مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

الحركة التشكيلية النسائية السعودية: الأصالة تعانق المعاصرة

هناك مقولة للناقد الفني الفرنسي (بودلير) يقول فيها: (إن فنانينا ارتدوا الملابس التركية، في إشارة إلى موضة الاستشراق التي ازدهرت في الفن الفرنسي، والملابس اليونانية القديمة، ولا أحد منهم انتبه إلى جمال ملابسنا الحديثة السوداء، رمز الحداد الأبدي).
وفي الواقع أن بودلير بمقولته هذه فتح باباً واسعاً، في البحث عن الرائع في حركة الواقع، ولكن قبل بودلير، خبر الفنان العربي، تأثير الظاهرة التشكيلية بالظاهرة الاجتماعية، ومستويات التفكير، ولعبت قيم التراث وما أفرزته من عادات وتقاليد، دوراً رئيساً في إغناء الذاكرة الإبداعية، وتشكيل الذائقة الجمالية، حيث انتقلت بما يشبه الميراث من جيل إلى جيل، وكانت الفنانة التشكيلية السعودية المعاصرة، من أكثر الفنانات التشكيليات العربيات، استلهاماً لموضوع التراث، حتى أضحى فنها يزخر بأساليب فنية بديعة، تعكس الروح العصرية بحركاتها الفنية المتنوعة، وفي نفس الوقت تتصل اتصالاً قوياً بالتراث والبيئة المحلية، والتي تعد من سماتها الواضحة. 
جيل الرائدات واستلهام التراث
اتسمت الحركة التشكيلية لجيل الرائدات في المملكة العربية السعودية بالبساطة، التي أخفت وراءها عمقاً وأصالة، في تمثيل الموضوع وإدراك جوانبه، ونلمس ذلك جيداً من خلال تجربة الجيل الأول من الفنانات التشكيليات السعوديات، بداية من صفية بن زقر، التي درست الفن في القاهرة ولندن، واتسمت تجربتها بالاتجاه، إلى التراث السعودي والنهل من روافده، حيث جعلت من فنها سجلاً حافلاً في تصوير فترة مهمة جداً من تاريخ المملكة، حيث امتازت في هذا الاتجاه عن جميع الفنانين والفنانات السعوديات، في محاولتها بعث هذا التراث من جديد، من أجل الاحتفاظ به لأبناء اليوم وأجيال المستقبل، فأصبحت أعمالها الفنية اليوم مرتكزاً مهماً لعدد من طلاب وأساتذة ودارسي كثير من المواد الاجتماعية والفكرية والفلسفية، من خلال أعمالها التي استمدتها من التراث، والتي عبرت عنها بقولها: (لإيجاد مادة لموضوعاتي الفنية، تشعبت اهتماماتي بين البحث في العادات الاجتماعية، والملابس القديمة، وبين الحصول على الصور القديمة وتصنيفها، حسب مناطقها، لتكون مرجعاً دائماً لي) ولم يكن اهتمامها فقط ينصب في شكل تسجيل هذا التراث، بل امتد فنها وإبداعها لينقل لنا القيم التي كانت معيشة في ذلك الوقت، وقد ظهر ذلك جلياً في أعمالها التي مثلت الحرف والعادات والألعاب الشعبية والأطفال، وفي تصوير موضوعات مختلفة، وكذلك في المجتمع الذي اهتمت بجميع قطاعاته، وتصوير الأنشطة الخاصة بالرجال والنساء في عدد من الأعمال التي صورت فيها نشاطات النساء وملابسهن وعاداتهن، وأن ما يتضح ويميز تجربة هذه الفنانة، أنها تجربة نبعت من التراث، استقلت خلالها وتحررت من التأثير بالمدارس الشرقية والغربية، واستغنت عن أساليب وفلسفات روادها، وكونت أسلوبها الخاص الذي يصور الحياة التي أصبحنا نفتقدها في أيامنا هذه، وعادت للتراث متخذة منه المادة الرئيسة لإبداع أعمالها، التي حازت على إعجاب الجميع. ولنترك صفية بن زقر، إلى الفنانة منيرة موصلي رفيقة دربها، وصاحبة أول معرض تشكيلي مشترك مع صفية بن زقر أقيم في عام 1968، وتمتاز منيرة موصلي بأعمالها الفنية ذات الطابع الواقعي الرمزي، الذي اتجهت فيه إلى التلخيص بشكل استفادت فيه من المورث البصري السعودي، الذي ظهر جلياً في معظم لوحاتها التي تلاقح فيها الحداثة مع روح التراث السعودي، وتعد من أوائل الفنانات التشكيليات السعوديات التي عبرت أعمالها المبكرة عن أفكار وأطروحات، تقترب من شكل المشروع، كما في تجربتها التي وظفت لها الخامات المحلية بشكل جديد ومغاير. 
التراث في صيغ تحديثية
وبعد هذه التجارب الناجحة للجيل الأول من الفنانات التشكيليات السعوديات، ازداد النشاط الفني النسائي في المملكة العربية السعودية، حيث شهدت الحركة التشكيلية النسائية بالمملكة ازدهاراً كبيراً، وانتشاراً واسعاً، بظهور أسماء نسائية جديدة، جمعت أعمالهن بين التراث والتحديث، عن طريق إلباس التراث شكلاً من أشكال التحديث وفي نفس الوقت المحافظة على جوهر هذا التراث، ونلمس ذلك في أعمال رائدة عاشور التي برزت في أعمالها المدينة العربية ببساطتها وجماليتها، والتي سرعان ما اختارت من تفاصيلها وتقاطيعها، هذا إلى جانب ما امتازت به أعمالها بذاتية شاعرية مليئة بشحنات رومانسية طوعتها في لوحة لافتة للانتباه، كما تميزت رائدة عاشور بتناولها لفن (الكولاج الطباعي)، وفن الكولاج فن بصري يقوم على المواءمة بين عناصر وخامات متنافرة ومتنوعة على سطح واحد، بغية إحداث نوع من الإثارة البصرية بفعل جمع المتناقضات في الحيز الجمالي، وذلك عبر تقنية القص واللصق، وهو فن يحتاج إلى دقة وصبر متناهيين، لتنسيق اللوحات التي تتناول فيها التراث الإسلامي والزخارف الشرقية والصحراء والكثبان الرملية، وهناك من الفنانات السعوديات من حاولن الانطلاق إلى التحديث عبر وسائط ووسائل مختلفة، كما في أعمال بدرية الناصر وأضواء بنت يزيد، وشريفة السديري، ونوال مصلي، ووفاء بريمي، وتغريد الجدعاني واللاتي عبرت أعمالهن عن توجهات جديدة، سعين من خلالها إلى البحث عن طبيعة مميزة وشكل جديد من أشكال التعبير الفني، الذي تتزاوج فيه الهندسة بالواقعية الرومانسية المتلاحقة عند أغلبهن مع روح التراث السعودي، كما لجأت العديد من الفنانات السعوديات إلى الاستفادة من منتجات البيئة المحلية، واستخدامها بصيغ تحديثية، كما في أعمال حميدة السنان واعتدال عضوي وإلهام بامحرز، في استخدامهن العديد من الخامات من المعاجين والأخشاب وقطع الحديد والأسلاك، والأقمشة والأوراق والحبال والخيوط في تشكيل موضوعات إنسانية مستخدمين فيها خامات مختلفة تتناسب مع مختلف الأساليب والأشكال الفنية التي تترابط مع العادات والتقاليد السعودية المتوارثة. 
خطوات على طريق التحديث
لقد استطاعت الفنانة التشكيلية السعودية أن تخطو خطوات واسعة على طريق التحديث، وبهذه اللمسة التحديثية، وبكل ثقلها ومحاورها المتعددة وغربتها عن المفاهيم والمدركات العادية للإنسان صاحب الموروثات التقليدية، وكان عليها أن تواكب هذا التحديث، دون فقدان للهوية السعودية ذات السمة الحضارية المحملة بهذا الإرث العظيم، ويبرز من بين هؤلاء شادية عالم التي تحتل موقعاً متميزاً من التعبيرية العربية المحدثة، من خلال ما تتجول به لوحاتها في مدن وأقنعة وشخوص مؤنثة، حيث بدأت بتصوير ذاتها، ثم أمعنت في التعبير عن توجه واختناق روحها في حجرات انطوائية ساعية للخروج من قمم الغربة المتوهجة بتحرق وجداني، لا تحده حدود، حيث تلامس موهبتها توهجات تشارف حدود الغناء، عالم عاصف بالوحدة والغبطة والطهرانية والعذوبة والخصوبة، وأيضاً في أعمال الفنانة وفاء بريمي التي تميل فيها إلى التجريد، بحيث تجعل القارئ لأعمالها يسبح بخياله في اللوحة ليقدم قراءة جديدة للعمل الفني حسبما ما يصوره له فكره وخياله، ونلمس هذه الموجة التحديثية في أعمال الفنانتين علا حجازي وحنان حلواني، اللتين استخدمتا لوحات (الحفر) أو (الجرافيك) وهو فن تشكيلي غير منتشر بشكل كبير في المملكة العربية السعودية، ويمثل تجربة جديدة تحتاج إلى مهارة عالية، وميزة هذا الفن تتمثل في القدرة على إدخال الألوان إلى اللوحة حتى بعد إنجازها، الأمر الذي يبدو مستحيلاً في الرسم العادي، لأن الإحساس الذي يخرج على الورق لا يمكن تبديله، وأعمال الفنانة (ابتسام عبدالله باجبير) التي امتازت بتجربة فنية جديدة في الرسم على الحرير، حيث وصلت إلى مستوى نقل أسلوب الرسم على الحرير إلى مستوى رفيع من حيث التحكم في خامة الحرير وبتطويرها إلى استخدام الألوان بحركة ومرونة، لم يكن لها مثيل من قبل، وساعد ذلك في تقديم صور إبداعية فنية تتمازج فيها جميع المدارس الفنية مع خامة الحرير، التي عرفت بصعوبة ودقة التعامل معها، وأعمال الفنانة (وفاء عبدالله العقيل) التي برعت في تجسيد انفعالات المرأة ومشاعرها ومعاناتها، وحاولت من خلال أعمالها أن تترجم ما بداخل الآخر برؤية الفنان. 
أخيراً..
كنا مع قراءة للحركة التشكيلية النسائية في المملكة العربية السعودية، والتي ما إن بدأت حركتها الأولى مع الجيل الأول، حتى أصبح لها موقع متميز، يستحق الثناء في تحولات الفن العربي، في ظل بحث الحركة التشكيلية النسائية السعودية الحديثة عن فضاءات جديدة وتقنيات مبتكرة، الأمر الذي جعلها لا تقل أهمية عن الأعمال التشكيلية العظيمة للتشكيل النسائي العربي والعالمي، من خلال تجارب تحاول شق الطريق الصعب، وتبحث عن أشكال فنية جديدة تمزج الأصالة بالمعاصرة، وتبحث عن الأعادي في الواقع العادي. 
ذو صلة