هل من العدل أن نصنف كتابة المقال حسب النوع، فنقول المقال النسائي مقابل المقال الرجالي؟. وهل المرأة حينما تكتب تنشغل فعلاً بما هو (شأن عام)؟ ولماذا لدينا صورة ذهنية عن أن المرأة غالباً ما تكتب عن شؤون الطهي وحضانة الأطفال وتنسى قضايا كبرى تهم المجتمع كله، أو قضايا مهمة تخص المرأة كالعنف ضد المرأة. في مقابل هذه الصورة الذهنية، التي تزداد تأكيداً بعد ملاحظة أن المقال النسائي لم ينمُ بشكل مرضٍ بعد أن لمعت أسماء رائدة، مثل: لبيبة هاشم وأمينة السعيد وغيرهما، لم يستطع تاريخ الصحافة المصرية إغفال عدد من السيدات الرائدات اللاتي أثرن في الكتابة الصحفية.
الدكتور رامي عطا الأستاذ المساعد في تاريخ الصحافة بجامعة القاهرة أكد أن المرأة عملت في الصحافة، كواحد من أبرز مجالات النشاط الثقافي والفكري، وذلك منذ وقت مبكر من معرفة مصر بالصحافة، ويشير مؤرخو الصحافة المصرية إلى أن أول سيدة عملت بالصحافة هي السيدة جليلة تمرهان، والتي كانت تعمل قابلة (داية)، وقد درست في مدرسة المولدات التي أنشأها محمد علي باشا في ثلاثينات القرن التاسع عشر، حيث كانت تمرهان تكتب مقالات ونصائح طبية في مجلة (يعسوب الطب) التي صدرت بأمر إسماعيل باشا (1863- 1879م) سنة 1865م، وهي تُعد أول مجلة طبيبة عرفتها مصر.
وقد شهدت فترة التسعينيات من القرن التاسع عشر صدور عدد من المجلات النسائية التي اهتمت بجمهور النساء، وعملت على ترقية الفتاة المصرية وتحريرها والنهوض بحالها. حيث اهتمت تلك الصحف (المجلات) النسائية بنشر ما يساعد على ترقية المرأة من خلال تقديم نصائح بيتية والتأكيد على أهمية تعليم المرأة وأن المرأة هي أساس الأسرة وهي المسؤولة عن رعاية وتربية الأطفال. كما اهتمت بالتأكيد على مكانة المرأة ودورها في المجتمع، وإن ركزت تلك الكتابات والآراء، في الأغلب الأعم وبشكل أساسي خلال النصف الأول من القرن العشرين، على دور المرأة كأم، يقع عليها الدور الرئيسي في تربية الأطفال وبناء الرجال وصناعة الأجيال الجديدة، إلى جانب التأكيد على أن المرأة خُلقت لتكون أماً وأن الأمومة هي المهمة الأولى التي خُلقت لها.
وذكر عطا أن أول مجلة نسائية تعرفها مصر كانت مجلة (الفتاة) لصاحبتها السيدة هند نوفل، وكانت لبنانية الأصل رحلت إلى مصر واستقرت في مدينة الإسكندرية، وهناك أصدرت مجلتها (الفتاة) سنة 1892م. ومن بعدها صدرت مجموعة من الصحف النسائية. ومن ذلك مثلاً أنه صدرت مجلة (الفردوس) بمدينة القاهرة لصاحبتها السيدة لويزا حبالين سنة 1896.
وكانت أول مجلة نسائية تصدرها سيدة مصرية هي مجلة (الريحانة) لصاحبتها ومحررتها السيدة جميلة حافظ التي أصدرتها في مدينة حلوان سنة 1907. ومن بعدها صدرت مجلة (الجنس اللطيف) في القاهرة لصاحبتها السيدة ملكة سعد سنة 1908. وصدرت مجموعة أخرى من الصحف النسائية منها مثلاً مجلة (المرأة المصرية) لصاحبتها السيدة بلسم عبد الملك، وهي سيدة يصفها البعض بأنها صحفية ولدت في أحضان ثورة 1919م حيث أصدرت مجلتها في القاهرة سنة 1920، وكانت تشارك في المظاهرات والخطب التي تؤكد حق مصر في الاستقلال.
ومن بين أبرز السيدات اللائي عملن بالصحافة يبرز اسم السيدة روز اليوسف، فاطمة اليوسف، وهي فنانة مسرحية أصدرت مجلة تحمل اسمها سنة 1925، كما أصدرت جريدة (روز اليوسف) التي لم تستمر طويلاً، وقد بدأت روز اليوسف حياتها الصحفية تؤيد حزب الوفد وتدعو له ثم صارت تعارضه. كما يبرز اسم السيدة منيرة ثابت، المعروفة باسم الثائرة حسب وصف البعض لها، حيث أصدرت صحيفة (الأمل) سنة 1925، وكانت صحيفة سياسية اجتماعية نسائية. وأصدرت السيدة هدى شعراوي مجلة باللغة الفرنسية عام 1925، كما أصدرت مجلتها (المصرية) سنة 1937.
وليس هذا فحسب بل لقد عرفت الصحافة المصرية –وفقاً لرامي عطا الباحث المتخصص في تاريخ الصحافة المصرية تحديداً- سيدات كثيرات لم يصدرن صحفاً خاصة بهن لكنهن اهتممن بالكتابة في عدد من الصحف، في الموضوعات والقضايا الاجتماعية على نحو رئيسي. بعضهن كتبن بأسماء مستعارة أو بالأحرف الأولى من أسمائهن وبعضهن صرحن بأسمائهن دون مواربة.
وفي النصف الثاني من القرن العشرين تبرز أسماء صحفيات كان لهن دور كبير في النشاط الصحفي منهن على سبيل المثال لا الحصر: أمينة السعيد، أمينة شفيق، أمينة النقاش، فريدة النقاش، فريدة الشوباشى، سكينة فؤاد، آمال العمدة، صافي ناز كاظم، وأخريات كثيرات يشاركن في مناقشة كافة قضايا المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وقال عطا إن أمينة السعيد (20 مايو 1910 - 13 أغسطس 1995)، كاتبة مصرية معروفة، تولت عدداً من الوظائف، منها رئاسة تحرير مجلة حواء والمصور ورئاسة مجلس إدارة دار الهلال عام 1976، وأصبحت عضواً في مجلس الشورى، وانتخبت أكثر من مرة عضواً بمجلس نقابة الصحفيين، ثم وكيلة للنقابة والسكرتيرة العامة للاتحاد النسائي.
أما الكاتبة الأشهر صافي ناز كاظم فقد حصلت على ليسانس آداب قسم صحافة من جامعة القاهرة 1959 ثم سافرت إلى أمريكا عام 1960م، حيث حصلت على الماجستير في النقد المسرحي من جامعة نيويورك في يونيو 1966، وعادت إلى مصر في العام ذاته. ثم دخلت أخبار اليوم صحفية تحت التمرين في نوفمبر 1955 وهي طالبة في كلية الآداب قسم صحافة، جامعة القاهرة، وعملت بقسم الأبحاث، ومجلة آخر ساعة، ومجلة الجيل الجديد، ثم انتقلت إلى دار الهلال ناقدة مسرحية وكاتبة بمجلة المصور، مجلة الهلال والكواكب. وبدأت في صيف 1959 بعد التخرج في الجامعة مباشرة قي شهر مايو بإجراء مغامرة صحفية حيث قامت بجولة في سبع دول أجنبية مع شقيقتها بطريقة الأوتوستوب ولم يكن معها إلا عشرون جنيهاً فقط، واستغرقت تجربتها سبعين يوماً زارت خلالها لبنان واليونان، إيطاليا، ألمانيا وفرنسا، وكتبت تجربتها المثيرة في حلقات نشرت في مجلة (الجيل) وقدمها الكاتب الراحل موسى صبري بأنها (أجرأ مغامرة صحفية عام 1959). منعت من النشر في مصر في أغسطس 1971 وفصلت من دار الهلال في 11 نوفمبر 1979 بسبب معارضتها لاتفاقية كامب ديفيد، واستمر منعها من النشر وفصلها من العمل حتى 25 مارس 1983.
وأشار عطا إلى أن الصحف النسائية التي صدرت في مصر قد اهتمت، وعلى نحو رئيسي، بمناقشة قضية تحرير المرأة المصرية وترقيتها، من خلال مناقشتها لمجموعة من القضايا الفرعية التي تتعلق بتلك القضية، ومنها: مكانة المرأة ودورها في المجتمع، وتعليم المرأة، وعمل المرأة، ومعركة السفور والحجاب، والمساواة بين المرأة والرجل، والحقوق السياسية للمرأة. وإن اختلف موقف تلك الصحف من تلك القضايا، إلا أنه كان هناك اتفاق عام على تأكيد مكانة المرأة ودورها في المجتمع.
وتجدر الإشارة إلى أنه في النصف الثاني من القرن العشرين أخذت المرأة مساحة كبيرة من الكتابة والتعبير عن الرأي والتأكيد على حرية المرأة وحقوقها وواجباتها. وصار منهن قيادات صحفية نقابية لهن شأن واضح.
وتختلف مع طرح د.رامي عطا الدكتورة منى أبو سنة الكاتبة الصحفية وأستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس قائلة: «بالطبع، هناك مشاهير ورائدات للمقالات النسائية أمثال أمينة السعيد، وهناك محترفات للكتابة الصحفية يأتين بعد هؤلاء الرواد، أمثال صافيناز كاظم وأمينة شفيق وسكينة فؤاد وسناء البيسي، ولكن الخط البياني يهبط إلى أسفل، كأي شيء في المجتمع، فلا يوجد وعي بقضية محورية للدفاع عنها، مثل تحرير المرأة ودورها في المجتمع. ولا يوجد انتعاش للمقالات النسائية، ولا نستطيع القول إن هناك تياراً نسائياً، وبالتالي لا يوجد أي تأثير يذكر تمثله المقالات النسائية، التي هي في النهاية عبارة عن عزف منفرد يعود إلى صاحبته».
وأضافت أبو سنة: «أهتم بقضية تشغلني منذ مقالاتي الأولى في أواخر سبعينات القرن الماضي، وهي قضية التنوير وتأسيس (التفكير النسبي). وأصدرت كتاباً بعنوان (نقد عقل المرأة) بينت فيه أن عدم تحرر عقل المرأة يؤثر بالضرورة على عقل الرجل؛ لأنها صاحبة التأثير الأكبر عليه وعلى المجتمع ككل».
أما الدكتورة بسمة عبدالعزيز الطبيبة النفسية والكاتبة الصحفية وصاحبة الكتاب الذي أثار جدلاً واسعاً (إغراء السلطة المطلقة) وهو عن توتر العلاقة بين الشرطة والمصريين، فأكدت أنه لا يستقيم أن نفرق، قائلين: «مقال نسائي وآخر رجالي»؛ لأن الصحافة تهتم بالشأن العام، على عكس الكتابة الأدبية من روايات وشعر التي تهتم بالصوت النسائي واهتماماته. وأرى أن الهم النسائي جزء من الهم العام، بل هي قضايا إنسانية في المقام الأول، وقالت: «إن هناك صورة ذهنية أن الكاتبة السيدة لا تهتم بما هو خارج اهتمامات المرأة، وهذا بالطبع لا يفيد ما تكتبه، فيبتعد عنها القراء». وتساءلت: ماذا تنفع كاتبة إذا أكدت هذه الصورة الذهنية وزادتها تأكيداً. وعن مقالها الأسبوعي الذي تكتبه بجريدة الشروق المصرية قالت: «أهتم بقضايا المرأة في إطار أنها جزء من الهم العام. وإذا نظرنا إلى مقالاتي فهي لا تتحدث عن قضايا المرأة صراحة، وإنما تتناول قضايا تتعلق بحركة المجتمع والسلوكيات. أهتم بالتحليل على حساب التعليق السريع على الأحداث الجارية».
وعن تعليقها على كتّاب المقالات الصحفية -ومنها المقالات النسائية- حول تعليقها السريع على الأحداث الجارية وعدم اهتمامها بقضايا محورية تدافع عنها أجابت بسمة: «هذا صحيح. ولكن لا ننسى أن الأحداث متسارعة جداً، لا يمكن معها التقاط الأنفاس، وهذا ينعكس بالطبع على مستوى جودة كتابة المقال. وهناك مقالات لكاتبات مثل الكاتبة نوال السعداوي، يندر معها الخروج على قضيتها الأساسية. فلا نلاحظ أن السعداوي تكتب عن الأحداث الجارية إلا في سياق ما يخدم قضيتها الأساسية وهي تحرير المرأة. وعن مقالاتي لا أحبذ مطلقاً الكتابة السطحية، إنما أهتم بالتحليل لما يحدث».
الكاتبة الصحفية الدكتورة ليلى فريد المقيمة في بريطانيا والتي تميل في كتابتها إلى الاهتمام بالأدب قالت : «بداية، فإن تصنيف المقال إلى نسائي ورجالي هو تصنيف مصطنع؛ فالمقال عندي إما معدوم اللون والطعم والرائحة، أو له نكهة تدل على صاحبه رجلاً كان أو امرأة. فهل نحتاج مثلاً لتوقيع محمد حسنين هيكل أو سناء البيسي على مقال لكي نستطيع تمييز أسلوبهما المتفرد ومذاقهما الخاص؟!».
وعن الموضوعات التي تتناولها مقالات النساء أشارت ليلى فريد إلى أنه «لم يعد هناك ما يسمى باهتمامات المرأة التي تكاد تقتصر على الشؤون الأسرية والتجميلية. المرأة حالياً تحتل مراكز مرموقة في المجالات الحقوقية والعلمية والأدبية والفنية والسياسية والاقتصادية وغيرها. فما الذي يمنعها من كتابة مقال قيم في أي من هذه المجالات- حتى لو لم تكن كاتبة محترفة؟! بل إن الأفق قد صار أكثر اتساعاً للكاتبات عن الكتّاب؛ فهن قد اقتحمن كل مجالات كتابة المقال، ومازلن يدلين بدلوهن في الموضوعات التي يتحرج الرجال من الاقتراب منها؛ مثل طبق اليوم وموضة الخريف وجمال البشرة. ومع ذلك فإن هناك قضايا معينة أشعر أن الكاتبات بإمكانهن تناولها بدرجة أفضل من الرجال؛ من حيث التفهم والحساسية. على سبيل المثال: القمع الأسري والمجتمعي للنساء، قضايا الطلاق وحضانة الأطفال».
وعن الكاتبات اللاتي تقرأ لهن؛ أوضحت فريد: «من ناحية الأسلوب، أستمتع بمقالات الأستاذة سناء البيسي؛ إن كنت أتحفظ على بعض من محتواها. أما الرائدات المعاصرات من أمثال د.هالة مصطفى، الأستاذة إقبال بركة، والأستاذة سكينة فؤاد؛ فقد حافظن على سلامة اللغة، بالإضافة إلى جودة المضمون. ولكن ما أتابعه باهتمام -في هذه المرحلة بالذات- هو مقالات عدد لا يحصى من الشابات اللاتي تحدين كافة المحاذير، وكسرن كل القيود؛ حتى قيود قواعد النحو والإملاء، وانطلقن يعبرن عن أنفسهن بشجاعة وصراحة وصدق».