فقدت مصر والأمة العربية أحد أهم شعراء العامية بل وأيقونتها عبدالرحمن الأبنودي يوم الثلاثاء الموافق 22 من أبريل 2015م عن عمر يناهز 76 عاماً مخلفاً ثروة ثقافية كبيرة من دواوين شعرية وأغاني شعبية وتراثاً ثقافياً مجمعاً كالسيرة الهلالية.
الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي أو الخال كما كان يحب أن ينادى، وُلد في قرية أبنود، بمحافظة قنا في صعيد مصر، يوم الحادي عشر من أبريل عام 1938م، لأب كان يعمل مأذوناً شرعياً، وهو الشيخ محمود الأبنودي وتأثر الأبنودي بعاملين مهمين، الأول: أمه فاطمة قنديل، جزء من خلفيته الشعرية وذاكرته، وظلت معه تلهمه. والثاني: السيرة الهلالية التي أثرت في تكوينه الأول وغازلت حواسه الشعرية، وذلك حينما استمع لها وقت انتقاله لمدينة قنا.
بدأ الأبنودي، كتاباته الشعرية باللهجة العامية منذ صغره، ونظم عدداً من القصائد الوطنية. استطاع ببراعة فائقة أن يلتقط في شعره الخواص التعبيرية البسيطة للسان أهل بيئته البسطاء في صعيد مصر، وجسد أحلامهم وأمانيهم ووحدة مجتمعهم الصعيدي الذي كان المجال الحيوي الملهم لمعظم قصائده، شهدت القصيدة العامية على يد الأبنودي مرحلة انتقالية مهمة؛ حيث نجحت في فرض وجودها على الساحة الشعرية والثقافية.
زهرة من بستان الثقافة العربية
الأبنودي واحد من حبات العقد النفيس من جيل الشعراء العباقرة الذين ظهرت إبداعاتهم في النصف الثاني من القرن العشرين وأثروا الحياة الثقافية العربية حتى يومنا هذا من أمثال فؤاد حداد وأحمد فؤاد نجم وغازي القصيبي ومحمود درويش ونزار قباني وأمل دنقل وصلاح جاهين وغيرهم.
لا يمكن الحديث عن الأبنودي منفرداً، فكان دائماً مع زملائه وأصحابه ورفاقه يتبارون للنهوض بالثقافة محاولين تحريرها من القيود والانغلاق وفتح آفاق جديدة للعقل العربي في مجالات الإبداع المختلفة. كان (أمل دنقل) أقرب أصدقائه الذي عاش معه هو ومجموعة من الشعراء الكبار في زمننا الآن، أمثال سيد حجاب، وشوقي حجاب، وعبدالرحمن خميس وغيرهم، وكان للأبنودي لقاء دائم بصلاح جاهين رجل الصحافة والشاعر الفذ، كما كان على صلة وثيقة بالشيخ إمام، ورفيقه أحمد فؤاد نجم. كان الأبنودي ركناً ركيناً لشعر العامية في جيله بعد فؤاد حداد الرائد العظيم الذي أسس القصيدة العامية ونقلها من الزجل إلى القصيدة، وقد ظهرت أسماء واكبت ثورات اجتماعية وسياسية واقتصادية غيرت الحياة المصرية، ومنها الشعر مثل الأبنودي وصلاح جاهين وسيد حجاب وأحمد فؤاد نجم فهم أعمدة الثورة الشعرية (العامية) في هذا الجيل، وكل واحد منهم له شخصيته الخاصة وأسلوبه الخاص في تطوير القصيدة المصرية.
لماذا الأبنودي؟
وكان الأبنودي أكثرهم شهرة لغزارة إنتاجه وتنوعه، فقد كتب القصيدة الشعرية العامية وله فيها دواوين تثبت موهبته وتفرده في هذا الاتجاه. كما تميز من بين أقرانه بحسه الشعبي الغنائي المتطور، ويعتبر الأبنودي وصلاح جاهين أكبر المجددين في الأغنية المصرية مع احتفاظ كل منهما بطريقته وأسلوبه التجديدي.
تتجلى روعة أشعار الأبنودي في حسه الوطني الفطري واهتمامه بقضايا الأمة العربية، ودائماً ما كان يذكر مصر إلا وذكر الأمة العربية كجزء من الجسد ويذكر البسطاء من الكادحين في مصر كمثال حي لحال كل بسطاء الأمة العربية.
تميز الأبنودي عن أقرانه بحسه الشعبي. كما أنه قد حقق إنجازاً ضخماً كان وحده يكفيه ليضعه في سجل الخالدين وهو جمعه للسيرة الهلالية على مدار سنين من عمره، ولكننا بالتأكيد لا نستطيع أن ننكر أنه طاقة شعرية هائلة ومتنوعة أثرت قصيدة العامية المصرية وأثرت في الأجيال التي تلته، ويعتبر معظم شعراء العامية الحاليين خرجوا من معطف الأبنودي وتأثروا به تأثراً كبيراً حتى ولو أنكروا.
أشهر أعماله
ومن أشهر أعماله السيرة الهلالية التي جمعها من شعراء الصعيد ولم يؤلفها، ومن أشهر كتبه كتاب (أيامي الحلوة) الذي نشره في حلقات منفصلة في ملحق أيامنا الحلوة بجريدة الأهرام تم جمعها في هذا الكتاب بأجزائه الثلاثة، وفيه يحكي الأبنودي قصصاً وأحداثاً مختلفة من حياته في صعيد مصر. وحصل الأبنودي على لقب تميمة الثورات المصرية، فهو مغني الشعب بعد نكسة 67 بأغنية (وبلدنا على الترعة بتغسل شعرها)، وصاحب صرخة (مسيح)، إضافة إلى العديد من الأعمال الإبداعية منذ منتصف الخمسينيات، وحتى الآن مروراً (بالسيرة الهلالية) و(الأحزان العادية) و(المشروع الممنوع) و(صمت الجرس)، و(عمليات) و(أحمد سماعين)، وأعمال كثيرة أثرى بها الحياة الثقافية في مصر والعالم العربي. من أشهر أعمال الأبنودي الغنائية (عدي النهار) و(أنا كل ما أقول التوبة) و(بحلف بسماها وبترابها) و(أحضان الحبايب) لعبدالحليم حافظ، و(ساعات) لصباح، و(عيون القلب) لنجاة الصغيرة و(آه يا اسمراني اللون) لشادية.
يذكر أن الأبنودي قدم العديد من الأعمال الغنائية الدرامية لعدد من المسلسلات التي عرضت خلال السنوات الأخيرة، ومنها مسلسل (الرحايا)، على الرغم من أنه في عهد مبارك كان شاعر السلطة إلا أنه تعاطف مع الشعب الذي نال الشهرة على يديه وثار معه في 25 يناير 2011 وكتب أول قصيدة بعد الثورة اسمها (الميدان)، والتي كانت من تمائم الثورة في تلك الفترة، ثم كتب العديد من الأعمال في ثورة 30 يونيو 2013.
حصل الأبنودي علي جائزة الدولة التقديرية عام 2001، ليكون بذلك أول شاعر عامية مصري يفوز بجائزة الدولة التقديرية، كما فاز بجائزة محمود درويش للإبداع العربي لعام 2014.
ختام: سيظل الأبنودي علامة فارقة في جبين الشعر العامي العربي والشعر الغنائي العربي بوجه خاص وسيظل أيقونة الحياة والموت وسيقبع في مخيلة القارئ العربي مهما مر الزمان فعبدالرحمن الأبنودي شاعر مصري كبير سيذكره التاريخ وسنذكره لأبنائنا بوطنيته النادرة وحبه لعروبته وسنعمل بوصيته الأخيرة ولن ننساه.. رحمك الله يا خال.