توفي الناقد الغربي الكبير إم آتش أبرامز يوم الثلاثاء الموافق 21 أبريل بمدينة إيثاكا، ولاية نيويورك، عن عمر ناهز 102 عام. ساهم أبرامز في إحداث تحوّل في دراسة الحركة الرومانسية بكتابيه التاريخيين الهامين (المرآة والمصباح) The Mirror and the Lamp و(مذهب ما فوق الطبيعة الطبيعي) Natural Supernaturalism، وقام بتحرير السبع طبعات الأولى من كتاب (مختارات مؤسسة نورتون من الأدب الإنجليزي) The Norton Anthology of English Literature، وهو مرجع في مقررات الدراسات الأدبية.
أعلنت جامعة كورنيل عن وفاته يوم الأربعاء، وكان أبرامز يدرّس في هذه الجامعة منذ ما يقرب من 40 عاماً.
في طبعته عام 1953، وُصف كتاب (المرآة والمصباح: النظرية الرومانسية والتقليد الحَرِج) بأننا أمام أحد الكتب الكلاسيكية، حيث رسم أبرامز بهدوء ورويّة حجج الفلاسفة والنقاد بدءاً من اليونان القديمة فصاعداً حيث حدد لنا حدوث تحول جذري في علم الجمال في أوائل القرن 19، مع ظهور شعراء مثل وردزورث وكوليردج.
ودلّل على هذا التحوّل من خلال العديد من الصور الأساسية، أو (الاستعارات البنائية) كما وصفها أبرامز، وعلى رأسها المرآة والمصباح. بالنسبة للكتاب الكلاسيكيين الجدد من أمثال ألكسندر بوب وصموئيل جونسون، كان جوهر الإبداع الشعري في القرن 18 يقوم على المحاكاة أو مقلد. وهناك عبارة شهيرة لشكسبير يقول فيها إن الشاعر يحاكي الطبيعة.
على النقيض من ذلك، اعتبر الرومانسيون الشاعر مصباحاً تنيره نار داخلية تجعل الطبيعة مرئية. وباستعراض قرون من الفكر النقدي، قام البروفسير أبرامز بتوثيق منعطف كبير في الشعور، حيث بدأ الكتاب ينظرون إلى الشعر بطريقة جديدة، فاستدعوا الاستعارات من النباتات أو صوت النوافير أو تدفّق الجداول المائية لشرح العملية الإبداعية.
فاز كتاب (المرآة والمصباح) بجائزة غاوس المسيحية، التي تمنحها فاي بيتا كابا، في عام 1954. وفي عام 1957، فاز الكتاب بأصوات 250 ناقداً وأكاديمياً في استطلاع رأي أجرته جامعة كولومبيا ليكون ضمن أفضل خمسة كتب في السنوات الثلاثين الماضية التي أسهمت أكثر من غيرها في فهم الأدب. أما الكتب الأربعة الأخرى فهي: (السلسلة الكبرى للوجود) The Great Chain of Being للمؤلف آرثر فجوي، (الاستعارة البلاغية للحب) The Allegory of Love، للمؤلف سي إس لويس، (النهضة الأمريكية) American Renaissance للمؤلف إف أو ماتيسين، والمقالات المجمَّعة للشاعر والناقد تي إس إليوت.
في مقابلة عام 2011، قال الباحث الأدبي هارولد بلوم، الذي درس مع البروفسير أبرامز كطالب دراسات عليا، إن (المرآة والمصباح) كان (قطعة رائعة من التاريخ النقدي والأدبي الذي يصف التحول من نظريات محاكاة التمثيل إلى الأفكار الرومانسية الإبداعية، التي يمكن أن يسميها المرء النظريات الصوفية أو الحالمة)، مضيفاً: (ويبقى هذا الكتاب مفيداً على الدوام).
درس أبرامز في هارفارد، وحصل على درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية في عام 1934. ونُشرت أطروحته التي تتعلق بالمذهب الرومانسي والرومانسيين في العام نفسه من قِبَل مطبعة جامعة هارفارد باسم (حليب الجنة: تأثير الرؤى الأفيونية على أعمال دي كوينسي وكراب وفرانسيس طومسون وكوليردج).
بعد دراسته في جامعة كامبريدج مع الناقد الأدبي أي إيه ريتشاردز، عاد البروفسير أبرامز إلى جامعة هارفارد، حيث حصل على درجة الماجستير عام 1937 والدكتوراه في عام 1940. وكانت أطروحته نسخة مبكرة من (المرآة والمصباح).
خلال الحرب العالمية الثانية، عمل البروفسير أبرامز في مختبر علم النفس السمعي في جامعة هارفارد، لتطوير شفرات عسكرية يمكن فهمها بسهولة إزاء ضوضاء خلفية للمحركات وإطلاق النار. عُرض عليه منصب التدريس في جامعة كورنيل في عام 1945 وبقي هناك حتى تقاعده في عام 1983. وكان من بين طلابه الروائي توماس بينشون والناقد والمنظر التعليمي إي دي هيرش الابن.
وقد أعرب البروفسير أبرامز عن دهشته للنجاح الدائم لكتابه (المرآة والمصباح)، حيث قال لمجلة (كورنيل كرونيكل) في 1999: (لم يكن لدي أي سبب يجعلني أتوقع في عام 1953 أن الكتاب سيروق لدائرة من الأشخاص أكبر من مجموعة متخصصة مهتمة بالنقد الأدبي. وأعتقد أن أحد الأسباب التي تجعل شريحة واسعة من القراء تهتم بالكتاب يرجع لكونه يركز في أحد جوانبه على دور الاستعارة في توجيه الفكر الإنساني. كان ذلك كتاباً مبكراً عن دور الاستعارة في الإدراك، وكذلك في الأدب الخيالي، حيث يرى أن الاستعارات الرئيسة تساعد على تحديد تصوراتنا وكيفيتها وكيف ننظر إلى المدركات الحسية).
وعلى الرغم من أنه اعتبر كتابه (مذهب ما وراء الطبيعة الطبيعي: التقليد والثورة في الأدب الرومانسي) (1971) أهم كتبه، فقد نُشر في مناخ نقدي مختلف تماماً عن (المرآة والمصباح). وباستخدام النصوص الرئيسة للشاعر وردزورث كنقطة انطلاق، بحث البروفسير أبرامز في أعمال الفلاسفة الألمان والشعراء الإنجليز لتوثيق التحول من الأفكار الدينية اليهودية المسيحية التقليدية في النظرية الشعرية في الفترة الرومانسية، عندما كان يتم استدعاء الفن لتنفيذ العديد من الوظائف الروحية للدين.
ونظر أبطال نظرية البنيوية، التي اكتسبت أرضية بسرعة أكاديمياً، إلى البروفسير أبرامز على أنه ناقد من الطراز القديم، ووجد نفسه يتخذ موقفاً ضد المنتقدين، ولاسيما جايهيليس ميلر، الذي شكّك في المبادئ التي تناول بها تاريخ الأفكار. ومع ذلك، لا يزال الكتاب من أوائل النصوص التي وُضعت حول الحركة الرومانسية.
بالإضافة إلى كتابه (مسرد المصطلحات الأدبية) (في عام 1957)، وهو معيار قياسي للطلاب الجامعيين وصدرت منه طبعات عديدة، كتب البروفسير أبرامز (نسيم المراسل: مقالات في اللغة الإنجليزية الرومانسية) (1984) و(تكوين أشياء باستخدام النصوص: مقالات في النقد والنظرية النقدية) (1989). وقام بتحرير كتاب (شعر البابا) (1954)، (الأدب والإيمان) (1957) (الشعراء الإنجليزيون الرومانسيون: مقالات في النقد الحديث) (1960) و(وردزورث: مجموعة من المقالات النقدية) (1972).
في عام 2012، عندما بلغ مئة عام من العمر، نشرت مؤسسة نورتون مجموعة مقالته (البُعد الرابع لقصيدة).
ومنحت المؤسسة الوطنية للعلوم الإنسانية البروفسير أبرامز الوسام القومي للعلوم الإنسانية في عام 2013 لفضله في (توسيع تصوراتنا للمذهب الرومانسي وتوسيع دائرة الدراسات الأدبية). ومنحه الرئيس الأمريكي باراك أوباما ميدالية في حفل في البيت الأبيض في يوليو الماضي.
اشتهر البروفسير أبرامز لأجيال من الطلاب الجامعيين بأنه المحرر العام (لمختارات نورتون من الأدب الإنجليزي)، وهو عمل ضخم نُشر لأول مرة عام 1962. وخوّل له هذا المنصب أن يختار فريقاً من ستة من الأكاديميين ويشرف عليهم، وكان كل منهم مسؤولاً عن فترة محددة من الأدب الإنجليزي. تولى أبرامز العمل على تطوير القسم الخاص بالحركة الرومانسية. وقد تم طبع أكثر من 8 ملايين نسخة من المختارات بحلول عام 2006، عندما ظهرت الطبعة الثامنة. (وقد نُشرت الطبعة التاسعة في عام 2012).
وعلى عكس المختارات السابقة، التي قدمت مقتطفات من الأعمال التي اختارها فريق التحرير، شملت (مختارات نورتون) النصوص الكاملة قدر الإمكان. وفي حالة الأعمال الطويلة مثل (حكايات كانتربري) The Canterbury Tales أو (الفردوس المفقود) Paradise Lost، تم إدراج مقاطع طويلة. وكان البروفسير أبرامز في كل هذا يصر على وضع مقدمات تمهيدية مكتوبة بلغة أكاديمية مع توفير حواشي تفسيرية موجَّهة إلى الطلبة الجامعيين.
قال البروفسير أبرامز لمجلة (كورنيل ألومني) في عام 2006: (كنت أعتقد أننا سوف ننجز المختارات في غضون سنة، وسنحصل على حصة جيدة من المبيعات لعقد من الزمان أو نحو ذلك. ولكن بدلاً من سنة، استغرق العمل أربع سنوات، وبدلاً من مبيعات لعشر سنوات، يبدو أننا سنحصل على مبيعات أبدية).
وكان من دواعي سروره أن يظل العمل على قوته. وقال في مقابلة أجرتها معه مجلة (نيويورك تايمز بوك ريفيو) في عام 2012 بمناسبة الذكرى 50 للمختارات: (من الجوانب الممتعة لكونك محرراً للمختارات أن تقابل أشخاصاً في منتصف العمر يقولون لك: لا يزال لدي مختارات نورتون التي استعملتها قبل 20 عاماً. إنني أضعها إلى جانب رأسي على السرير، وأقرؤها كل ليلة، وأستمتع بها).