حضور المجلات المتخصصة في الشأن الثقافي ازداد عما كان سابقاً، والدليل على ذلك العدد الكبير من الإصدارات والمجلات الثقافية، وبخاصةً في منطقة الخليج العربي التي تمسك زمام المبادرة في هذا الشأن.
والملاحظ أن تفاعل المثقفين والكتاب والمفكرين مع تلك المجلات كبير، من مختلف أنحاء الوطن العربي، وهذا التفاعل يعكس أهمية تلك المجلات، وجدية المواد المنشورة فيها، ومعالجتها لقضايا ثقافية ونقدية وفكرية عدة.
ولو أردنا أن نجري قراءة سريعة في تحولات مضامين تلك المجلات، وأخذنا الأردن مثالاً، لوجدنا أن قيمة المواد المنشورة فيها بين الماضي والحاضر قد اختلفت كثيراً، حيث كانت في الماضي تنحاز المواد في جلها إلى قضايا فكرية في المقام الأول، ونقدية ثانياً، وكانت تترك هامشاً بسيطاً لنشر النصوص الإبداعية، أما حالياً، فيطغى نشر النصوص الأدبية على مساحة ليست بقليلة من عدد صفحات تلك المجلات، وهذا يؤشر على أمور عدة، ربما من أهمها غياب النقد وتراجع دور الفكر، وتغليب سياسة التنفيع والشللية، من خلال نشر تلك النصوص التي تعاني من فقر كبير في المستوى الإبداعي، حتى أن بعضها لا يستحق النشر.
كما أن بعض المجلات الثقافية حالياً تنقصها المهنية في الصحافة المتخصصة، والثقافية مثال، حيث نجد أن مجلة ثقافية يختلط فيها الحابل بالنابل، فقد تجد في مجلة ثقافية شهرية أو فصلية تغطيات صحفية لفعاليات ثقافية حدثت قبل شهر من تاريخ نشر المجلة المطبوعة.
ويبدو أن لهذا التراجع أسباباً عدة، ربما من أهمها، قلة الدعم الحكومي لبعض تلك المجلات، وبخاصة في بلاد الشام، حيث أنها رهينة أمزجة المسؤولين، ويتأرجح الدعم المالي ما بين انعدام، أو ما لا يسد رمق تلك المطبوعات الثقافية، كما أن بعض تلك المجلات تتبنى أحياناً وجهة نظر المؤسسة الداعمة لها، سواء أكانت حكومية أم خاصة، مما يؤثر على سياسة المجلة ونهجها وموقفها.
ومن الملاحظ كذلك أن ثورة التقنيات واتساع رقعة الشبكة العنكبوتية قد أثرا باتجاهٍ سلبي في حضور المطبوعة الورقية، حيث أن معظم المجلات قد أسست مواقع ثقافية على الإنترنت، على حساب النسخة الورقية التي بدأ القارئ العربي المهتم بالاحتفاظ بأعداد من تلك المجلات، يلاحظ ذلك، وراح مكرهاً أحياناً يتصفح تلك المواقع الإلكترونية، وهذا لا يغيِّبُ، بلا شك، أهمية وضرورة بعض تلك المواقع، ودورها الفعال في استقطاب أصوات جديدة من مختلف أنحاء العالم العربي، الشيء الذي ساهم في تقريب المشرق العربي إلى مغربه.
وأخيراً، هناك مجلات ثقافية رائدة، في دول الخليج العربي، مثل مجلة العربي الكويتية، ودبي الإماراتية، والمجلة العربية السعودية، ونزوى العمانية، أما في المشرق العربي فبعد غياب مجلة الكرمل الفلسطينية، والآداب اللبنانية، والشعر السورية، وآفاق العراقية، بدأت تظهر مجلات ثقافية لم تحدد هويتها، حيث يغلب الطابع الإخباري على موادها المنشورة، على حساب المواد الفكرية والنقدية التي سبق ذكرها.