وتنطفئ جذوة أخرى من فرسان الشعر العربي، فقد توفي يوم الجمعة 24/ 4/ 2015 في مستشفى الشيخ زايد بالرباط الشاعر السوداني الكبير محمد الفيتوري. ولد محمد مفتاح رجب الفيتوري سنة 1930 بالسودان في إحدى الولايات غرب دارفور بمدينة الجنينة. كان أبوه ينتمي لطائفة صوفية، وقد ترك ذلك انطباعاً عميقاً شكل جزءاً من تجربته الصوفية والشعرية، وقد اعترف الشاعر في حوار له مع جريدة القدس في 25 يناير 2003م، حين قال:
«منذ دبّ الوعي في وجداني بدأت أدرك معنى بعض الكلمات التي كان يرددها والدي ليلاً مع زواره من أدعية وترانيم دينية، فتعلقت بما أسمع، لدرجة أني تركت أقراني في اللعب لأنضم لرفاق أبي مستمتعاً بآيات الذكر الحكيم والتواشيح الصوفية والقصص الدينية...».
أغلب فترات حياة الشاعر ارتبطت بمصر، حيث نشأ بالإسكندرية، وبعد أن حفظ القرآن الكريم سيشد الرحال إلى الإسكندرية ثم يتخرج من كلية الأزهر. عاش الفيتوري حياة متقلبة مليئة بالأحداث، وبخاصة معارضته لنظام جعفر النميري في السودان، حيث سحبت منه الجنسية السودانية سنة 1974، ليسافر إلى ليبيا التي منحته جواز سفرها. وبسقوط النظام الليبي سيسافر مرة أخرى إلى المغرب حيث استقر مع زوجته المغربية. ثم عادت الحكومة السودانية سنة 2014 ومنحته من جديد جوازاً ديبلوماسياً. عمل محرراً صحفياً في الصحف المصرية، وخبيراً إعلامياً بالجامعة العربية بين 1968/ 1970، كما كان مستشاراً ثقافياً في السفارة الليبية بإيطاليا وبيروت، ثم مستشاراً سياسياً وإعلامياً لها بالمغرب. أصيب بجلطة دماغية عام 2005 بقي معتكفاً في منزله في (سيدي العابد) في منطقة تمارة، جنوب الرباط بالمغرب.
يشكل الفيتوري واحداً من أشهر الشعراء العرب، ومن شعراء التجديد في الشعر العربي. ارتبط في شعره بأفريقيا، فجاءت دواوينه صرخة ضد الظلم والدعوة إلى الحرية، ضد مغتصب الأرض من الرجال البيض، هذا الاستعمار الذي استباح أفريقيا واستغل خيراتها.
كانت أفريقيا مصدراً أساسياً في شعر محمد الفيتوري، حيث عبّر في قصائده عن محنة الإنسان الأفريقي ومعاناته، وصراعه ضد الرق والاستعمار، ونضاله التحرري من أجل حياة أفضل للإنسان الأفريقي. نشر عدة دواوين في هذا المجال: ديوان (أغاني أفريقيا) الذي صدر عام 1955، و(عاشق من أفريقيا) في عام 1964، و(اذكريني يا أفريقيا) عام 1965، وديوان (أحزان أفريقيا) الصادر عام 1965، (البطل والثورة والمشنقة) 1972، (أقوال شاهد إثبات) 1973، (عصفورة الدم) 1983، وديوانه الذي صدر 2005 بعنوان عرايان يرقص تحت الشمس.
بالإضافة إلى بعض المحاولات المسرحية مثل: ثورة عمر المختار.. كما كتب العديد من الدراسات والأبحاث وترجم البعض منها مثل:
(نحو فهم المستقبلية)، (التعليم في بريطانيا)، (تعليم الكبار في الدول النامية).
لقد كان محمد الفيتوري وفياً لأفريقيته، ومخلصاً لزنجيته، وكتب عنها أجمل ما يمكن أن يكتبه شاعر لمعشوقته، وسيكون ديوانه (اذكريني يا أفريقيا) نهاية لمرحلة من حياة الشاعر الشعرية وبداية مرحلة أخرى عربية وقومية.
وفي احتفاء كبير لاتحاد كتاب المغرب بالشاعر محمد الفيتوري الذي حضره رغم وطأة المرض، وبمشاركة وزارة الثقافة المغربية، وتحت شعار الثقافة والتنوع، بحضور العديد من المهتمين والنقاد؛ قال عنه الناقد نجيب العوفي: «إن شعر الفيتوري يتجرد من الأوهام والأحلام، لأنه كان دائماً يعبر عن هموم وشجون العالم العربي»، مضيفاً «إن الفيتوري واحد من الشعراء الكبار في عصر الشعر الحديث، وإنه واحد من المغنين في قافلة الشعر المعاصر ممن اختلطت في شرايينهم وفي دواوينهم مختلف النزعات والأعراق والتيارات الواقعية والصوفية والرمزية، كما التحم نموذج القصيدة العمودية بنموذج الشعر الحر».
أما الدكتور بن عيسى بوحمالة الذي أنجز أطروحة دكتوراه عن (الزنجية في شعر الفيتوري) فقال عنه: «... جعلني الفيتوري من خلال أشعاره أتعرف أكثر على السودان، كما جعلني أتعمق أكثر في الثقافة الزنجية، إن الشاعر الفيتوري تأثر بالأدب الزنجي الأمريكي، وبخاصة أعمال (لانغستون هيوز)، وهو ما يظهر بشكل كبير في ديوانه (معزوفة لدرويش متجول)»، وأضاف قائلاً: «كتب الفيتوري عن عدد من الموضوعات التي تهم العالم العربي، لكن السودان ظل جزءاً أصيلاً في شعره، وهو ما يظهر بوضوح في أشعاره عن أفريقيا».
الشاعر والناقد صلاح بوسريف قال: «إن الشاعر لحظة مهمة في الوجود، فليس مهماً أن نتفق معه أو نختلف في جمالية النص الشعري، ولكن المهم هو الإنصات له»، مشيراً إلى أن الفيتوري خرج من الهامش إلى اللامكان في لحظة ظهور الشعر الحر، وأنه استطاع الخروج من الزي الأزهري الذي كان يرتديه خلال دراسته بالأزهر في مصر، لكنه لم يستطع التخلص من ثقافته الزنجية والصوفية.
أما رفيقه طلحة جبريل الصحفي السوداني الذي أقام طويلاً في المغرب فقال: «محمد الفيتوري هو ابن الإيحاءات والرموز، والعالم الميثولوجي المليء بالإضاءات والألوان. هي ألوان ممتزجة، سوداء وبيضاء، أفريقية وعربية وإسلامية. هذا هو البهو الرائع الذي تحرك خلاله منذ مولده في بلدة قصية في أقصى غرب السودان.. وحتى الآن، امتصه بخلايا جسده، وعيونه وحواسه، وحاول من خلاله البحث عن ذاته، إن الفيتوري كتب شعراً جميلاً. كتب لأنه يعرف كيف يكتب، ويبقى شاعراً طالما أنه على قيد الحياة»
يرحل محمد الفيتوري إذن في غفلة منّا، الشاعر الذي ارتبط بثلاث جنسيات، مصرية وسودانية وليبية، وارتبط ارتباطاً عميقاً بأرض المغرب التي احتضنته بعد تجوال طويل، رحل حاملاً معه هموم الإنسان مرتبطاً بقضاياه الجوهرية، مع رمزية عمر المختار في ليبيا، مع مصر في أغاني أفريقيا، مع السودان في رسالة الخرطوم، ومع القضية الفلسطينية في مع مقاطع فلسطينية... وقضايا أخرى... رحمة الله على محمد الفيتوري.