ثمة مساحة لا بأس بها للمرأة الكاتبة في الأردن، لكن هذا غير كافٍ ولا يليق بمكانتها الأدبية كما ترى الدكتورة فاطمة الصمادي، في حين تشير الكاتبة والباحثة الصحافية آمال جراب أن (جمهور القراء) في الأردن لديه انطباع أن هنالك هيمنة ذكورية على زوايا وأعمدة المقال الصحافي، إلا أنها تعود لتؤكد أن المرأة الكاتبة لم تغب بشكلٍ مطلق –كما هو الانطباع السائد– بل هنالك حضور لكاتبات بمقالات يومية، أو أسبوعية، بيد أن هذا الأمر لا ينطبق على جميع الصحف.
المجلة العربية، عاينت ملف (المقال النسوي في الأردن) وما يرتبط به من حضور المرأة الكاتبة في الصحف الأردنية، وقدرتها للتعبير عن قضاياها، وعما يسمى بـ(الهيمنة الذكورية).
وحول جدل المصطلح تتحفظ الدكتورة الصمادي, وهي كاتبة في صحيفة (العرب اليوم) في حديثها لـ(المجلة العربية) على مصطلح (المقال النسوي). وتقول: «بصفتي باحثة متخصصة في قضايا المرأة أرجع تحفظي إلى إشكالية التعريف لهذا المصطلح, وهي ذات الإشكالية التي شهدتها الساحة الأدبية والفنية، ودارت الطروحات منذ سبعينيات القرن العشرين دون نتيجة حول مقولات (الأدب النسوي) و(السينما النسوية) أو (الفن النسوي)». مشيرةً إلى أن جدل التعريف لم يحسم إلى اليوم حتى في الغرب حيث البحث الأكاديمي المتقدم زمنياً بشأن الموضوعات النسوية مقارنة بعالمنا العربي.
وتتابع حديثها قائلة «لأننا نتحدث عن المقال، الذي هو فن يقوم على اللغة، فلا بد أن ينسحب عليه غياب تعريف دقيق وشامل لمصطلح الكتابة النسوية. يرافق ذلك على الصعيد الأكاديمي البحثي فوضى تنظيرية، يضع بعضها (نص المرأة) مقابل (نص الرجل) في تمركز غير مبرر حول الأنثى، وبذلك يصنف النص تبعاً لجنس صاحبه. ويتحدث البعض الآخر عن منتج يعالج في مضمونة قضايا المرأة برؤية نسوية واضحة، وهنا من الممكن أن يكون الكاتب رجلاً أو امرأة، تماماً كما نجد في السينما أفلاماً ذات طرح نسوي واضح لمخرجين رجال»، مؤكدةً رفضها للمصطلح «إن كان يقسم المقال وفقاً للهوية الجنسانية لكاتبه؛ لأن في ذلك تأطيراً متعمداً لمساحات الحضور الفكري للمرأة».
وحول حرية المرأة في الكتابة تقول: «برأيي أن الكاتبة الأردنية استطاعت أن تكون جريئة بما يكفي لتقرب بمقالتها من قضايا سياسية واجتماعية حساسة. أما مسألة الحرية فهي محكومة بمعايير تخرج عن حدود الكاتبة لتصبح قضية اجتماعية عامة، تحكم الرجل والمرأة على حد سواء، ولذلك فإن سؤال الحرية يخص الجميع ذكوراً وإناثاً. وهنا نستطيع القول إن الحرية ليست بالمستوى المطلوب الذي يليق بالقضايا التي نواجهها في الأردن، وغيابها هو الذي دفع كاتبة سياسية ومحللة من الطراز الأول هي السيدة منى شقير للتوقف عن الكتابة احتجاجاً على فقدان هذا الشرط اللازم للفكر.
وفيما يتعلق بالهيمنة الذكورية، مقابل المساحة المتاحة للمرأة، تؤكد أن المرأة الكاتبة سواء الصحفية أو الأديبة، لم تعطَ المساحة التي تليق بها في الصحافة الأردنية. وتضيف: «نعم ثمة طغيان لحضور الرجال على صفحات الصحف، وهذا الحضور الطاغي ليس معناه أن النساء أقل كفاءة، لكنهن بالتأكيد لايجدن الدعم اللازم الذي يقدم للرجال».
معوقات الكاتبة
آمال جراب، الكاتبة والباحثة الصحافية، ترى أن أكثر ما يلفت انتباه قارئ الصحف اليومية المحلية الأردنية هو سيطرة الرجل بشكل يمكن أن يكون شبه مطلق (برأي بعض القراء) على أعمدة الرأي، حيث تغيب الكاتبة عن تلك الأعمدة في بعض الصحف، بيد أنها تعود لتعاين المشهد بعين الصحافي الباحث فتقول: «لكن عند متابعة جميع الصحف، نجد أن المرأة في الصحافة الأردنية لم تغب بهذا الشكل المطلق، حيث أن كثيراً من الكاتبات لهن مقالات يومية وأسبوعية في بعض الصحف المحلية، لكن ليس بجميع الصحف، فصحيفة (العرب اليوم) مثلاً تكتب فيها بشكل دائم حياة الحويك عطية، وكان سابقاً أيضاً رنا الصباغ، وفاطمة الصمادي, إذ كان لمقالاتهن زوايا ثابتة في صفحات الجريدة، بالإضافة إلى قيام البعض من الكاتبات بنشر مقالات لهن في الصفحات المتخصصة (الاجتماعية، والثقافية، والسياسية) في العديد من الصحف المحلية كالرأي والدستور».
وتتابع جراب حديثها «لكن ثمة معوقات تواجه المرأة في إطار توجهها نحو التركيز على الجانب السياسي في عملها الصحفي، فمنهم من يربط امتناع الصحافية الأردنية عن كتابة المقال بالمجال الثقافي الذي تعيشه الصحافية، ومنهم من يرجعه إلى طبيعة تكوين المرأة ودورها الاجتماعي المعروف في مجتمعاتنا، ولكن هذا ليس من الصواب أن نحكم على المرأة بأنها ذات تكوين بيولوجي لا يهتم إلا بالموضة والمكياج والأطفال والأمور المنزلية فقط، إنما مجتمعنا المحلي هو الذي يجعل من المرأة إنسانة متلقية ولا تفهم شيئاً باستثناء ما ذكر سابقاً».
وتشير جراب إلى أن هنالك أهمية من دفع المرأة للكتابة في الشأن السياسي والانفتاح عليه بشكل أكبر، وتوصي أن يتأسس الوعي منذ البداية في المدرسة بحيث تكون هنالك برامج توعوية وتثقيفية عن تمكين المرأة سياسياً، وجعل دورها السياسي فاعل، والعمل على تفعيل دور المرأة عبر ورشات العمل واستضافة المتميزات منهن في كتابة المقال والصحفيات أيضاً للحديث أمام الشابات الناشئات عن تجاربهن، وتشجيع المرأة على الدراسة في المجالات ذات الصلة كالعلوم السياسية علاوة على الصحافة، وتكثيف برامج وندوات تلفزيونية وصحفية ومدرسية وجامعية لتعزيز دورها.
وتختم حديثها لـ(المجلة العربية) بالإشارة إلى أن «التطور الحضاري والتكنولوجي، دفع المرأة لتغيير اهتماماتها نحو قضايا ومسائل مختلفة، فبدأت ترى أن الأمور السياسية الجارية من حولها قد بدأت تؤثر على واقعها الاجتماعي والاقتصادي، كما أن الكثير من الجيل السابق والحالي غالبيتهم من المتعلمين والمثقفين، وانتشار الفضائيات والتطورات السياسية الجارية في الدول المجاورة لنا، كل تلك الأمور جعلت النساء يتجهن للاهتمام بالشؤون السياسية، حتى لو كانت بشكل محدود».
البحث عن الجرأة
الصحافية عنود أمجد أبو تايه ترى أن محاولة وقف الهيمنة الذكورية في احتكار المقال الصحفي أصبح أمراً ليس سهلاً، في ظل غياب أقلام نسائية (بالعدد الكافي المطلوب) مقابل أقلام ذكورية أكثر جرأةً في وقت تراجع فيه سقف الكاتبة الأردنية إلى ما دون (الخط الأحمر). مبينة أن القارئ يبحث عن الجرأة والإثارة، فأصبح يربط (المقال الجريء) بالذكر دون الأنثى. وترى أبو تايه في حديثها لـ(المجلة العربية) أن مفهوم (المقال النسوي) قد يعمل على تقييد المرأة في الكتابة، من خلال تقليل المساحة المتاحة لها (في قضايا نسوية)، وذلك رغم أن (المقال النسوي) يضفي على المرأة شيئاً من الخصوصية والتميز والانفراد.
المجتمع تربية ذكورية
الباحثة المختصة في الشأن النسوي رشا مجدي ترى أن المجتمع (العربي عموماً) محافظ وما يزال يقيد المرأة في قوالب وظيفية محددة، كمعلمة، أو مربية، في حين ينظر إلى وظائف أخرى بريبة حين تكون المرأة طبيبة تعمل في المشفى، ويبدو أن الوضع لا يختلف كثيراً عن الإعلام والصحافة ووضع المرأة فيهما، بيد أن ذلك لا ينفي وجود بعض الرموز النسائية التي تميزت في الكتابة والإعلام، وفي (المقال النسوي) –بعيداً عن جدل المصطلح– نجد في الأردن كاتبات يقدمن نتاجاً لا يقل جودةً عما يقدمه الذكور، وتذكر من ذلك (حياة الحويك عطية) التي كانت سابقاً في الدستور وتكتب حالياً في (العرب اليوم)، و(رنا الصباغ)، و(هدى الفاخوري)، وأخريات كثر.
وتتابع مجدي في حديثها: «الملاحظ أن المقال النسوي لا ينصب على قضايا المرأة، وإنما ينصب في مجمله على الواقع السياسي العربي والأردني، وتجد كاتبات يتخصصن في الشأن الثقافي أو الاقتصادي، وقلة قليلة تجد لديهن اهتماماً في قضايا المرأة». وتضيف: تجد أن لطبيعة المجتمع وتركيبته الذكورية دوراً في هذا العزوف, فجانب من التربية الذكورية التي تتصف فيها المجتمعات العربية تلعب دوراً في حياد المرأة الكاتبة عن قضاياها فيما تنظر بعضهن إلى (الكتابة النسوية) باعتبارهاً (تسلية وترفاً) مقارنةً مع الشأن السياسي أو الاقتصادي.
وتقول: «رغم ما يتمتع به الأردن من انفتاح نوعاً ما إلا أن الحرية المتاحة للمرأة للكتابة في قضاياها كامرأة غير كافية (في حال كانت المقارنة مع لبنان مثلاً)»، مشيرة إلى أن «مجتمع الصحافة والإعلام من مؤسسات وصحف عموماً يسيطر عليه الرجال، في حين تتمترس المرأة خلف مواقعها دون أن تلجأ لتطوير موقعها الوظيفي لتكون في موقع الصدارة، وطبعاً ثمة من كسر هذه القاعدة، لأنه عمل على تطوير نفسه وموقعه الوظيفي كالدكتورة رلى الحروب، وجمانة غنيمات التي تطورت من صحافية إلى رئيس تحرير أهم الصحف المحلة الأردنية، ويمكن الإشارة أيضاً إلى محاولة (مأسسة) عمل المرأة الصحافية في الأردن عبر (مركز إعلاميات عربيات) والذي يضم قطاعاً واسعاً من الصحفيات والإعلاميات والكاتبات، و(منتدى التضامن العالمي مع النساء) الذي يعنى أيضاً بنتاج المرأة الصحافي والأدبي».
إحصاءات ودراسات
وبإحصاء نسبة حضور المرأة الكاتبة في الصحف اليومية الأردنية، وجدت (المجلة العربية) –من خلال بحث قصير– أن صحيفة العرب اليوم (الصحيفة الأقرب للمعارضة) هي الأكثر استقبالاً للكاتبة الأردنية؛ إذ بلغ حضورهن في الأعمدة الصحفية ( %38.88) بواقع 7 كاتبات، في حين جاءت صحيفة الغد (ليبرالية) في الموقع الثاني (%22.22) بواقع 4 كاتبات، مع وجود عدد من الكاتبات المستضافات الأمر الذي فضلها على صحيفة الرأي (حكومية) والتي كانت نسبة حضورهن فيها (%22.22). وجاءت صحيفة الدستور (شبه حكومية) الرابعة بنسبة (%11.11) بواقع كاتبتين، وأخيراً كانت السبيل (إسلامية–الإخوان المسلمين) بنسبة (%5.55) بواقع كاتبة واحدة في الصحيفة.
يشير كتاب (النساء قادمات) الصادر عن مركز الإعلاميات العربيات العام 2004؛ إلى تراجع كبير في وضع المرأة الأردنية في مراكز القرار الإعلامي غير الرسمي، وتقول الإحصاءات في الكتاب إلى أن عدد النساء من بين رؤساء التحرير لم يزد عن امرأة واحدة في الصحف اليومية.
وبحسب الإحصاءات فإن العام 2005 شهد زيادة في عدد الصحف اليومية وصلت إلى ست صحف بدخول صحيفة (الأنباط) إلى السوق؛ ومع ذلك فإن الرجل بقي مسيطراً على منصب رئيس التحرير. وتضم نقابة الصحفيين الأردنيين (594) رجلاً مقابل (90) امرأة.
ويلاحظ المتابع أن الكاتبات الأردنيات بشكل عام يكتبن في القضايا السياسية بشكل خاص، إذ ركزت ليلى الأطرش وحياة الحويك عطية وهدى فاخوري؛ على قضايا الاحتلال الأمريكي للعراق، والإسرائيلي لفلسطين، وقضايا الإصلاح، والتمويل الأجنبي ومخاطره على المجتمع، وقلما يكتبن في قضايا تخص المرأة.