مهاد:
يا من تمضي ستعود..
يا من تنام سوف تصحو..
يا من تموت سوف تُبعث، فالمجد لك..
(كتاب الموتى 1500ق.م)
في لحظة من اللاوعي، خارج حدود الزمن، وقفت مشدوهاً.. فتشت عنه في سراديب الجبل، وفي قِصاع الأطعمة المهجورة، كنت تواقاً إلى رؤيته عبر مؤلفاته، فرأيته (تسعينياً) مازال على درب العطاء وللمنهج ملازماً، لا ترتعد فرائصه أبداً رغم الشيخوخة، وأنا أرتشف من معينه الطيب، حليباً يحمل في وعائه ملامح الخروج عن المألوف.. الحقيقة، أنني كنت أغبط زوجتي التي تقرأ وتستغور القراءة والمتابعة في الإصدارات المتوالية لـ(غونتر غراس).
ففي الثالث عشر من أبريل 2015م، وعبر عوالم في فضاءات رحبة، تواردت ردود فعل محلية وعالمية مفعمة بالأسى والحزن حيال وفاة الأديب الألماني الشهير غونتر غراس Guenter Grass (مواليد 16 أكتوبر 1927) الحائز على جائزة نوبل في الأدب لعام 1999، توفي عن عمر قارب الـ87 عاماً..
الراحل غراس، هو شيخ الأدباء الألمان، وأديب الشيوخ، رحب الجِنان، عذب الرحاب، جليل المتبع، مريع المُنتجع، مُعشِب المسارح، مُخضب المنادِحُ.. هو الوشَي المنثور.. أدبه كالروض الممطور، والدر المنثور، فكلامه لهو السحر الحلال، لكونه متوشجاً بالرونق والجمال، والروعة والجلال، الروائي (غونتر غراس)، نعم.. هو وجه تم بناؤه قطعة قطعة، ملمحاً ملمحاً، سمتاً سمتاً، فصاحب هذا الوجه يظهر حميمياً خلف النظارة الطبية، وفمه يقبض بحنو على (غليون التدخين)، فما أشبه الوجه -المشوب بحمرة- بقارورة زجاجية برَّاقة لامعة، صُنعت في الزمن القديم (شغل يد)..
مسيرة حافلة.. وتلويحة البدء من مؤرخ عجوز
من سيرة (غراس) يتأكد لنا وبصدق الذاتية المنقولة عبر الشبكة العنكبوتية، وعبر الصفحات المكتوبة والمرئية، لا تعطينا الصورة بجميع زواياها، فهي لا تقدم لنا السيرة بتمامها، لكنها تعطي رتوشاً ليس إلا من حياة قامة أدبية قليل أن تتكرر!!
وُلد (غونتر غراس) في مدينة دانتسيغ (ضمت إلى بولندا بعد الحرب العالمية الثانية).. كما شارك سنة 1944 في الحرب العالمية الثانية كمساعد في سلاح الطيران الألماني، وبعد انتهاء الحرب وقع سنة 1946 في أسر القوات الأمريكية إلى أن أطلق سراحه في نفس السنة.. كما عاش (غراس) آخر أيامه بالقرب من مدينة (لوبيك) في شمال ألمانيا.
أديب شجاع ونبيل
كانت حياة غونتر غراس بمثابة نموذج باهر لرحلة (قلم شجاع ونبيل)، شقَّ لنفسه درباً في معاقل الصخور، وعطفاً على ما ورد، يمكننا الإشارة إلى معارضته للحرب الأمريكية على العراق عام 2003م.. كذلك تضامنه مع الشعب الفلسطيني، وإدانته للممارسة الصهيونية، وإقامة المستوطنات، واستخدام العنف المتمادي في حقهم، ودعوته الملحة إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة..
ما ينبغي أن يُقال: كانت جرأة القصيدة التي نشرتها ثلاث صحف أوروبية لـ(غراس) في 4 أبريل 2012، ووصفته إسرائيل بسببها بأنه (مُعادٍ للسامية)، حيث تضمنت انتقادات لسياسة إسرائيل جراء تحضيراتها النووية، واعتبرها (قوة نووية، تهدد السلام الدولي الهش بطبيعته).. وتجاوز الجدل حول القصيدة حدود ألمانيا، ونتجت عنه ردود فعل عدة، من ضمنها اتهامه بمعاداة السامية ومنعه من زيارة إسرائيل.. من تلك اللحظة الفارقة أصبح المذكور بعاليه يُلقب بـ(أسد الأدب.. صديق العربْ).
دراسته الأكاديمية
درس (غونتر غراس) فن النحت في مدينة (دوسلدورف) الألمانية لمدة سنتين (1947 - 1948)، ثم أتم دراسته الجامعية في مجمع الفنون في (دوسلدورف) وجامعة (برلين) ( 1946 - 1956) حيث أكمل دراسته العليا في جامعة (برلين) للفنون لغاية سنة 1956.
وترك غراس ثروة هائلة من المؤلفات، إلى جانب العشرات من المقالات التي تنوعت ما بين الأدب والنقد والسياسة.
ونالت روايته (طبل الصفيح) شهرة عالمية كبيرة، وتُرجم هذا العمل الأدبي إلى لغات عالمية كثيرة، من بينها العربية أيضاً. وهذه الرواية هي جزء من ثلاثيته المعروفة بـ(ثلاثية داينتسيغ).
ومن رواياته المشهورة هناك أيضاً (مئويتي) و(مشية السرطان)، كما كتب مسرحيتين، هما: (الطهاة الأشرار)، و(الفيضان)، وأصدر أربع مجموعات شعرية.
حصل غراس على عدة جوائز محلية، منها:
- جائزة (كارل فون أوسيتسكي) سنة 1967.
- وجائزة الأدب من قبل مجمع (بافاريا للعلوم والفنون) سنة 1994.
- في عام 1999م، حاز غراس على جائزة نوبل للأدب، تقديراً لكتاباته المتنوعة والمهمة التي دافع فيها عن الإنسان وحقوقه، وفكره، وحريته، وكذلك عن دوره المميز المدهش في إثراء الأدب العالمي وخصوصاً في ثلاثيته الشهيرة (ثلاثية داينتسيغ)، أضف إلى ذلك، نشاطه الفكري والسياسي في خدمة الإنسانية وإرساء دعائم ومبادئ حريات الشعوب. وفي سنة 2005 حصل على شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة برلين.