مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

هـــرات الأفغانية: لمحات تاريخية وثقافية

 أشار ياقوت الحموي في معجم البلدان إلى أهمية الجغرافية والرحلات في تعريفنا بدور وأسماء الأمصار والمدن العربية والإسلامية التي نشأت أو نمت وازدهرت في ظل الإسلام، ومن هذه المدن المدينة الفارسية هرات (الأفغانية حالياً)، والتي يشاع بين الناس أن مؤسسها ملك فارسي يدعى هرات وإليه تنسب، ولكن الثابت تاريخياً أن الذي بناها هو الإسكندر الأكبر حينما جاء إلى الشرق ومر بها في طريقه إلى الصين، وهي واحدة من ضمن المدن الكبرى في خراسان.
وتتكون هرات من عدة مدن وقرى تابعة لها, منها: مدينة كروخ، مدينة مائن، مدينة أوبي، مدينة أسفزاز، مدينة خواف، قرية كازركاة وهي من أكبر وأعظم قرى هرات) وتقع هرات في منطقة جبلية على درجة عالية من الارتفاع (حوالي 3020 قدما فوق سطح البحر)، وتضم المدينة مجموعة كبيرة من الهضاب والجبال والأنهار والسهول والأودية والجداول والغدران والصحارى، كما تتميز المدينة بمساحتها الشاسعة، وبمبانيها الطينية، وبكثرة سكانها وأغلبهم من الفرس. 
وكان المجتمع في هرات قبل الإسلام ينقسم إلى طبقة الحكام تليها طبقة رجال الحرب والسياسة وهم الذين يعرفون بالمرازبة (جمع مرزبان)، تليها طبقة رجال الدين وهم عبدة النار في الخفاء وهي ديانة أهل هرات قبل الإسلام، ثم تليها طبقات ملاك الأراضي الزراعية ثم الفلاحين والأجراء. وبسبب تعاقب الأسر الفارسية العريقة وغير الفارسية على حكمها تعددت ثقافتها وتنوعت لهجاتها المحلية، واستقر أمنها حينا واضطرب واهتز في كثير من الأحايين، وقد فتحها المسلمون في عهد الخليفة عمر بن الخطاب عام 22 هـ / 642 م، واستكمل فتحها وإخضاعها للإدارة العربية بالكامل في عهد الخليفة عثمان بن عفان، وبعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، تقلد علي بن أبي طالب خلافة المسلمين، فواصل حركة النهوض السياسي والاقتصادي بمدن المشرق الإسلامي بصفة عامة وهرات بصفة خاصة نظراً لمواردها الاقتصادية وأهميتها العسكرية وموقعها الجغرافي، كما ساهم الفتح العربي الإسلامي لهرات في تعريبها خلال فترة وجيزة. ومع انضمام سكانها الأصليين إلى القبائل العربية الفاتحة نشأ جيل جديد يدعى بالأبناء يجري في عروقهم دم الأمتين العربية والفارسية فكانوا من أقوى العناصر ولهم ميزات مختلفة في أجسامهم وعقولهم وصناعاتهم وحروبهم حيث امتازوا بالشجاعة والإقدام، وبعد مقتل الخليفة علي بن أبي طالب وقيام الدولة الأموية ظلت هرات ولاية فارسية خاضعة للإدارة العربية في دمشق، واستمر هذا الحال حتى سقوط هرات في يد العباسيين نتيجة سوء معاملة الأمويين لأهلها وتفضيلهم العرب الخلص عليهم في شؤون الحكم والإدارة المالية والدينية والثقافية، وعلى الرغم من تقرب العباسيين من سكان هرات الأصليين لم يسلموا من ثوراتهم ومحاولات طردهم من هرات لأن الهرويين كانوا ذوي نزعة شعوبية يتعصبون للفرس ضد العرب، ولم تهدأ ثوراتهم إلا في عهد المأمون الذي ولى أمرهم رجلاً منهم، وعلى الرغم من الاضطرابات السياسية والإدارية بين العرب والموالي التي شهدتها هرات قامت بها الحركات التنموية المتعددة ومن أهمها الاهتمام بالزراعة والري, حيث عرفت هرات بخصوبة أراضيها، وقراها الغنية العامرة بزروعها وبساتينها، لهذا السبب مثلت الزراعة النشاط الرئيس للسكان في هرات قبل الإسلام وبعده، ومن أشهر المحاصيل التي زرعت وازدهرت في هرات القصب، والقطن، والكتان، والفواكه والخضروات والتمور والزهور والنباتات الطبية وغيرها وأدت تلك الصناعات إلى انتعاش ورواج الحركة التجارية واسعة النطاق في هرات، مما كان له أثر واضح في ازدهارها اقتصادياً وجعلها في مقدمة المدن الزراعية والصناعية والتجارية حتى استطاعت أن تصدر الفائض منها إلى البلدان المجاورة وغيرها، وقد أشاد ابن حوقل في كتابه القيم الموسوم (صورة الأرض) بخصوبة تربة هرات وغزارة مياهها، وتعتبر الأمطار من أهم وسائل ري الأراضي بهرات حيث اعتمد عليها فلاحوها اعتماداً أساسياً في ري أراضيهم في فصلي الشتاء والربيع، فضلاً عن استفادتهم من مياه الأنهار التي كونتها الثلوج التي كانت تتساقط في فصل الربيع على بعض المرتفعات المتاخمة لهرات، كما حرص الهرويون على حفر القنوات وشق الترع وإقامة الصهاريج لتخزين المياه في أوقات الوفرة، واستخدام مياهـها في ري الأراضي الواقعة بعيداً عن نهر هرات أو في فترات الندرة، ومن أهم وأشهر أدوات وسائل الري التي استخدمت في هرات الساقية والشادوف والطنبور، ومن الأدوات الزراعية المحراث والفأس والمنجل والنورج والنواعير التي استخدمت في رفع المياه من الأنهار والعيون إلى الأراضي العالية، كما استخدموا الحيوانات خاصة الجاموس والبقر والإبل والحمير في معظم العمليات الزراعية، كما اهتم الهرويون بالمراعي ومصايد الأسماك، وبتربية الطيور، وبالحيوانات البرية مثل الدب الأسود والرمادي والقرود والغزلان والماعز والأغنام الجبلية والقطط والأرانب، والحشرات خاصة النحل للحصول على العسل، وتبرز التنمية الزراعية التي شهدتها هرات خلال الفترة من بدايات الفتح الإسلامي حتى نهاية القرن الثاني الهجري تضافر الجهود الحكومية والشعبية. 
كما عرفت هرات خلال فترة الحكم الإسلامي العديد من الصناعات المهمة منها صناعة المنسوجات الصوفية والحريرية، وصناعة الورق، وصناعة السكر، وصناعة الحلي، وصناعة المفروشات، والصناعات الحديدية والنحاسية، والصناعة الجلدية، وصناعة الزيوت، والصناعات الزجاجية والخزفية، وصناعة الحلوى، وقد تميزت منتجات هذه الصناعات بالدقة والجودة التي فاقت مثيلاتها الصينية والفلورنسية، وقد أدى الازدهار الزراعي والصناعي الهراتي إلى تقدم التجارة الهراتية بشقيها الداخلي والخارجي. 
كما ساهم النمو الاقتصادي الذي شهدته هرات خلال فترة الحكم الإسلامي لها في ازدهار الحياة العلمية والأدبية بها, حيث برز العديد من أبنائها في مجالات الأدب: الشعر، والنثر، والأدب الشعبي الذي يضم الأمثال الشعبية التي تعبر عن فكر أهل هرات النابض بالحياة والمتسم بسمات الصدق وكرم الضيافة والحكمة البسيطة لحياة الأسرة، كما أنها تعطينا لمحة خاطفة عن الأوضاع العامة في الأسواق والمزارع والحيوانات المفترسة. كما حقق الهرويون تقدماً أيضاً في مجالات العلوم النقلية كالتفسير والفقه وعلم الحديث (علم الحديث هو الذي يهتم بأقسام الحديث من حيث عدد نقلته ومن حيث القبول والرد)، وقد برز العديد من أبناء هرات في هذا المجال ومن أبرزهم وأشهرهم أبو عبد الله بن يوسف الهروي، وهاشم بن الوليد أبو طالب الهروي، ووهب بن منبه الهروي، والهيثم بن خالد يزيد الهروي، ويعـتبر أبو عبيد القاسم بن سلام من أشهر المحدثين، وهو صاحب المؤلفات القيمة في هذا الميدان وغيره، ومن هذه المؤلفات نذكر (غريب الحديث، غريب المصنف، غريب القرآن، معاني القرآن، كتاب الشعراء، كتاب الممدود والمقصور، القراءات، وكتاب النسب)، وكلها تصانيف عديدة تنم عن غزارة علمه ودقة منهجه، بينما تشمل العلوم العقلية: الفلسفة والمنطق والفلك والكيمياء وعلم الحساب والهندسة والطلسمات والسحر والتاريخ والجغرافيا والطب. فضلاً عن اهتمام أهل هرات بالعمارة التي انقسمت إلى قسمين عمارة دينية وعمارة مدنية، الأولى تتعلق بالمنشآت الدينية وفي مقدمتها بناء المساجد والجوامع والكتاتيب، بينما اهتمت الثانية ببناء الأسواق والخانقاوات والفنادق والوكالات والمدارس والقلاع الحربية والرباطات، كما اهتم سكان هرات بالفنون كالموسيقى والغناء والرقص، والتصوير والنحت والرسم. ويتضح من ذلك أن أهل هرات كانوا متحضرين ذواقين للفنون لأنهم كانوا يميلون إلى اللهو والسرور، كما كانوا يعتقدون أن الفنون بصفة عامة والموسيقى والغناء والرقص بصفة خاصة من مستلزمات حياتهم اليومية، لهذا السبب برز منهم العديد من كبار الموسيقيين والمغنين الذين تبوأوا الصدارة في التاريخ العربي الاجتماعي. كما اعتنى أهل هرات باللغة العربية والنحو وبرز فيهما العديد من المبدعين، ولا تفوتنا الإشارة في هذا المقام إلى تمتع هرات خلال فترة الحكم الإسلامي لها بنظام إداري جيد سواء في القضاء أو البريد أو الشرطة أو الجيش.
وقد تكون المجتمع الهراتي في ظل الحكم الإسلامي من الأفغان والآريين وقبائل الدراني والتركمان والفرس والعرب والبلوخ والتاجيك والهون والنورستان.
ذو صلة