ولفيلم الخيال العلمي تاريخ طويل ومتنوع، وقد تقدم بالسينما خطوات كبيرة واحتل مكانة بارزة في مجال صناعة الأفلام عموماً وفي أعمال المنتجين الكبار على غرار جورج لوكاس وستيفن سبيلبارغ ومايكل باي بالخصوص.
منذ البداية لم تكن أفلام الخيال العلمي حكراً على هوليود بفضل السينما الأوروبية التي برزت بشكل خاص في فترة الأفلام الصامتة. وانتشر فيلم الخيال العلمي في الأسواق العالمية، واستقطب شرائح اجتماعية متنوعة من الأطفال الصغار إلى الكبار ومحبي السينما من مختلف الأذواق. وتطرق إلى مواضيع شتى، منها: الاجتماعية والسياسية والفلسفية؛ بالإضافة إلى دوره في الترفيه وإنماء الفكر والخيال.
وقد تربعت سينما الخيال العلمي على صدارة تكنولوجيا صناعة الأفلام مما سمح بظهور تطورات وتقنيات جديدة مثل المؤثرات الخاصة التي ميزت بالخصوص فيلم الخيال العلمي في العقود الماضية.
فترة الأفلام الصامتة
أدرك جورج ميليس، الساحر بطبعه، أنه يمكن التلاعب بالصور في الفيلم لخلق نوع من الخدع والخيال. وعلى هذا النحو أنتج هذا الأخير عشرات الأفلام التي بحثت في كيفية استخدام هذه الخدع والمغالطات والتي أصبحت تعرف بالمؤثرات الخاصة وتهدف إلى خلق صور وخيالات في ذهن المتفرج. وكان ذلك إيذاناً بإنتاج أول فيلم للخيال العلمي بمؤثرات خاصة.
وفي سنة 1902 أنتج ميليس أفضل أفلامه على الإطلاق بعنوان (الرحلة إلى القمر) وهو فيلم عن الخيال العلمي بربع ساعة فقط ومقتبس من رواية لجول فيرن 1865. وبعد مئة سنة منذ ظهور أول أعمال جورج ميليس أصبح فيلم الخيال العلمي واحداً من أهم الإنتاجات السينمائية، وكان يستعرض مغامرات مثيرة واكتشافات مدروسة لمسائل اجتماعية وسياسية مهمة، وقد تحول بسرعة إلى أهم مورد للعائدات المالية. إلا أنه يظل من الصعب تمييز أفلام الخيال العلمي كعمل سينمائي مستقل بذاته ومضامينه عن بقية الأفلام (وبالخصوص أفلام الرعب والخيال).
واستناداً إلى المتخصصين, فإن فيلم الخيال العلمي هو خيال قد يحدث في عوالم تعمل وفق نفس المبادئ المادية لعالمنا الحقيقي ولكنها تختلف عنه في جوانب يمكن تفسيرها تفسيراً منطقياً، وغالباً (ولكن ليس دائماً) تكون نتيجة لاكتشافات علمية أو تطورات تكنولوجية غير معروفة في عالمنا. في حين أن أفلام الخيال تنتج وتحدث في عوالم تعمل وفق منطق خاص بها؛ وبالتالي لا تحتاج عوالم الخيال إلى الالتزام بالقوانين المادية لعالمنا. وهكذا فإن الحد الفاصل بين الخيال العلمي والخيال عامة يبدو باتاً ونهائياً وهو يعرف بالأساس بالحد بين العلم والسحر.
وكان عدد كبير من أفلام الخيال العلمي في فترة السينما الصامتة عبارة عن مزيج من أفلام الخيال العلمي وأفلام الرعب، وذلك لأن مجال الخيال العلمي لم يتطور بالكامل كصنف قائم بذاته إلا في سنوات الثلاثينات. واقتبست أول أفلام الخيال العلمي الأمريكية التي صورت بشركة (أديسون أستوديو) سنة 1910 من رواية ماري شالي بعنوان (Frankenstein) التي تعد أول رواية للخيال العلمي، رغم أنها تصنف كذلك ضمن روايات الرعب. كما يعد الفيلم الألماني بعنوان (المدينة) 1927 أول عمل ضخم لسينما الخيال العلمي، وهو يحاكي الحياة مستقبلاً بمدينة عظيمة بطابقين.. في الأعلى يعيش الأغنياء في ترف ورخاء بينما يستعبد في الأسفل آلاف العمال الفقراء بالأعمال الشاقة، وكانوا عبارة عن آلة تراقب وتدير سلاسل الإنتاج العملاقة التي تنقل الخيرات إلى الأعلى. ويتضمن الفيلم رؤى عدة لتكنولوجيا متطورة، كما يستعرض المخلفات الاجتماعية والسياسية للتطور التكنولوجي، وقد أسهم نجاح هذا العمل السينمائي في ظهور تجارب أخرى من أفلام الخيال العلمي، مثل: فيلم (ألبرون) سنة 1928، وفيلم (العالم المفقود) و(ملكة مارس) بالاتحاد السوفيتي سنة 1924.
فترة تطور أفلام الخيال
مثل فيلم (تخيل فقط) 1930، أول فيلم خيال علمي في فترة السينما الناطقة، وهو عبارة عن كوميديا موسيقية تعرض إحدى الرحلات إلى كوكب مارس، وقد تناول موضوع الخيال العلمي بطريقة مبسطة وبين بالخصوص إمكانية استكشاف الفضاء في رحلات مستقبلية متاحة، بالإضافة إلى فيلم (عظيم أن تكون على قيد الحياة) 1933.
وإلى حد تلك الفترة لم يكن فيلم الخيال العلمي، في نظر هوليوود، موضوعاً جدياً أو عملاً سينمائياً مستقلاً بذاته. ومن أهم أفلام الخيال العلمي الأمريكية التي ظهرت في تلك الفترة -أي الثلاثينات- سلسلة أفلام (الوحش)، وهي بالخصوص أفلام (Frankenstein 1931) و (1933 King Kong) في حلقات وقد جمعت كل عناصر الخيال العلمي والمؤثرات القوية، وظهر (الوحش) في الفيلم الأول نتيجة الأبحاث العلمية والتطورات التكنولوجية، وكان ظهوره في الفيلم الثاني بفعل نظرية التطور الطبيعي. وقد مهدت هذه الأفلام المرجعية الأسس المعيارية لتطور الأفلام المعتمدة على الوحش في المستقبل التي مازالت تنتج إلى اليوم وتحظى برواج كبير.
وبعد الحرب العالمية الثانية وحتى سنوات الستينات أصبحت العلوم والاكتشافات تحظى باهتمام منقطع النظير واحتلت مكانة في الوعي الشعبي بالعالم الغربي بالنظر إلى تأثير الحرب والتطور المفاجئ للأسلحة النووية والسباق نحو التسلح وغزو الفضاء، مما ولد مخاوف حقيقية بشأن تدمير الحضارة الإنسانية بالكامل أكثر من ذي قبل. وفي المقابل أسهم تطور تكنولوجيا الصواريخ أثناء الحرب في تيسير الرحلات الفضائية، كما عزز تطور الآلات الحديثة في جميع المجالات والأجهزة المنزلية التي غيرت نمط حياة الأمريكي والغربي عموماً من الإقبال على سينما الخيال العلمي التي استفادت بدورها من انتشار رواية الخيال العلمي لأول مرة بنهاية الخمسينات. وعرفت بالتالي أفلام الخيال العلمي تطوراً غير مسبوق منذ تلك الفترة وإلى اليوم.