مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

ناجي نعمان: أعيش بالثقافة التي كرست لها حياتي ومالي حتى الاستدانة

حوار/ غالية خوجة: الإمارات


يشكل الشاعر والأديب اللبناني ناجي نعمان علامة ملفتة في مشهدنا الثقافي المعاصر كونه يهتم بالإبداع والثقافة انطلاقاً من لغة الضوء، أي الضاد، وصولاً إلى لغات العالم، بمشروعه العميق الهادف، ومبادراته المتعددة والمتنوعة، وكتاباته وجمعيته التي لا تبتغي الربح (مؤسسة ناجي نعمان للثقافة بالمجان).
وهدفه إثراء العقل والروح بأفكار مضيئة تلتفت مع إيقاعاتها إلى شعرية بارقة بلا زمان ومكان وكأنها (الهايكو) بكثافاتها الدلالية، كما في قوله: (عندما تضربك الصاعقة على رأسك، لا تنتظر سماع صوت الرعد).
هو المولود في عائلة مثقفة، فوالده الشاعر والأديب متري نعمان، عاشق الثقافة كتابةً وترجمةً ونشراً وتوزيعاً بالمجان، كتب 90 عملاً متسمة بالبصيرة والحكمة والفلسفة والعرفانية، من ضمنها موسوعتان في العالم العربي، حاصل على ثلاث إجازات تخصصية في الحقوق والتاريخ والعلوم التجارية، ودبلوم دراسات معمقة في التأريخ من فرنسا، ودكتوراه فلسفة في علم القانون.
عمل في الصحافة والتعليم والمصارف، لكنه كرس حياته للثقافة ولقب بـ(مجنون الثقافة بالمجان)، نال جائزة الشعر العالمية الكبرى من رومانيا عام 2002، وكرمته أرمينيا بوسام الاستحقاق والعرفان بالجميل عام 2015، ومنحته وسام أورورا (أرشالوس) مارديغانيان الذهبي عام (2019).
ولمعرفة المزيد عن عالمه، كان لـ(المجلة العربية) معه هذا الحوار:
ترى، كيف تكتب القصيدة ما بين الحلم والمخيلة ناثراً حكمتها وفلسفتها في الأعماق والمحيط والكون؟
- (الكل يشعر، وما من شاعر، بل محاول)، هي مقولة قديمة لي رددتها في حفل تنصيبي بجائزة الشعر العالمية الكبرى في رومانيا عام 2002 أمام 54 شاعراً تقاطبوا من أربع رياح الأرض للمشاركة في مهرجان شعري دولي، فضجت القاعة بالتصفيق، لكني أدركت قسوتي مع الشعراء المشاركين، فمن بينهم من يذوب وهو يلقي شعره، ومنهم من عقدت معهم صداقات ما زالت صامدةً إلى اليوم، وأنا لا أدعي أنني شاعر بل أحاول كتابة ما يجيش في الصدر، كما يؤلمني في أيامنا البائسة، أن كل من أمسك قلماً يطلق على نفسه لقب (الشاعر المبدع)، فيما تكون كتاباته منجماً للأخطاء اللغوية، وفارغة من أي معنى جديد، ومن مقولاتي أن (الكل في اللغة يخطئ، ومن يقول بعكس ذلك هو بالتأكيد مخطئ)، ويؤلمني أكثر أن من كان لديه جديد يقوله وأتقن لغته نسبياً لا يرضى بالنثر الرفيع المستوى باباً لإيصال أفكاره، بل يصر على الشعر فينظمه ولا يصل به إلى أي قارئ.
ترسم وتكتب القصة والمسرح أيضاً، برأيك، ما العنصر الأهم الذي يجمع هذه الفنون؟
- الرسم أقل من هواية لدي، فمجمل الرسومات كان في الأعوام (1993/1997/1999)، وزينت بها كتاب (أدبيات الألف الثاني/1999).
أما القصة فقصة أخرى، إذ يجدها القارئ في مجمل كتبي، فمرةً تكون صريحة، كما في (العداء) و(الزائر) و(الذات)، أو (سيرة نتسوكي)، ومرةً تكون جزئيةً كما في (الرسائل) و(بألم وذكاء قلب) و(الفكر مهرولاً)، و(كتابات هائمات)، ومرةً تكون صريحةً (و/أو) جزئيةً (و/أو) خفيةً كما في (المنعتق) و(المندمج)، و(الحالم)، و(الألفياء)، و(المسالم)، و(المتسامح)، وتأتي مرةً في سياق مسرحية كما في (القاتل، أو لحبك سلافة)، والأهم في القصة، بحسبي، موضوعها الجديد العميق، وأسلوبها الذي يترك في القارئ تشويقاً لمتابعة القراءة وحيزاً لفهم القصة من وجهة نظره قبل أن يصل إلى وجهة نظر الكاتب، وكذا، العمق والتشويق والأسلوب المثقف المبدع محور الفنون.
ماذا يعني لك التراث؟ وكيف نحافظ عليه في زمن حروب تستهدفه لتكسر ذاكرتنا العربية الحضارية؟ وما دور الآداب والفنون اليوم؟
- لدي مجموعة غنية من الطوابع، جلها من لبنان والعالم العربي وقليلها من الخارج، ومجموعة من آلات التصوير السينمائي وعرضه، ومجموعة من قطع الآثار والعملات القديمة، ومجموعة من المتحجرات التي اكتشفتها في أحد مواقع الجبل اللبناني، وسبق واكتشفت متحجرات من الفيلة في منطقة قريبة من مسكني، وأثرت الموضوع، وما من مسؤول إداري أو مدني تحرك، بالإضافة إلى مجموعات من الكتب النادرة والفريدة التي أحرص عليها حرصي على نسمتي الأخيرة.
جاءت مؤسسة ناجي نعمان للثقافة بالمجان لتكرس ما قلته لجهة أن (الثقافة، الحرة والمنفتحة، تصنع السلام/1969)، وأن (الثقافة لا تشرى ولا تباع/ 2004). وبين طباعة ونشر، ومجلس وصالون أدبي، ومشاركات في ندوات ومؤتمرات، وسلسلتي جوائز أدبية، ومتحف للأدباء، وأنشطة ثقافية مجانية أخرى، وسفراء، ماذا تخبرنا عن كل ذلك؟
- أعيش بالثقافة التي كرست لها حياتي ومالي حتى الاستدانة في سبيل الحركة الثقافية في لبنان والعالمين العربي والأجنبي، ولدي فيها أنشطة متنوعة كلها مجانية، يوثق معظمها بكتب سنوية، وجلها مبتكر وفريد في العالم، فبعد توزيعي الكتب المجانية منذ عام 1979، جاءت سلسلة الثقافة بالمجان عام 1991، لتفتتح نشر مئات الكتب المجانية في عشرات اللغات واللهجات لمؤلفين ومؤلفات من أربعة رياح الأرض.
وقد انطلقت جوائزي الأدبية عام 2002، وتوجت منذ ذلك الحين 1262 فائزاً من أصل 37023 مشتركاً كتبوا في 124 لغة ولهجة، وجاءوا من 133 بلداً، وهي تهدف إلى عتق الكتابات من قيود الشكل والمضمون، والارتقاء بها فكراً وأسلوباً، وتوجيهها لما فيه خير البشرية ورفع مستوى أنسنتها، فيما انطلقت جوائزي الأدبية الهادفة عام 2007، وهي مخصصة لأبناء (الضاد) وتتوزع على موضوعات أربعة: الدفاع عن اللغة العربية وتطويرها، الفضائل الإنسانية، تمتين الروابط الأسرية، أدب الأطفال الأخلاقي، ويكافأ الفائزون بها بطباعة مخطوطاتهم وتوزيعها مجاناً.
وأطلقت عام 2008 أكشاك الكتب المجانية بهدف تسهيل توزيع الكتب المجانية على العموم، ولقاء الأربعاء، وهو صالون أدبي ثقافي، والمحترف الأدبي للكتابة الذي يتبعه، وأيضاً، مكتبة المجموعات والأعمال الكاملة بهدف المحافظة على الإرث الثقافي العالمي، وتأمين مركز بحث يسمح للطلبة الجامعيين والمؤلفين بإجراء أبحاثهم فيه، كما افتتحت صالة متري وأنجليك نعمان الاستعادية عام 2012، كما أطلقت اليوم العالمي للثقافة بالمجان، ويتم في 19 أيار عبر سفراء المؤسسة وأصدقائها، وتجري خلاله أنشطة ثقافية مجانية متنوعة، وبرنامج السياحة الثقافية الذي تستقبل فيه المجموعات الطالبية وسواها في مقر المؤسسة، لتحفيزها على التأليف والنشر وإقامة المكتبات والمحافظة على إرث الكبار في عالم الأدب والعلوم والفنون، وأطلقت متحف الأدباء - بصمات عام 2013، وأجنحة الكتب المهداة إلى المكتبات الوطنية والعامة في لبنان والخارج، إضافة لسفراء المؤسسة.
عملت في الإعلام أيضاً، أما فكرت بإصدار مجلة ثقافية؟
- صحيح أني حررت في التاسعة من العمر، ونظمت وأصدرت من صنع اليدين (مجلة الطلاب)، ونضدت نصوصها العربية بأحرف لاتينية على الآلة الطابعة الوحيدة المتوفرة لدي، فكأني اكتشفت صدفةً ما سيضعه -لاحقاً- سعيد عقل أساساً لأحرف لغته اللبنانية المحكية، وصحيح أني رحت أحرر بعدها في الصحف والمجلات، وأنشأت ثلاث دوريات متخصصة بين (1981/1987)، هي: (سياسة وإستراتيجيا) و(ذي أرب ورلد) و(الصحافة والإعلام)، وتسلمت رئاسة تحرير دورية رابعة باسم (البولسية) بين (2003 و2012)، إلا أن الكتابة الأدبية سرقتني فملكتني، ولم أملك يوماً ما ينشئ مجلة ثقافية حرة ومعتبرة.
ماذا تحدثنا عن انعطافات مسيرتك الحياتية والأدبية؟ ماذا تضيف ولم تخبر به أحداً بعد؟
- مسيرتي الحياتية طويلة، وسأكب على إنهاء تدوينها في أقرب السانحات، وأما انعطافات مسيرتي الأدبية، فتاريخ هي الأخرى، وأنا أترك التاريخ ينساب في، ومتى آلمني، وتلك هي الحال في لبنان الجريح، أكتب ساعياً لجعل البشري يرتقي إلى درجة الإنسانية، راجياً أن تنساب كتاباتي بدورها في مجرى التاريخ الذي توحش وتغول، وتسهم في أنسنته.

ذو صلة