعرف الاسم الذي اختارته الفنانة الشهيرة لابنتها بعد أن طرحت استفتاءً على محبيها ليساعدوها في الاختيار! أم يجدر بتلك النوعية من المجلات أن ترضى بالاحتجاب الإرادي والتحول إلى ركن في مجلات اجتماعية أخرى لها حظ أكبر في التوزيع والأرباح.
الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، فالقضية أعقد من حال المجلات الثقافية، والمسألة تخرج عن كونها نجاحاً أو فشلاً في سياسة التسويق، بل تدخل في إطار المسؤولية الاجتماعية للدولة بكل مكوناتها.
دعم الدواء والكتاب
ما زالت الدول والحكومات تدعم إنتاج أنواع معينة من الأدوية التي لا غنى عنها، فتقوم بتوزيعها بأقل من سعر التكلفة، والسبب في ذلك أن الفوائد التي ستتحقق من بيعها بسعر مدعم أكبر بكثير من فارق الدعم الذي تتحمله الدولة، إذ إن هذه الأدوية لازمة للوقاية أو للعلاج من بعض الأمراض الفتاكة، لهذا نجد على سبيل المثال أن غالبية دول العالم تتيح التطعيمات للمواليد الجدد بالمجان، وهذا ما يقودنا إلى موضوع على ذات الشاكلة، فإذا كان الدعم لازماً للوقاية من بعض أمراض الجسد فلا أقل من توجيه الدعم إلى هذا النوع من الدوريات بهدف الوقاية من أمراض أخطر توطنت في أمتنا حتى أصبح الفكاك منها أحد الأولويات الكبرى. لكن دعم الدولة لهذه الدوريات يضعها أحياناً في دائرة التأثير وأحياناً التحكم، غير أنه مهما بلغ هذا التأثير فإن الفائدة التي تتحقق من وجودها أكبر بكثير من عدم إصدارها من الأساس.
مجالات العمل
المطلوب إذن العمل في أكثر من اتجاه في وقت واحد. الاتجاه الأول إدراك العاملين في مجال الإعلام والنشر بمختلف مجالاتهم أن اجتذاب القارئ مسؤوليتهم، وأن عليهم تحقيق ذلك من خلال التناول الجاد للقضايا التي تهم القارئ.
أما الاتجاه الثاني فهو توعية دور النشر والمؤسسات الصحفية بأن من يهجر الكتاب كخطوة أولى، سيهجر الصحيفة ذاتها في الخطوة الثانية، وهو ما يتطلب من القائمين على هذه المؤسسات زيادة المحتوى الثقافي في إصداراتهم بغض النظر عن اعتبارات المكسب والخسارة.
أما الاتجاه الثالث فهو تشجيع المبادرات التي تدعو للقراءة في كل مكان، في المواصلات العامة، وفي المدارس، وفي المصايف، وفي المقاهي، ومراكز التسوق.
البنية الثقافية
ليس من المنطقي أن نطالب بإعادة تهيئة البنية الثقافية في عالمنا العربي من أجل التصدي للإرهاب والتطرف الفكري، ونتجاهل في الوقت ذاته دعم المجلات الثقافية بمفهومها الواسع. وبدلاً من الإسراف في الإنفاق على المؤتمرات والملتقيات التي تكرر نفس الخلاصات؛ يجدر بنا التنبه إلى أن بيئتنا الفكرية تحتاج إلى ممارسات متجددة، توجه النشء، وتحدد الأولويات، وترسم الطريق الذي ينبغي أن نسير فيه.
ومن أهم هذه الممارسات الدوريات الثقافية التي ينبغي عليها أن تحذو حذو من سبقونا في التأسيس، فتجعل من الثقافة سلعة متوافرة في متناول الأيدي، ليس فقط من خلال دعم مجتمعي للإصدارات الثقافية بأنواعها، ولكن من خلال محاولة الوصول إلى القارئ العادي وإمداده بالموضوعات المختلفة التي تساهم في تشكيل وعيه وإدراكه.
ولا يجب أن يغيب عنا مسؤولية الدولة في دعم المنتجات الثقافية بأنواعها، لاسيما المجلات المتخصصة، من خلال الاهتمام بها واعتبارها مشروعاً قومياً مستمراً يجري الاعتناء به على كافة المستويات، وحبذا لو تم إدماج المجلات الثقافية أو بعض موضوعاتها في المناهج التعليمية من خلال توجيه الطلاب إلى دراسة محتواها واختيار ما يناسب توجهاتهم.
إن إعادة إدماج الثقافة في حياتنا مسؤولية مجتمعية ينبغي أن تشارك فيها مؤسسات عديدة أولها الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الخيرية التي يجب أن توسع من مفهوم الخير ومجاله، فلطالما عرف تاريخنا العربي من أوقف على العلم أوقافاً شاسعة ساهمت في إحداث نهضة تعليمية وثقافية، وآن لهذا السلوك المحمود أن يعود ثانية في أشكال جديدة، تؤدي الدور نفسه في ظل تحديات أخطر تهدد كيان الأمة ذاتها. فالقضية تتخطى مجال الظاهرة الثقافية وتتعداه إلى الظواهر الاجتماعية والفكرية التي همشت دور الثقافة والقراءة والمثقف ذاته، لحساب ظواهر وفئات لا تقطع أرضاً ولا تبقي ظهراً. (وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) (الرعد: 17).