مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

نقد الكتابة النسائية: الدفاع عن ذكورية القلم

هل هناك حضور ثقافي للمرأة وتشكيل لنسق ثقافي جديد تكون فيه معبرة عن ذاتها الثقافية المسلوبة أولاً ومن ثم الهم المجتمعي في مقابل نسق ثقافي كان الرجل هو محوره والوجه الثقافي الأوحد فيه؟ وهل نستطيع أن نقول بأن هناك خطاباً ثقافياً (نسوياً) مكملاً للنصف الآخر من خطابنا الثقافي؟ وهل ما نسمعه اليوم من نقد لفكرة القلم النسائي هو دفاع عن ذكورية القلم والمحافظة على فحولة الثقافة من تمييع المرأة لها أو الأنوثة التي ربما تضر بها؟ وهل قوامة الرجل للمرأة يمكن أن تمتد إلى الثقافة لتكون المرأة وعاء حاملاً للفحولة كما عبر عن ذلك عبدالحميد بن يحيى الكاتب حينما قال «خير الكلام ما كان لفظه فحلاً ومعناه بكراً».
من هنا يبرز سؤال: ما الفرق بين وأد المرأة في العصر الجاهلي ووأد الحضور الثقافي للمرأة في العصر الحديث؟، أي بمعنى آخر ما الفرق بين الوأد الجسدي والوأد الثقافي المعنوي للمرأة المغيب لدورها الحضاري والفعلي كونها نصف المجتمع المكمل لنصفه الآخر المستأثر بالثقافة لفظاً ومعنى؟.
تقول سعدية مفرح (شاعرة وكاتبة من الكويت): مصطلح القلم النسائي أو الأدب النسوي مصطلح قديم جديد، وغالباً ما يتداوله الكثيرون في سبيل تهميش تجربة المرأة في الكتابة والنظر إلى معطيات هذه التجربة بدونية، حتى وإن كان ذلك بطريق غير مباشر.
وعلى الرغم من أن الكثير من الأديبات يرفضن هذا المصطلح للأسباب التي ذكرتها ولتاريخ هذا المصطلح غير البريء إلا أن هذا لا يمنع من أننا نلاحظ بعض الخصائص التي تتميز بها القصيدة التي تكتبها المرأة وهي خصائص تتجاوز الفردية الإبداعية غالباً.
على صعيد أخر أنا لا أفترض بأي كاتب حقيقي (بغض النظر عن جنسه)، أن يوفر أي فرصة متاحة للتعبير عما يجول في ذهنه من موضوعات بشكل صادق وحر وشفاف ومبدع، ولكن هذا كله بالطبع يعتمد على مدى موهبة هذا الكاتب، وطرائق الكتابة لديه، وأدواته الشخصية ليس في الكتابة وحسب بل في إيصال هذه الكتابة إلى الآخر سواء أكان هذا الآخر قارئاً بصفته المفردة والمستقلة، أم أنه مجتمع معين. وفي هذه الحالة تبرز على السطح الكثير من العقبات والمحاذير التي يتعامل معه كل مبدع بطريقته الخاصة.
ولا بد أن نشير بكل وضوح أن المرأة العربية المتعاطية بالشأن الكتابي بشكل عام هي الأقل قدرة على التطرق لتلك المواضيع التي يشير إليها السؤال لأنها الأكثر عرضة لمحاسبة الجميع بدءاً من أفراد عائلتها وانتهاء بالمجتمع كله.
وأعتقد أن الكتابة بشكل عام بالنسبة لأي كاتب هي ضرورة للتعبير الذاتي. ولكن الكاتبة العربية محكومة بكونها امرأة أولاً، وهي تحاسب على هذا الأساس أولاً حتى على صعيد النقد الذي يقوم به نقاد مختصون يفترض أنهم ينقدون النص وشروطه الفنية بعيداً عن جنس كاتبه إلا لاقتناص الدلالة المعنوية المفترضة من خلال ذلك.
ولا بد أن يتأثر النص الإبداعي للمرأة بثقافة المجتمع الذكورية التي نشأت عليها. نحن كلنا نتيجة مباشرة لثقافة مجتمعاتنا ولكن باختلافات تخضع لطريقة تعاطي كل منا مع هذه الثقافة رفضاً أو قبولاً أو تجاهلاً لها أو تحايلاً عليها.. وبالتالي تختلف شخصيات كل منا، ويظهر هذا الاختلاف بوضوح أشد في حالات الكتابة والإبداع.
القاصة والكاتبة تركية العمري ترى أن (الكتابة النسوية)، (الكتابة الأنثوية)، (كتابات المرأة) جميعها مصطلحات تصنف كتابات المرأة، وتضعها في الدرجة الثانية وتبجل كتابات الرجل وتجعلها الأولى.
أن ماهية مصطلح (الكتابة النسوية أو الأنثوية)، لم يعن به الذكر الناقد للكتابات التي تكتبها الكاتبات، أو الكتابة التي تعالج قضايا أنثوية، ولكنه أطلقه ليؤصل في ذات الكاتبة الأنثى أن هناك حدوداً للكاتبة لا يسمح لها تجاوزها، وأن هناك موضوعات لا تستطيع أن تكتب عنها بفعل الخوف من المجتمع، أو بقصور من أدواتها الكتابية والإبداعية.
وقد ظهرت دراسات عديدة وأقيمت ندوات عن مصطلح (الكتابة النسوية) ودلالاته، ورفعت المرأة الكاتبة صوتها برفض هذا التصنيف، فالكتابة فعل إبداعي إنساني ليس له علاقة بجنس كما هو الفن، وقد أثبتت الكاتبة أنها تستطيع الكتابة عن العديد من القضايا والموضوعات الاجتماعية والفلسفية، والفكرية، والقومية، كما أكدت أن تكوينها البيولوجي الشفاف لا يؤطر كتاباتها بالضعف أو بالقصور، كما حاول بعض النقاد الذكور أن يوهموها بذلك، رغم وجود كتاب ذكور تتسم كتاباتهم بالضعف الفني، ولكن هي النظرة القاصرة والتي تحارب المرأة وإبداعها، والناقد الذي أطلق هذه التسمية لا يمكن أن يكون ناقداً واعياً بماهية النقد، فالنقد يتعامل مع النص كنص ولا يتعامل مع جنس أو ملامح من كتبه، فيغيب كاتب النص ويحضر النص بفكرته، ومضمونه، ولغته. 
 بعد ذلك ظهر نقاد منحوا مصطلح الكتابة النسوية دلالة أخرى وكأنهم يصححون مصطلح (الكتابة النسوية) المحدود الرؤية، فاتسع المصطلح وخرج من إطار تجنيس الإبداع إلى آفاق أوسع، وهو أن الكتابة الأنثوية حركة نسوية كغيرها من الحركات الأنثوية الأخرى التي تهدف إلى نيل المرأة حقوقها، وإظهار صوت المرأة المقموع إلى الحياة. وبدأت الدراسات النقدية والأدبية تتجه نحو إبداعية الكاتبة وليس تصنيفها كإبداع أقل بل بدأت تركز على محاور منها:
- القواسم المشتركة لدى الكاتبات.
- الصور والموضوعات التي تتناولها الكاتبات في كتاباتهن.
- الرسائل التي تشترك الكاتبات في بثها من خلال إبداعها الأدبي في كل زمان ومكان.
- طموح الكاتبات.
- دور الكاتبات في تغيير مجتمعاتهن.
- تحديات الكتابة النسوية.

ومن هنا حمل مصطلح (الكتابة النسوية) مفهوماً آخر يخرج من أيديولوجية بعض النقاد العقيمة إلى آفاق شاسعة ترصد إبداع خطه فكر الكاتبة الإنساني الخلاق.
شكراً لمن ابتكر مصطلح (الكتابة النسوية) لأنه خلق تحدياً لدى الكاتبة لإثبات إبداعها، ولتقاسم (الذكر) الكاتب اللغة، والخطاب الثقافي اللذين احتكرهما زمناً طويلاً.
الروائية الكويتية خولة القزويني تقول: لا يمكن تقييم الأمر بحدية تامة قد يكون هناك قلم أنثوي بمقتضى خصائص الأنوثة ومكوناتها الفسيولوجية، وهناك قلم ذكوري يحمل خصائص الذكورة ومكونات الذكر النفسية أيضاً, ولكن في الإطار العام يتفق النقاد على (أنسنة) القلم وشمولية النص لكل قضايا الإنسان رجلاً كان أو امرأة.
رغم اختلافهما في التعبير وفي صياغة الأسلوب إلا أنهما يتفقان في المسار والرؤية فهما مستخلفان على الأرض للقيام بالدور الحضاري الكبير، ولهذا خاطبهما الله عز وجل في النص القرآني على أساس إنساني دون أن يخصّ الذكر أو الأنثى بخطاب خاص، مثل (المؤمنين والمؤمنات)، (المسلمون والمسلمات)، (يا أيها الإنسان)، باعتبار أن الإنسان خليفة الله على الأرض قد حمل أمانة (الإعمار والإصلاح) بعدما أبت الجبال حملها لعظيم ثقلها.
فالخطاب إنساني عام يركز على الهدف المشترك الذي يجمع الرجل والمرأة (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه)، فلكل منهما دوره في الحياة ووظائفه وأسلوبه المتناغم مع نسيج شخصيته لكنهما في النهاية يلتقيان في هدف مشترك وهو السير في طريق التكامل نحو المثل الأعلى المطلق وهو الله عز وجل (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، العبودية المتمثلة في صناعة الحياة على الأرض وتعميرها واختلاق كل نواحي الأنس والجمال والإبداع سواء في السياسة والفن والاجتماع والأدب.. إلخ هذا في العموم.
وحينما ندخل في التفاصيل الدقيقة يمكن قراءة بعض النصوص ذات الصبغة الأنثوية المتطرفة سواء في الأسلوب أو المضمون، فالأنثى غالباً ما تتخذ المفردات العاطفية المؤثرة وبانفعال مفرط مستغرقة إلى حد كبير في الوجدانيات والأنا المتوحدة بتفصيل واتساع بحكم طغيان العاطفة على عقلها، فالدراسات الحديثة أثبتت أن هناك فروقاً هائلة بين عقل المرأة وعقل الرجل، اختلاف في نوعية الأحاديث، اختلاف في اللغة والتعبير، وتعرفون الكتاب الشهير (الرجال من المريخ والنساء من الزهرة) للباحث والطبيب النفسي (جون غراي) والذي حقق أعلى نسبة مبيعات في العالم قد عزز هذه الفكرة بعد بحوث مستفيضة.
فالكلمة المكتوبة والمنطوقة هي مخبوء الإنسان الداخلي ومحتواه الفكري والوجداني تكتب وتلفظ معبأة بطاقة الإنسان، وقد تكون طاقة سالبة أو موجبة بحكم شخصية الكاتب ومزاجه وحالته النفسية، فالإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: «تكلموا فإن المرء مخبوء تحت لسانه». فالقلم الأنثوي واقع يفرض نفسه ويمكن تقييمه بشكل واضح، فهو بوح الخلجات السرية حينما تجتمع النساء في دائرة مغلقة لها خصوصية واستثناء قد لا يفهمها الرجل أو يستوعبها، فالمرأة أبرع في التقاط النتوءات المهملة وأدق في تصوير التفاصيل المهمشة والتي لا ترى بالعين المجردة وربما يجهلها الرجل أو يتجاهلها بحكم تقييمه المختلف أحياناً عن المرأة والتي قد لا يجد فيها مضموناً هاماً.
فمن يقرأ نصاً أدبياً مجهول الاسم يمكنه على الفور أن يشخص جنس الكاتب بحكم الاختلافات الكثيرة والصبغة التي تلون النص إن كان أنثوياً أو ذكورياً، قد يختزل الكاتب بعض المشاهد وينغلق على الحدث بشكل مكثف دون الخوض في الجزئيات المملة والتفاصيل المخلخلة للفكرة، فيأتي نصه متيناً مركزاً مشبعاً غنياً، في حين تبدو المرأة متشعبة أشبه بشبكة عصبية متصلة ببعضها ومنفعلة مع كل الدقائق الصغيرة والبعيدة فهي تتسع أفقياً بينما الرجل يتغلغل عمودياً، وإن كان النص يحمل صبغة الذكورة أو الأنوثة فإن القاسم المشترك بينهما هو الهدف والنص لا يأتي أنوثياً بحتاً أو ذكورياً مجرداً لأنهما متصلان ببعض فطرياً ومتناغمان في سياق المبنى العام للنص، فالمرأة حينما تكتب معاناتها فإنها تفعل ذلك في إطار علاقتها بالرجل زوجاً كان أو أباً, أخاً, ابناً, حاكماً أو مسؤولاً إدارياً، فالعلاقات الإنسانية المتفاعلة تفرض نفسها في النص، وبطبيعة الحال حينما يكتب الرجل في قضايا الحياة العامة أو الخاصة تدخل المرأة في جوهر النص كعنصر هام وحيوي لا تستقيم الحياة دونه.
وفي النهاية أقول: هناك قلم له صبغة أنثوية وقلم له صبغة ذكورية لكن الخطوط العريضة توحد بينهما في رؤى إنسانية مشتركة وهذا ليس ضعفاً وإنما تكاملاً يبعث الجمال في المظهر الخارجي للنص حينما يمزج اللون الذكوري واللون الأنثوي في بوتقة واحدة.
تقول الشاعرة ملاك الخالدي: إن جميع المحاولات التي سعت إلى إزجاء مصطلح الأدب النسائي (بشقيه السردي والشعري) للسطح أو ترسيخه قد انحسرت لأنها استثناءات لا تلغي إنسانية الأدب بل تؤكدها، فالأدب وإن كان قابلاً للتصنيف وفق مراحل زمنية أو مكانية معينة فهو غير قابل أبداً للتجزئة وفقاً لاعتبارات عنصرية تتنافى مع ماهية الأدب ودوره.
لذا لا يمكننا أبداً أن نقوم بتقسيم الأدب إلى رجالي ونسائي، فلم يسبق أن تم تقسيمه وفقاً للجنس فهو نتاج إنساني تشاركي لا يمكن تجزأته أو تصنيفه وفقاً لاعتبارات غير منطقية كالجنس والفئة والطائفة لأننا بهذا سنتجاوز مفهوم الأدب الذي يسمو فوق التعنصر العرقي والفئوي وغير ذلك، فهو إبداع إنساني أبدع الإنسان بإطلاقه وتطويره في مختلف العصور ومن مختلف الأيديولوجيات والأمكنة والأعراق والفئات، ومن الحيف أن نأتي بمبضع الجنس لنشطره إلى رجالي ونسائي إلا أننا في الوقت ذاته نقر بسمات تميز الكتابة النسائية نظراً لعوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية تكتنف المرأة أو تحيط بها ما يمحض حروفها وأفكارها بريقاً أو نكهة تميزه عما يجترحه الرجل، فلقد امتاز إبداع المرأة بالصدق المرتفع ورهافة التصوير وانسيابية اللغة بالإضافة إلى ذكاء الفكرة وعمقها في بوح موارب أحياناً أو ساخط صريح في أحيانٍ أخرى كتلك الروايات التي أحدثت في السنوات الأخيرة ضجة لم تزد إلا من الإقبال على مطالعة تلك الأعمال. إن بوح المرأة شعراً كان أو سرداً يعد مرآة صادقة لهموم المرأة وانكساراتها ونجاحاتها وتطلعاتها وكفاحها الطويل لأجل القلم وبرفقته، من خلال مطالعتي الشخصية.. وعلى ضوئها فإنني أجد الهم الاجتماعي والبحث عن الذات ومناكفة النسق هو النبض السائد في إبداع المرأة، التي كانت ومازالت هي الأقرب للهم الإنساني الكوني بعكس الرجل الذي نجده في الوقت الراهن هو الأكثر تناولاً للمواضيع العاطفية كنوع من الترف الكتابي بعد تلك الرحلة الإبداعية الطويلة والأبواب المشرعة الكثيرة التي حفل بها منذ فجر التاريخ بينما لا تزال المرأة وخصوصاً لدينا في المجتمعات العربية في طور النضال لإزالة بقية الأقفال والمضي في مشروعها الإنساني الكبير بجسارة وصدق ومسؤولية، فهي كانت ومازالت عنصراً فاعلاً في الإبداع الإنساني، فإن كان الأدب يسمو فوق تصنيفه وفقاً لاعتبارات غير منطقية فلماذا نفصل إبداع المرأة ونلقيه في زاوية ضيقة ومكان قصي تمهيداً لإعادة الأقفال تحت ستار الخصوصية.
وبالرغم من السمات التي يتميز بها إبداع المرأة إلا أننا لا نستطيع إغفال إسهام الرجل فيه تحريضاً وتطويراً في مستويات متفاوتة، فهو حينما يأخذ بقلم المرأة إلى الضوء فتنثال أو يحاول كسره فتتوهج فهو محرض على الإبداع، وعندما يتعاهد ما تجترحه بالنقد والتقويم هو محرض كذلك!
ففي مجتمعاتنا العربية عموماً ما تزال سلطة الرجل متلازمة وإبداع المرأة لذا لا يمكننا الحديث عن المرأة ونتاجها إلا بالأخذ بعين الاعتبار ذلك الرجل الذي يرسم ملامح كثيرة في ذات المرأة ما ينسحب على نتاجها وهذا الأمر يزداد في العالم الثالث والعربي بالتحديد ويجب أن نقر به ولا نغفله بغض النظر عن موقفنا إزاءه.
إذن ليس من المنطقي أبداً أن يدعو البعض إلى تقسيم الكتابة إلى نسائية ورجالية، لست منحازة أبداً لبنات جنسي إلا أنني أطرح ما أراه بموضوعية من خلال تجربة كتابية في مجتمع علمني الاستبسال حتى على مستوى إظهار بوحي، لذا لا يمكنني سوى الإشادة بدور المرأة في إرفاد الأدب الإنساني سرداً أو شعراً فهي بالرغم من عمرها القصير في هذا المجال لأسباب محيطة لا تعود أبداً إلى تكوين المرأة الذهني أو النفسي -إنما إلى تكوين المجتمعات والعقل الجمعي والأيديولوجيات المنحرفة- نجدها اليوم تسهم بشكل رائد كمَاً وكيفاً وتناكف إنتاج الرجل وتسبقه رغم تجربتها المتأخرة خصوصاً لدينا في السعودية وهذا بلا شك إنجاز خارق يحسب للمرأة ولا أدل على ذلك من فوز رجاء عالم بجائزة البوكر العربية وترشح أميمة الخميس لنيلها في دورة سابقة رغم حداثة تجربة المرأة لدينا.
تقول القاصة والمترجمة منى العبدلي: لا يوجد في قاموس اللغة فرع يطلق عليه (اللغة الأنثوية), فاللغة حقل مشاع مشترك، لا يقف عليه حارس يترصد أو يزايد ويتصرف في صياغتها وفق جنس الكاتب. وكأن تلك الأصابع الرقيقة التي أمسكت بالقلم لتبدع وتنتج أدباً كما الرجل متهمة بأنها كتابة أنثوية لا ترقى إلى الأدب الذكوري -إن صحت التسمية-. سوء الفهم لهذا المصطلح وضبابيته أدت إلى إطلاقه على كل ما تكتبه المرأة في تمييز غير منصف، ولعل الذي أطلقه لا يفهم مدلولاته، ولا حتى تاريخ ظهوره.
نشأت هذه التسمية في الغرب إبان حركة تحرير المرأة من سيطرة البطريركية التي يفرضها الرجل في جميع مجالات الحياة على المرأة، والتي رافقها ظهور العديد من الكاتبات اللواتي أحدثن ثورة فيما يتعلق بالأدب النسوي أو الكتابة عن وضع المرأة خلال تلك الفترة واللاتي تطرقن إلى موضوعات عن المرأة الأم والابنة والزوجة مستعملات قدرة تعبير منحت صوتاً جديداً لتجربة مباشرة وحميمية، نادراً ما تم بلوغها في الإنتاج الأدبي، والمطالبة بارتقائها جنباً إلى جنب مع الرجل. وبعد أن انتقلت هذه التسمية إلى الثقافة العربية، رافقها سوء فهم، وأطلقت على كل ما تنتجه المرأة في حقل الكتابة، في محاولة من الرجل لإبقاء الهيمنة الذكورية، وليكرس بدوره نظرية (المحمية الأدبية): واحدة له، والأخرى الأقل شأناً للمرأة. ويسانده في ذلك المجتمع الذي حجب صوتها تحت غطاء العيب والممنوع والتدين، وأعطى الفسحة للرجل كي يتفوق في كل المجالات. وحين أرادت المرأة استدراك ما فاتها، مارس عليها الرجل الدور مجدداً خوفاً على إرثه الذكوري الثقافي من جهة، ولكي تبقى ملامح سيرته في كامل خصوصيتها من جهة أخرى.
يرى المنادون بهذه التسمية أن ذلك نتيجةً لتضخم الأنا الأنثوية في كتابة المرأة، وأنها تدور في شكل مونولوج داخلي يقطع أي حوار محتمل مع الرجل، وأن احتلال هذا الطابع مساحة واسعة فيما تكتبه أدى لهذه الصورة النمطية السلبية. ويرون أيضاً أن تركيز نشاط المرأة الأدبي في الكتابة حول معاناتها والاضطهاد الذي يمارسه الذكر والمجتمع عليها، أعطى ثيمة محددة وصورة ثابتة عن كل ما تكتبه، بأنه لا يخرج عن إطار المعاريض والتظلمات والرغبة في الانعتاق من سيطرة الرجل على حياتها، معتبرين أن ذلك لا يمكن تسميته إبداعاً، بل مجرد تفريغ لكبت أو صراخ وثرثرة فارغة. إن هذه الرؤية الذكورية للمرأة سواء كاتبة أو مكتوباً عنها منطلقة من هاجس الرجل الذي ينادي بإخضاع شخصية المرأة وتهميشها وتشييئيها في كل كتاباته، بحجة أن الكتابة حقل ذكوري خالص، وأن الاستثناءات نادرة جداً ولا تكاد تبين، وأن ما ينتج منها لا يعدو كونه يخرج من معطف الرجل، في إشارة إلى أن بعض الكاتبات يكتب لهن رجال، لأن المرأة لا تستطيع إنتاج أدب ينافس أدب الرجل.
 إن من يحاول تبرير شرعية هذه التسمية على اعتبار أن المرأة عالم خاص له جوانبه المغلقة والعصية على الرجل، هو بذلك يتجاهل أو يتناسى أن هناك من الكتّاب الذكور من أبدع أيما إبداع في الكتابة عن المرأة وعن عالمها وفي أدق خصوصياتها ومشاعرها، وعلى سبيل المثال لا الحصر الكاتب الإيطالي (إلبرتو مورافيا)، تماماً مثلما برعت المرأة أيضاً في الكتابة عن عالم الرجل مثل أحلام مستغانمي وغادة السمان التي تجاوزت في إبداعها الكثير من المبدعين الذكور.
لقد مرت الكتابة لدى المرأة بمراحل مختلفة، وكانت بدايتها الفعلية كما يشير الباحثون مع بداية النهضة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وهي وإن كانت قد اتخذت شكل التطور البطيء، إلا أنها تجاوزت مرحلة التفريغ، وبلغت مرحلة الفاعلية والتأثير، وصارت أكثر جرأة من الرجل وأكثر إثارة للجدل، وفي الوصول إلى أكثر الأماكن التي كان مسكوتاً عنها ولا يكتب حولها، وبات الرجل يخشى المنافسة في اعتراف منه بهذا التطور الكبير، ولعله اكتشف أن الحبر الذي يغذي قلمها، ليس حبراً ذا لون وردي. استطاعت المرأة أن تهدم الجدار العالي الذي بناه الرجل، وأحاطها به من جهاتها الأربع، وبلغت قمة الجبل الذي سبقها هو إليه، وقد تتجاوزه في ذلك لأنها تدرك ربما أكثر من الرجل أننا بحاجة إلى صناعة ثقافة ومعرفة راسخة بعيداً عن التسميات والمصطلحات العنصرية؛ إذ لا يمكن اختزال المرأة في الكتابة عن عالمها، وما يخصها فقط؛ فهي قادرة كما الرجل على أن تكون مبدعة، فلا جنوسة في الإبداع، والموهبة لا هوية محددة لها، ونحن لا نستطيع أن نلغي حقيقة الفوارق بين الرجل والمرأة، لكننا نتساءل إلى متى ستبقى هذه الإشكالية والخلاف حول مصطلح الكتابة الأنثوية، وهل يمكن أن يقابلها مصطلح الكتابة الذكورية!
وتقول القاصة هناء حجازي: مصطلح الكتابة النسوية أو الأدب النسوي مصطلح يتكرر الحديث فيه ويتم النقاش حوله من فترة لفترة من مدة طويلة، ويظل هناك من يرفضه وهناك من يتقبله وينحاز له وهناك من يدافع عنه ويتبناه ويقصي كل من يختلف حوله.
بالنسبة لي لا أحاول الدخول في مسألة القبول أو الرفض ولا أتهم من ترفضه من الكاتبات بالتخلي عن أنوثتها والخضوع لعالم الرجل كما لا أقبله كمصطلح يحاول التمييز في الأدب بين الرجال والنساء وحصر المرأة الكاتبة في عالم الكتابة النسوية والتعبير عن قضاياها كأنها معزولة عن عالم الرجل بحيث تصبح المسألة كأن المرأة الكاتبة تكتب في ساحة معركة بينها وبين الرجل.. أتفق مع المصطلح في مسألة واحدة هي مسألة اللغة وتميز الكاتبة المرأة في طريقة الكتابة بلغة تختلف عن لغة الرجل.
المرأة الكاتبة لديها حساسية مختلفة في مقاربة اللغة. تستطيع وأنت تقرأ كتاباً لا تعرف جنس كاتبه أن تستشعر أن كاتبته أنثى. لدى النساء هذا الحس العالي تجاه التفاصيل الصغيرة التي تغزلها داخل نصها وتشكل من خلالها عالمها. وهي مسألة بديهية لأن المرأة في الحياة هي التي تهتم بالتفاصيل الصغيرة وهي التي تصنع الحياة من خلال هذه التفاصيل. المثل القوي الذي يحضرني دائماً وأنا أتكلم عن هذه اللغة النسوية هي روايات حنان الشيخ والتي استشعرتها منذ قراءتي لرواياتها العظيمة بريد بيروت وحتى حكايتي شرح يطول.
البساطة في الحكي ودمج اليوميات والتقاط اللحظات الحميمة في الحياة بطريقة تختلف بشكل كبير عن الطريقة التي يحكي فيها الرجل كل هذا يجعلني أقر أن كتابة المرأة تختلف عن كتابة الرجل.
بعد أن قلت ذلك أعود لأؤكد أنني أختلف مع مصطلح الكتابة النسوية كحركة تحاول أن تفصل المرأة الكاتبة عن مسيرة الكتابة العامة وتضعها في تصنيف خاص بها يسمى الكتابة النسوية من باب دعم المرأة وإبراز قضاياها. دعم المرأة وإبراز قضاياها يتم بشكل أقوى إذا كتبت المرأة إبداعها ضمن النسيج العام للأدب بدون تصنيف. من الطبيعي أن تكتب المرأة عن قضاياها حين تكتب، لا يأتي ذلك من خلال إجبار المرأة الكاتبة على تبني موقف الكتابة النسوية وحصرها ضمن هذا الإطار. إنما يأتي من خلال ترك الحرية لها لتقول ما لديها كمبدعة. والمبدع الأكثر وصولاًَ هو المبدع الصادق، ومن الطبيعي أن تكون المرأة أكثر صدقاً حين تتحدث عما تراه وتعيشه. لذلك أنا أؤمن أن المرأة تكتب بطريقة مختلفة عن الرجل، لكن لا أؤمن أنها يجب أن تجعل من ذلك قضية.
ذو صلة