مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

الطلياني.. أول رواية تونسية تتوج بالبوكر العربية

فازت رواية (الطلياني) للتونسي شكري المبخوت بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) هذه السنة في دورتها الثامنة. وتنظم الجائزة سنوياً بالشراكة مع مؤسسة جائزة بوكر البريطانية في لندن وبدعم من هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة في الإمارات. وأسندت لجنة التحكيم المستقلة التي ترأسها الشاعر الفلسطيني مريد البرغوني الجائزة لشكري المبخوت، الأكاديمي والناقد التونسي الذي يترأس جامعة منوبة في تونس، ليصبح بذلك أول تونسي يفوز بالجائزة.
ويطمح كل الكتاب للفوز بالجائزة لما لها من قيمة مادية علاوة على قيمتها الاعتبارية، فهي تسهم في التعريف بالكاتب وبالساحة الأدبية ببلده. وجائزة البوكر عادة ما تسلط عليها الأضواء بقوة في العالم العربي وفي الخارج كذلك لأنها تعتمد كمقياس يحدد به قيمة العمل. وقبل الإعلان عن الرواية الثامنة التي تفوز بجائزة (بوكر العربية) التي تعتبر من أهم الجوائز الأدبية المرموقة في العالم العربي وقيمتها 50 ألف دولار، كانت رواية الطلياني، التي تعد الأولى في مسيرة شكري المبخوت، قد استأثرت باهتمام واسع في الأوساط الأدبية التونسية ونالت الرواية استحساناً نقدياً وجماهيرياً واسعاً. 
وتدور أحداث (الطلياني) حول تجربة اليسار التونسي في الفترة الممتدة بين نهاية حكم بورقيبة وبداية عهد خلفه زين العابدين بن علي. وهي بالتالي تتعرض لمرحلة مهمة في تاريخ تونس المعاصر وتطرح قضايا سياسية واجتماعية بالأساس. ويفتح شكري مبخوت أبواب الرواية على مصراعيها ليدخلنا إلى عالم عبد الناصر، وهو شخصية محورية لقبت بالطلياني لوسامته غير العادية، وهو منحدر من عائلة بورجوازية، يقطن إحدى ضواحي العاصمة، له أخ أكبر وهو صلاح الدين، مثقف وناجح في حياته يقطن بسويسرا وهو متخصص في الاقتصاد العالمي. ويمثل صلاح الدين الممول المادي في أغلب فترات حياة الطلياني، ورغم الاختلاف الأيديولوجى بينهما إلا أنه يقدر فيه ذكاءه وحماسته. 
وتستعرض الرواية تاريخ تونس الحديث بكل تعقيداته، وبخاصة فترة الانقلاب الذي قام به زين العابدين بن علي على نظام الحبيب بورقيبة في 7 نوفمبر 1987 والأوضاع التي مرت بها تحت حكمهما الطويل، وتتبع البطل الرئيسي في مغامراته السياسية والرومانسية في الوقت الذي تتطرق فيه بالنقد لتاريخ تونس تحت حكم الفرد الواحد.
ويشغل شكري المبخوت، البالغ من العمر 53 سنة، خطة رئيس لجامعة منوبة، وهو شخصية ثقافية معروفة ومحترمة لأعماله في الترجمة والنقد الأدبي ومقالاته الصحفية الأسبوعية، ولكن وصوله كروائي لم يكن متوقعاً. وعند صدورها العام الماضي، مثلت رواية شكري المبخوت نوعاً من الصدمة في الساحة الأدبية التونسية ونالت تجربته الأولى ترحيباً كبيراً، حيث فاز الشهر الماضي بأرفع جائزة أدبية في تونس، جائزة (الكومار الذهبي) في الرواية.
وقال المبخوت في مقابلة مع منظمي جائزة البوكر العربية إن عمله كان مستوحى من تطورات الساحة السياسية والاجتماعية التي أعقبت الثورة التونسية وأطاحت بالرئيس بن علي. (في فترة قصيرة من الزمن، عشنا أحداثاً تعادل سنوات عديدة من الارتباك والتغييرات التي لا تصدق). وأضاف أنه كان بإمكانه أن يكتب تجربته في عمود الصحف، ولكنه فضَّل أن تكون في عمل روائي، لما له من (قدرة على إدراك التناقضات والصراعات والتغيرات...) التي تلفت الانتباه. ويسعى المبخوت لنشر رواية ثانية ومجموعة شعرية هذه السنة.
من جهة أخرى، قال رئيس لجنة التحكيم مريد البرغوثي: إننا في رواية (الطلياني)، (نكون أمام واحدة من الحالات التي يلد فيها المؤلف روائياً ناضجاً في عمله الأول). وأضاف (لقد استطاع شكري المبخوت منذ المشهد الافتتاحي لروايته أن يشد انتباه قارئه إلى عالم ملتبس، وعبر تقنية تبطئ الإدراك يقوم بإضاءة فنية تدريجية للمساحات الغائمة في شخصياته وفي تاريخ تونس).
وقالت لجنة التحكيم في سياق إعلانها عن فوز (الطلياني) بالجائزة (كانت رواية أولى مدهشة.. وهي رحلة في عوالم الجسد والبلد، الرغبة والمؤسسة، والانتهاك والانتهازية، وتطرقت بشكل بارع لارتباك العالم الصغير للأفراد والعالم الكبير للبلاد). وأضاف التقرير الذي نشره الموقع الإلكتروني للجائزة عقب إعلان فوز المبخوت أن الرواية تكشف (الغطاء عن ملامح مجتمعها التونسي. وقد تباغت الرواية معظم القراء العرب بما يجسد ملامح مجتمعاتنا أيضاً)، واصفاً الرواية بأنها عمل فني يضيف للمنجز الروائي التونسي والعربي.
وسيتم في القريب إصدار النسخة الإلكترونية للرواية، ومن المحتمل كذلك ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، وتشرف على ذلك إدارة الجائزة العالمية للرواية العربية، على غرار ما قامت به في السابق من ترجمة ست من أصل سبع روايات فائزة بالبوكر.
ذو صلة