مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

نقص التمويل وغياب الوعي الثقافي

لا يزال للمجلة الثقافية ذلك البريق والحضور اللذان تستمدهما من الثقافة نفسها، إلا أنها تواجه تحديات كبرى، وبخاصة أن الصحافة الورقية في الدول العربية، بل في العالم، تواجه تحديات كثيرة، نتيجة التفاعل الكبير الذي أحدثته شبكة الإنترنت. وإذا نظرنا إلى الصحافة الثقافية، ومنها المجلات الثقافية، سنجدها الحلقة الأضعف في صناعة الصحافة، وهذا يرجع إلى وضعية العالم العربي ونسبة الأمية، ومدى اهتمام القراء بقراءة الأدب والكتب الثقافية والعلمية. وبالرغم من ذلك لا يمكن أن ننكر بريق المجلات الثقافية بل تأثيرها، لأن الكلام الثقافي هو الباقي والمؤثر أكثر من كلام الساسة أو الأخبار العادية.
تواجه المجلات الثقافية مشكلة مزمنة، وهي أنها مجلات لا تستطيع جني أرباح تسد من احتياجاتها المادية، نتيجة مشكلات خاصة بتوزيعها وتسويقها. وبعيداً عن الوسيلة الإعلامية سواء مجلة مطبوعة أم إلكترونية؛ نجد هناك حركة معقولة لاستعادة مجد المجلة الثقافية التي كانت مصر تعرفها خلال الستينات من القرن الماضي، حيث ظهرت مرة أخرى قوة مجلات «إبداع»، و«فصول»، و«عالم الكتاب» الثقافية والأدبية، فضلاً عن تجربة «الكتب وجهات نظر»، ومجلة «الثقافة الجديدة»، ومجلة «الخان» الثقافية، إلا أنه رغم بريقها لم يصاحبها التأثير الكبير المطلوب.
 والدعم المالي لتلك الدوريات الثقافية مهم، بل هو أساس إصدار المجلة الثقافية. وفي مصر لا نجد أية مجلة ثقافية كبرى خاصة أو مستقلة عن المؤسسات الرسمية، فكل المجلات المذكورة سالفاً، تصدر عن هيئات وزارة الثقافة المصرية أو بدعم من صندوق التنمية الثقافية الذي يتبع وزارة الثقافة أيضاً. أما مسألة تأثير أو سيطرة الحكومات على تلك المجلات، فمن المعروف أن صاحب رأس المال التمويلي يسيطر ويؤثر على أي منتج، سواء سيطرة مباشرة أو غير مباشرة.
معروف أن أزمة البيروقراطية الحكومية قد لا تساعد القائمين على المجلة -وأحياناً يكون رئيس التحرير أديب متميز- إذ يواجهون مشاكل مع موظفي الوزارة، حينما يريدون تطويرها وتحديثها، فضلاً عن عدم وجود ميزانية خاصة بالمجلة، ويكون عادة وجودها مرهوناً بالوزير أو رئيس الهيئة الثقافية.
وهناك مشكلة كبرى ترتبط بمشاكل الوعي الثقافي العام الذي لا يساعد على تقوية المجلة، إضافة إلى عدم وجود منافذ لتوزيعها. كما أن المجلات الثقافية العربية، ومنها المصرية، تحصر الثقافة في مفهوم ضيق اقتصر على جوانب الشعر والقصة والنقد الأدبي، دون أن تلتفت إلى أهمية العلم والثقافة العلمية.
 في عقد التسعينات كانت لدينا مجلات ثقافية مهمة تصدر عن وزارة الثقافة المصرية منها: «فصول» التي كانت تهدف إلى نشر المناهج النقدية الحديثة خصوصاً البنيوية، وذلك تحت رئاسة الدكتور عز الدين إسماعيل، ثم تحولت إلى مجلة ثقافية شاملة عندما تولى رئاسة تحريرها الدكتور جابر عصفور. وكان لدينا مجلة «القاهرة» التي رأس تحريرها غالي شكري، ثم تحولت إلى جريدة ثقافية شاملة. وعلى الجانب الآخر كانت لدينا مجلات أخرى، منها مجلة «سطور» التي كانت تصدر عن دار سطور برئاسة تحرير الدكتورة فاطمة نصر، وكانت مجلة ثقافية بالمعنى الواسع، خصوصاً أنها كانت تهتم بالترجمات، إلا أنها توقفت الآن، وكذلك مجلة «وجهات نظر».
هناك من يرى أن نجاح المجلة مرتبط بالمادة الثقافية المقدمة بها، وهناك من يرى أن النجاح يرتبط بعدد النسخ التي تباع منها، وهناك من يربط النجاح برئيس التحرير؛ إلا أن نجاح المجلات الثقافية المصرية يرتبط أيضاً بالمناخ السياسي والفكري في مصر. ويرتبط نجاح المجلة الثقافية عموماً بإدراك المسؤولين عنها أن لها دوراً ورسالة لا بد أن ينعكسا على سياستها التحريرية. وهذا هو معيار تأثيرها وبريقها، بل قد يكون سبب صدورها أن يكون لها هدف ورسالة.
ذو صلة