وتعود تسميتها برأس غارب إلى جبلها المُسمى بنفس الاسم والذي لاحظ العرب المهاجرون إليها أن شكله يتشابه مع المنطقة الفاصلة بين السنام والعنق التي تعلو ظهر الجمل والمُسماة (بالغارب) والتي جاء منها المثل العربي الشهير: (ترك الحبل على الغارب) كناية عن ترك الجمل طليقاً أو ترك الشيء حراً دون حساب أو عقاب.
في رحلتي إلى رأس غارب صحبني أسطورتان من أساطير (السمسمية) ولازمتني سيرتهما طوال ساعات الرحلة التسعة، الأول: الفنان الشعبي محمد عثمان النجي الذي ارتحل من النوبة إلى منطقة القناة أثناء حفر قناة السويس (1859 – 1869) حاملاً على يديه الطنبورة (الآلة الأم للسمسمية والمكونة من ثمانية أوتار والمشابهة لآلة الهارب الفرعونية القديمة) ووضع البذرة الأولى لفن السمسمية على طول مدن القناة الثلاث وخلدته أدوار السمسمية بدور: الحمد الله أنه جي / محمد عثمان النجى / وطّر (أعد) الطنبورة لي.. والثاني: عبد الله كبربر الساحر النوبي الآخر الذي عاش الحياة وكأنها رحلة لا تنتهي في ثلاثينيات القرن الماضي وارتحل من النوبة إلى السويس إلى الإسماعيلية إلى بورسعيد وتحت إبطيه (السمسمية) بعد أن صغّر حجمها وقلل من عدد أوتارها إلى خمسة أوتار لترتحل معه من مدينة إلى مدينة ومن بر إلى بحر إلى بر.. والاثنان (النجي وكبربر) شاهدان على انتقال فن السمسمية كالهواء من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان، وذلك ما تأكدت منه عند لقائي بالفنان الشعبي: عمرو راوي أحد أهم الفنانين براس غارب والذي يجمع بين الولع بالفن والشغف بالتنقيب عن أصوله والتأريخ له، وشاذلي في الرابعة والثلاثين من عمره –مواليد عام 1978– وقضى عمره كله على ضفاف ذلك الفن الفريد، هاجرت أسرته من أسوان إلى قنا واستقرت في رأس غارب بعد اكتشاف البترول على أرضها في ثلاثينات القرن الماضي، تخرج في كلية التربية قسم اللغة الإنجليزية جامعة جنوب الوادي عام 1999 وعمل أخصائي أفراد في شركة السويس للزيت التي حلت محل شركة شل الإنجليزية التي اكتشفت البترول بالمدينة وغيرت من ملامحها من مدينة بدوية خالية إلى مدينة تعج بالحياة وبالبشر. وذهب بنا (راوي) بعيداً في التاريخ مؤكداً أن فن الطنبور ضارب القدم, وترتبط هذه الآلة عند كل مؤرخي الفنون الشعبية بالحبشة إحدى أهم البقاع السحرية التي خرجت منها كل الفنون المرتبطة بالبحر. وعن راس غارب حدثنا عمرو راوي: راس غارب روحها البحر وقلبها البترول، قبل اكتشاف البترول اعتمد أهل راس غارب بشكل أساسي في حياتهم على الصيد والرعي خاصة أن معظمهم من أصول عربية صميمة تعود إلى قبائل: العبابدة والبشارية ومعاذة وجهينة والرشندية. وصيادو راس غارب يركبون السنابيك والفلايك (نوعان من المراكب الصغيرة الحجم) ويجوبون البحر الأحمر بحثاً عن الرزق ويغيبون في البحر لشهور طويلة ومن هنا نمت علاقتهم بفنون البحر وآلة البحارة (السمسمية)، والإيقاع البحري يختلف عن الإيقاع العادي أو المقسوم (واحدة ونص)، لأنه يعتمد بشكل أساسي على نغمة الدُم المعادلة لدمدمات وتقلبات البحر.. وللبحر بقاع سحرية عديدة ومنها البقاع العربية في العقبة بالأردن وينبع وأملج وجدة في السعودية وجميعها لها علاقة بالسمسمية وتتشابه فنونها وفنون راس غارب، لكن يظل لليمن التأثير الأكبر على راس غارب خاصة في فن الخبيتي (اليماني)، والخبيتي غناء شعبي على آلة السمسمية يعزفه ويغنيه صيادو البحر أصحاب السكونات والسنابيك التي تقطع البحر في رحلات طويلة ويجلس فيها البحارة على ظهر مراكبهم ويتوسطهم عازف السمسمية ويرددون أغاني تحاكي في ترجيعها موج البحر الهادر, ويشارك الجميع في الغناء والتصفيق بإيقاع واحد مدروس.. وهناك فنون أخرى في راس غارب أقل انتشاراً مثل: الرفيحي والمتيني والتربلة, وجميعها تعود أصولها إلى الجزيرة العربية وجاءت مع المهاجرين العرب الأوائل بالمدينة، كذلك لم يغب فن (الموال) المصري الصميم عن فنون المدينة. وعن سحر آلة (السمسمية) حدثنا راوي عن حكاية عم بكري الديب: حمل عم بكري كعادته (سمسميته) إلى البحر وجلس وحيداً يغني ويعزف على أوتارها حتى دخل عليه الليل بعتمته وعند توقفه عن الغناء ضربه شخص غير مرئي على ظهره فعاد خائفاً إلى بيته وهناك اكتشف أثر خمسة أصابع على ظهره وباءت كل محاولاته في علاجها أو إزالتها بالفشل فتيقن أنها ضربة أحد من الجان أحزنه توقف الغناء وظل أثر الأصابع الخمسة ملازماً لعم بكري إلا أن السمسمية نادته فلبى ندائها الأثير، وتحولت حكايته إلى إحدى تمائم عشاق السمسمية وأيضاً إلى إحدى حكايات العجائز الدائمة لإبعاد الأطفال عن عتمة البحر ونداهته. وتختلف أغاني السمسمية في راس غارب عنها في مدن القناة في أنها لم ترتبط بأحداث سياسية أو حربية مثل التي حدثت في بورسعيد إبان العدوان الثلاثي عام 1956 أو حدثت في السويس عام 1973 أثناء حرب أكتوبر أو التي حدثت في مدن القناة الثلاث عند تهجير أهلها إلى كل القرى والمدن المصرية إبان حرب الاستنزاف، واقتصرت أغاني (سمسمية) راس غارب على الأغراض التقليدية المعروفة، وعن ذلك قال راوي: لم تشهد راس غارب أحداثاً كبرى كالتي جرت في مدن القناة لكنها شهدت حدثاً أعاد الروح إلى الشعب المصري إبان حرب الاستنزاف وتحديداً في الثاني والعشرين من يناير عام 1970 والمعروف بمعركة (شُدوان) التي دارت فيها معركة من أخلد المعارك الحربية مع إسرائيل حينما تصدت سرية محدودة العدد من قوات الصاعقة المصرية لهجوم ضارٍ من القوات الإسرائيلية المعززة بالقوات البحرية والجوية وأجبرتها على الانسحاب من الجزيرة بعد قتال عنيف استمر ثلاثة أيام متواصلة ذاد فيه الجنود المصريون عن وطنهم ودافعوا عنه حتى آخر قطرة دم في أجسادهم. ولم تُسجل (سمسمية) راس غارب أي أغان أو أدوار عن (شدوان) برغم أن يومها تحول إلى العيد القومي لمحافظة البحر الأحمر. وعن أهم الفرق والعائلات التي ارتبطت بفن (السمسمية) في راس غارب، عدد لي راوي أهمها: عائلة الراوي ومنهم عمرو وأحمد وإلهامي راوي، وعائلة سباق ومنهم صلاح الصغير سباق وأحمد ورائد ومدثر محمد سباق، وعائلة فكري ومنهم محمد ومحمود فكري، وعائلة سيجانة ومنهم سعيد وصالح سيجانة.