مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

سجال الفكر والثقافة السعودية بين د. صالح زيّاد وشتيوي الغيثي

الممارسة الفلسفية ليست حديثة في المملكة فمن يطلع على كتابات الرواد سيجد فكرهم مشدوداً إلى طبيعة جدلية
لم تعد المعايير القيمية لحقبة سابقة مؤثرة في التقويم للمشهد بل أصبح يولد معاييره وقيم تلقيه وإبداعه وتواصله
الثقافة العربية الإسلامية في حاجة اليوم إلى علماء دين ينهضون بدور إصلاحي وتنويري
غياب المشاريع المؤسساتية الكبرى يعود إلى عيوب بنيوية في مؤسسات الثقافة لدينا
لدينا في المملكة وفي العالمين العربي والإسلامي كتابات نهضوية غزيرة
الهوية ليست تصوراً نظرياً.. إنها هوية الذات الاجتماعية والفردية في الواقع المباشر
د.صالح بن زيّاد الغامدي

شباب الفلسفة في طور التكون ومحاولة طرح ذواتهم الفكرية في السياق الثقافي السعودي
ثنائية التأثر والتأثير حاضرة في الخطابات والكتابات اليومية
المكون الديني هو المؤثر في الوجدان الجمعي للمسلمين في أنحاء العالم
المشاريع الفردية على قلتها هي التي نجحت على الرغم من كون أكثرها لا يتصادم مع المعطيات السياسية العامة
خطاب النهضة كان فاعلاً في العالم العربي كثيراً لكننا لا نجد له كبير عناية في الأوساط السعودية إلا بشكل بسيط عند جيل الرواد
أزمة الهوية تتجسد من خلال ثنائية الحداثة الاقتصادية والتقنية من جانب والعقلية التقليدية أو المحافظة المتضادتين
شتيوي الغيثي

يتجه الدكتور صالح بن زياد الغامدي أستاذ اللغة العربية وآدابها بجامعة الملك سعود، إلى أن الممارسة الفلسفية ليست حديثة في المملكة بل بدأت منذ جيل الرواد، بينما يرى شتيوي الغيثي الكاتب والمهتم بالشؤون الفكرية، أن الفلسفة تيار ناشئ لا يمثله إلا مجموعة قليلة من الشباب وما يزالون في طور التكوّن ومحاولة طرح ذواتهم الفكرية في السياق الثقافي السعودي.
والسجال يتواصل حول القضايا الفكرية والفلسفية التي بدأ مجتمعنا السعودي يتفتح عليها بكافة أطيافه، فإلى تفاصيل السجال:
محبة الفلسفة
الفلسفة كتيار ناشئ في السعودية كيف يمكن أن يكون في المستقبل، وكيف يمكن أن يتلافى ما وقعت فيه التيارات الأخرى من أخطاء أو هفوات على الساحة؟
د.صالح زيّاد: ينبغي أن نفرق بين ظاهرة محبة الفلسفة، وبين ممارسة التفكير النظري والنقدي، وكلاهما مظهران للعلاقة بالفلسفة في الساحة الثقافية السعودية. في جانب المحبة للفلسفة يمكن للمرء أن يلحظ اندراج لفظ الفلسفة في كتابات عديد من المثقفين وأحاديثهم بإيجابية صريحة، وظهور مقالات ومؤلفات تتداول أسماء الفلاسفة والأطروحات الفلسفية بعرضها وشرحها وتلخيصها والمقابلة بينها والاستشهاد بها وتتبع تحولاتها... الخ. و(الحلقة الفلسفية) في نادي الرياض الأدبي إحدى العلامات الدالة في هذا الصدد، ولئن تميزت هذه الحلقة بالانتساب إلى الفلسفة بالاسم، بما يؤشر إلى تطبُّع الحساسية تجاه لون من الانتساب الفكري والثقافي غير المألوف في المملكة، بل قد نقول غير المقبول من بعض الوجهات، فإن طبيعة ممارسة هذه الحلقة يمكن أن نراه في جماعات وحلقات أخرى لا ذكر للفلسفة في اسمها، مثل (جماعة فكر) في نادي القصيم الأدبي، وغيرها.
لكن الممارسة الفلسفية في المملكة، إذا نحن اتسعنا بمفهوم الفلسفة عن السياج المحدد للفلسفة تقليدياً، بارزة في الفكر النظري والنقدي الذي يولِّد المفاهيم ويصفها ويمارس فعلاً تأويلياً ونقدياً تجاه الأفكار والوقائع. وليست هذه الممارسة حديثة في المملكة، فمن يطَّلع على كتاب (رفات عقل) لحمزة شحاتة، أو يقرأ كتاب (دعونا نمش) لأحمد السباعي، وكتاب (خواطر مصرحة) للعواد... الخ سيجد فكرهم مشدوداً إلى طبيعة جدلية تضفر الرؤية النقدية بأطروحات نظرية. لكن الاطلاع في المملكة على المعطيات النظرية الحديثة والتماس معها، خصوصاً من زاوية النظرية الأدبية والنقدية، هو ما ضاعف هاجس التفلسف وجعله ضرورة منهجية لوجود فعل نقدي ومعرفي يمكن الاعتداد به. ولذلك فإن تقدم الفكر والثقافة في المملكة مرهون باتساع دائرة الجدل الفكري والمفاهيمي لكن بطريقة منهجية، وهذا هو ما يؤكد الحاجة إلى وعي فلسفي حديث.
شتيوي الغيثي: من الصعب الحديث عن الفلسفة كتيار ناشئ في المستقبل لسببين: الأول أن هذا التيار لا يمثله إلا مجموعة قليلة من الشباب الذين كانت الفلسفة خيارهم الفكري في ظل خيارات سبق إليها غيرهم من الأدباء أو الكتاب، فهم ما يزالون في طور التكون ومحاولة طرح ذواتهم الفكرية في السياق الثقافي السعودي. صحيح أنهم نجحوا إلى حد ما في إظهار ذواتهم وخيارهم الفلسفي إلا أنهم يعون أن هذا الطرح يواجه الكثير من الصعوبات وأن انتشاره يبقى محدوداً في عدد من الشباب الذي يتفرقون في مناطق المملكة. هذا الوعي بهذه الصعوبات برأيي يمكن أن يقود إلى تحولات في خطاب بعضهم سواء بتطويره بحيث يمكن أن يكون أقرب إلى معالجة القضايا الاجتماعية والثقافية، أو ربما الانحسار، وهذا في رأيي أقل بحكم وعي الشباب بالمشكلات التي تواجه انتشار خطابهم، لذلك كان خيار الطرح الهادئ بحكم قربي من هؤلاء الشباب، أو من بعضهم لا يجعلهم في حال صدامية مع التيارات المتنازعة في المشهد السعودي.
أما مسألة تلافيهم أخطاء أو هفوات غيرهم فإن ذلك راجع إلى مدى وعيهم في هذه المسألة، ولكن هذا مرهون بالمستقبل إضافة إلى مدى انشدادهم في صراعات التيارات الأخرى. شباب الفلسفة مازالوا بعيدين عن هذه المشكلات بحكم ظروف التكوين الفكري، إضافة إلى عزوفهم عن العمل كتيار اجتماعي له أهدافه السياسية أو (التغييرية) في المجتمع -حتى الآن- والتي كانت أحد أسباب الصراعات بين التيارات السعودية المختلفة.
الانفتاح الثقافي
يعيش المجتمع وبخاصة في العقد الأخير عدداً من التغيرات على كافة المستويات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية وغيرها، فما أثر هذا الحراك المجتمعي في تشكيل الفكر السعودي، وما النتائج المؤملة من هذا الحراك للوصول إلى تشكل فكري ناضج؟
د.صالح زيّاد: أول ما ينبغي أن نتنبه إليه في سياق السنوات الأخيرة هو بروز إحساس ثقافي مفاجئ، أي حَدَث سريعاً، بالانفتاح قسراً على العالم، وحضورنا تحت أنظاره، ومشاركتنا إياه، وتصادمنا معه. وحادثة 11 سبتمبر عام 2001م التي أشعرتنا أن العالم يسائلنا ثقافياً، تتقاسم دوراً مؤثراً مع ما تولَّد عن الفضائيات ووسائل التواصل والتعبير عبر الشبكة العنكبوتية من التجابه بين الأفكار وتصادم التيارات وحوارها. ولا تكتمل تركيبة المشهد دون حساب سن الفتوة والشباب ديموغرافياً في مجتمعنا، فالذين يمثلون سن الكهولة حتى لو حسبناه في الخمسينات وما فوقها لا يصلون إلى 20%. وانعكاس ذلك واضح على مشهدنا الثقافي سواء على مستوى كمية الإصدارات الأدبية والثقافية أو نوعيتها وما تتسم به من حدة ونقدية ومجابهة واستعجال. ولم تعد المعايير القيمية لحقبة سابقة مؤثرة في التقويم للمشهد بل أصبح المشهد يولِّد معاييره وقيم تلقيه وإبداعه وتواصله. وأعتقد أننا سنخلص من ذلك إلى وعي أكثر نضجاً وأكثر استيعاباً للحظته.
شتيوي الغيثي: من الطبيعي أن تتأثر المجتمعات بأي متغيرات ثقافية أو سياسية أو حتى تقنية، والمجتمع السعودي ليس استثناء من ذلك، فثنائية التأثر والتأثير حاضرة في الخطابات والكتابات اليومية ونوعية وعي المجتمع بحقوقه الإنسانية التي كانت من قبيل غير المفكر فيه قبل عشر سنوات مضت إلا في إطار النخبة. لكن ومع ذلك يجب ألا نفهم أن هذا الوعي يتشكل خارج المسألة المادية المباشرة لرجل الشارع، لكنها تصبح سؤالاً فكرياً يدور في حدود النخبة. هذا لا يعني أن رجل الشارع لا يعي هذه التحولات؛ بل المقصد هو نوع المعالجة المباشرة من قبل رجل الشارع، والمعالجة الفكرية، أو حتى الفلسفية، من قبل عدد قليل من النخبة. ربما تتسع دائرة هذه النخبة وقد تقل حسب حجم تأثير أطروحاتهم وتأثرها بالتحولات الجارية. 
هناك الكثير من المتغيرات التي بدأت حديث الرجل العادي بينما كانت لا تشكل همه اليومي كالديمقراطية مثلاً حيث كانت تدور في الدوائر الفكرية والسياسية دون أن تنزل لرجل الشارع. الآن نراها تعالج كافة قضاياه، لكن حجم وعي هذه الديمقراطية وفلسفيتها تبقى بعيدة عن هموم الناس الذين تنتهي علاقتهم بها مع انتهاء العمل الانتخابي حسب رياح التأثير التي تهب عليه. هذا مجرد مثال، وإلا فإن التحولات الكثيرة أكبر من اختزالها في التحول الديمقراطي أو غيره سواء على مستوى العالم العربي أو حتى في الداخل السعودي الذي كانت التحولات فيه منذ صدمة الحادي عشر من سبتمبر، وليست فقط في السنتين أو الثلاث الأخيرة.
تقاطع الدين والفلسفة
إلى أي مدى يمكن أن يتقاطع الخطاب الديني مع الخطاب الثقافي؟ وحتى مع الفلسفي الظاهر حديثاً في الفكر السعودي، وما السبب في كون الخطاب الديني دائماً أحد أطراف المعادلة في الحوارات الفكرية؟
د.صالح زيّاد: هناك لبس اصطلاحي في مفهوم الثقافة حين يتصور الخطاب الديني خارجها وحين يُدخِله في إطارها. دعني أقول إن الدوغمائية التي يتصف بها بعض المنتسبين للخطاب الديني لا تقل عما يتصف به بعض المثقفين. أما إذا أخذنا الوجه الفاعل للثقافة فكرياً ووجدانياً واجتماعياً فإن بعض رموز الخطاب الديني يتصدرون في هذا الصدد. ما يطرحه الخطاب الديني هو فعل ثقافي حين نميز بينه من حيث هو خطاب وبين الدين نفسه. الثقافة العربية الإسلامية في حاجة اليوم إلى علماء دين ينهضون بدور إصلاحي وتنويري. لو قيض الله للثقافة العربية والإسلامية من يجدد الخطاب الديني ويفتح مغاليقه على المعاني الوجودية الأكثر تأثيراً وسمواً بالواقع لتغير الواقع سريعاً. 
جزء آخر من مشكلة الخطاب الديني متأتية من استغلال بعض الجماعات والأحزاب له سياسياً، وقد استنفدت هذه الجماعات الدين في قولبة رؤاها وتسويق زعاماتها. للمملكة رمزية دينية لدى المسلمين وفي العالم بأجمعه، وهذا بالطبع تشريف للثقافة السعودية عليها أن تعيه، وفي الوقت نفسه عليها أن تعي تبعات مسؤوليته، وهي مسؤولية يجب أن تتجه إلى إنقاذ العالم الإسلامي من غلواء التطرف والإرهاب باسم الدين. وهي تحاول ذلك على مستوى النخبة الرسمية، ولكنها في حاجة أكثر إلى خلق تفاعل شعبي واسع مع طموحات نخبتها السياسية.
شتيوي الغيثي: المكون الديني هو المؤثر في الوجدان الجمعي للمسلمين في أنحاء العالم، ومن الطبيعي أن يكون الدين ضمن الأسئلة التي تطرحها الفلسفة ليس فقط في الإطار الإسلامي بل في كافة الفلسفات حتى الغربية النافية للدين؛ فضلاً عن أن الفلسفة في الفكر العربي كانت تتجاور كمعطى عقلي إلى جانب المعطى النصي في العقل الإسلامي تمثلت أكثر ما تمثلت في المزاوجة الشهيرة التي قام بها ابن رشد بين الشريعة والحكمة بوصف ابن رشد منتهى العقل الفلسفي الذي وصل إليه الفكر الإسلامي على الرغم من مقاربات الفلاسفة المسلمين قبل ابن رشد بين الدين والفلسفة حسب المرجعيات الدينية والفلسفية في وقتها. لذلك فلا يستغرب ذلك التقاطع بين العقل الفلسفي والعقل الديني خصوصاً أنهما عقلان يخضعان باستمرار لعملية التأويل المتواصلة سواء في النص الديني أو النص الفلسفي.
صحيح أن المرجعية بين العقلين مختلفة حيث إن العقل الديني يميل إلى الميتافيزيقية النصية، في حين يميل العقل الفلسفي إلى الميتافيزيقية العقلية، والفلسفة الحديثة تنتقد العقلين معاً لتأسيس رؤية نقدية لتجاوز تلك الميتافيزيقية، ولذلك يبقى الدين ضمن أهم الأسئلة الفلسفية سواء بنقده أو تطوير آلياته المعرفية، كما أن الدين لا يمكن له إلا أن يتأثر في الرؤى الفلسفية بوصفها رؤى تأويلية يحتاجها العقل الديني كما يحتاجها العقل الفلسفي. 
مشاريع ثقافية
ما مرد غياب المشاريع المؤسساتية الثقافية والفكرية الكبرى التي يمكن أن نجدها عند بعض الأفراد فقط؟
د.صالح زيّاد: هذا سؤال جميل لأنه يضع اليد على مشكل ثقافي في المملكة. فالمؤسسات الثقافية بلا مشاريع كبرى. أعطني مشروعاً واحداً مثل مشروع الهيئة المصرية للكتاب في مصر لترجمة 1000 كتاب. غياب هذه المشاريع المؤسساتية الكبرى يعود إلى عيوب بنيوية في مؤسسات الثقافة لدينا، فهي بلا مساءلة وبلا تقويم. وقد استهلكت جهدها في قضايا عضوية الأندية الأدبية وانتخابات الأندية الأدبية، تزوير هنا وشكوى هناك...! المثقفون الذين يمكن أن يعوَّل عليهم انزووا بعيداً، وانطووا على ذواتهم أو على قلة من أصفيائهم. والفرد مهما بلغ جهده لا يمكن أن يكون بحجم الجهد المؤسسي.
شتيوي الغيثي: هناك عوامل كثيرة لا يمكن حصرها هنا لكن لعل أحدها غياب رأس المال الثقافي بوصف الثقافة مشروعاً يمكن له أن يكون اقتصادياً، وليس فقط مشروعاً فكرياً. الثقافة المؤسساتية من غير رأس المال لا يمكن أن تثمر إلا في جهود أفراد غالباً ما تصل إلى أبواب مسدودة من العجز ما لم يكن مشروعاً فكرياً للكاتب أو المفكر، وطبيعة هذه الجهود الفردية لا نجدها في السعوديين إلا في إطار العمل النقدي دون اتساعه إلى مشاريع فكرية أكبر لكونه يكلف الكثير من الوقت والجهد كان على المؤسسات الثقافية أن تعمله أو تساعد فيه. هذا جانب؛ من جانب آخر فإن غياب حرية البحث العلمي التي لا تحظى بها المؤسسات الثقافية عامل قوي ومؤثر في ذلك لكونها مؤسسات غير مستقلة ثقافياً ولا إدارياً ولا مالياً حتى وإن ادعت بعض المؤسسات استقلاليتها. يكفي أن الحكومات هي التي تدعمها مادياً، والدعم المادي يجبر أكثرها أن تسير وفق ما ترسمه تلك الحكومات أو على الأقل لا تتعارض معها. السياسي العربي يدعم المؤسسة الثقافية ليس إيماناً بما تحققه من حرية وبحث وتطور، وإنما بالقدر الذي تمنحه الهيمنة السلطوية على الثقافة والدين وغيرها، لذلك كانت المشاريع الفردية -على قلتها- هي التي نجحت على الرغم من كون أكثرها لا يتصادم مع المعطيات السياسية العامة.
الخطاب النهضوي
هل غاب الخطاب النهضوي عن قاموس كثير من الخطابات المختلفة والمتعددة في الفكر السعودي؟
د.صالح زيّاد: كلا، لم يغب. ما نراه هو أن كل التيارات تنظِّر للنهضة. وكلها متألمة على فقدانها عربياً وإسلامياً. وحتى أولئك الذين يدعون إلى العودة إلى الماضي وتقليده واستعادته يرون النهضة من جهتهم في اجترار الماضي والعودة إليه. وأولئك الذين يجدون في تقدم أوروبا أو اليابان أو الصين أو يجدون في لحاق دول كانت إلى فترة قريبة في عداد الدول الفقيرة والمتخلفة مثل كوريا الجنوبية أنموذجهم للتقدم الذي يصبحون ويمسون على العويل عليه وعلى كسر خاطر أبناء العروبة والإسلام وتبكيتهم به، لم يقولوا لنا كيف تقدموا! وما سر طبخة التقدم التي امتلكوها!! لدينا في المملكة وفي العالمين العربي والإسلامي كتابات نهضوية غزيرة، لكن ما الوصفة النهضوية المتفق عليها؟ وما السبيل إلى إحالتها إلى واقع نهضوي؟!
شتيوي الغيثي: خطاب النهضة كان فاعلاً في العالم العربي كثيراً لكننا لا نجد له كبير عناية في الأوساط السعودية إلا بشكل بسيط عند جيل الرواد: (العواد وشحاتة وغيرهم) وربما كان ذلك راجع إلى تسارع التحولات في المجتمع السعودي؛ إذ وجد المجتمع والمثقفون أنفسهم في صراع حول الحداثة من غير المرور بالقضايا النهضوية. كانت التنمية في الخليج هي محرك الأسئلة الفكرية (كانت نقدية وأدبية أكثر من كونها فلسفية) بحكم ضغط المعطى الاقتصادي الذي نقل المجتمع من حالته التقليدية إلى الحالة الحداثية من غير أن يمر بقضايا النهضة. وهنا حصل الشرخ الأول في علاقة المجتمع السعودي مع حداثتهم الجديدة (سبق وأسميتها حداثة شكلية) حيث لم تكن التحولات تسير بوتيرة صاعدة من التقليدية حتى النهضة ثم الحداثة وإنما هي قفزة من سياق إلى سياق مختلف سبَّب ما أسماه أدونيس بـ(صدمة الحداثة). صحيح أن الحداثة هي مرحلة أعلى لأسئلة النهضة، لكن ذلك كان قد حصل ليفتح النقاش على مصراعيه الشيء الذي قاد إلى عكس ما هو تماماً فلا نحن أجبنا على أسئلة النهضة ولا الحداثة استطاعت أن تقنع المجتمع بذاته لأنها كانت طفرة فكرية واقتصادية مرت بعنف سرعان ما تلاشت مع ضغط التقليدي بحكم أسبقيته الوجودية حتى في دواخل بعض من تبنوا الحداثة ودافعوا عنها بقوة من النقاد.
ضياع الهوية
هل يعيش المجتمع أزمة الهوية؟
د.صالح زيّاد: إذا أردنا تحديد العبارة وتدقيقها فلنقل أزمة (تصور) للهوية، فليس هناك مجتمع بلا هوية. لكن الهوية ليست تصوراً نظرياً، إنها هوية الذات الاجتماعية والفردية في الواقع المباشر. هكذا لا يصبح هناك هوية تامة التحديد وأحادية وثابتة وممتلئة بل هوية تنطوي على الاختلاف والتعدد والتحول المستمر. ومشكلة التصور للهوية تنتج عن الاعتقاد بضد ذلك، بحيث يتم تصور المجتمع بأحادية شديدة وتجانس تام وثبات مطلق. والآثار الناتجة عن هذه المشكلة التصورية بارزة في الموقف من الآخر مثلما هي بارزة في الموقف من الذات، بارزة في الحاجة إلى جرعات عالية من التسامح والهضم لمعنى التشارك الإنساني، وبارزة في موقف فصامي مع حركة الزمن، وفي المعاني التي يضفيها الناس على وجودهم وعلاقاتهم وتصوراتهم.
شتيوي الغيثي: أزمة الهوية تتجسد من خلال ثنائية متضادة طافحة في ضديتها: (الحداثة الاقتصادية والتقنية) و(العقلية التقليدية أو المحافظة). وبالتأكيد أن مثل هذه الثنائية تصنع أزمة في دواخل العقول الفكرية والاجتماعية التي لم تستطع الحفاظ على هويتها بحكم الانجراف أمام (البلدوزر) الحداثي كما هو وصف المغربي: عبدالسلام بن عبدالعالي، والحرص الشديد على القيم التقليدية، بل وحتى المظاهر التراثية في سلوكياتنا ومبانينا وتفكيرنا لذلك كان من السهولة بمكان اختطاف العديد من الشباب لتدمير بلدانهم خلاف ما حصل لدى مسلمي أوروبا مثلاً الذين استطاعوا إلى حد ما المزاوجة بين مجتمعهم الحداثي وقيمهم الإسلامية التي لا يجدون تعارضاً بينهما الشيء الذي لم يدخلهم في إشكالياتنا العربية أو الخليجية، بما فيها السعودية.

د.صالح بن زيّاد الغامدي
من مواليد منطقة الباحة، عام 1382هـ. حاصل على شهادة الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث من كلية اللغة العربية، بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، في عام 1417هـ (1997م). يعمل الآن أستاذاً بقسم اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب، جامعة الملك سعود، الرياض. يرأس تحرير (مجلة الآداب) الأكاديمية المحكَّمة الصادرة عن كلية الآداب بجامعة الملك سعود (من 1433هـ- الآن). شارك في عدد من الندوات والمؤتمرات، وقدم عدداً من المحاضرات. أصدر عدداً من الكتب، منها: الأنواع الأدبية، والقارئ القياسي، والشاعر والذات المستبدة، والرواية العربية والتنوير، وغيرها..

شتيوي الغيثي
من مواليد حائل، عام 1398هـ. حاصل على البكالوريوس في اللغة العربية. يحضر لدرجة الماجستير بجامعة طيبة بالمدينة المنورة. عضو مجلس إدارة نادي حائل الأدبي من عام 2007 - 2011م. كاتب مهتم بالشؤون الفكرية، إضافة إلى كتابته للشعر. كتب في عدد من الصحف السعودية منها: الوطن، الشرق، وعكاظ. أصدر عدداً من الكتب، منها: (قشرة الحضارة إشكاليات الثقافة السعودية وتحولاتها)، ولا ظل يتبعني، وغيرها..

ذو صلة