مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

(امـرأة تبحـث عـن كـل شـيء..) : من نماذج الإبداع النسائي

لعل إليزابيث جيلبرت هي إحدى الكاتبات التي أبحرتُ في قراءة كتابها الأكثر مبيعاً في العالم (طعام.. صلاة.. حب.. امرأة تبحث عن كل شيء..) والذي ترجمته الدار العربية للعلوم. وقد كان رفيقي لشهر كامل, تفاعلت مع سيرتها التي أوردتها في رواية هادفة ذات أسلوب مشوق, وقد صحبتنا معها إلى بلاد البيتزا إيطاليا.. ثم إلى بلاد التأمل واليوغا الهند.. فإندونيسيا بطبيعتها الساحرة.. ثم تظل الكاتبة غير بعيدة من أمريكا موطنها الأصلي الذي لا تلبث أن تذكرنا ببعض ذكرياتها فيه بين الحين والآخر.
بصوت أنثوي صادق حضر جلياً من خلال النبش عميقاً في سيرة الكاتبة وذاتها التي كانت طوال الرواية صادقة أمام قارئها الذي أكاد أزمع تماماً أنه إلى جانب ثقافة البلدان التي قدمتها إليزابيث وصور مختلفة منها فإنها قدمت طريقاً ناجحاً للحياة ونضالاً شرساً قاومت من خلاله ألم ذاكرتها وتجاوزت ضعف الأنثى الحبيبة لتتحول إلى امرأة راشدة من خلال صبرها وقدرتها على تجاوز محنتها وطلاقها ثم انفصالها عن صديقها ديفيد الذي كانت تظن أنه حب حياتها الذي ما لبثت أن تجاوزت حدود تفكيرها الضيق حالما وجدت مكاناً تبيـّت فيه أفكارها القديمة ومشاعرها.
جوهر كتابها حول رغبتها في أداء الطقوس الروحانية وعادة ما ينجذب إليها البشر لإيجاد مكان آمن ترتاح فيه أحاسيسهم الأكثر تعقيداً للفرح أو الحزن، لكي لا يجرونها معهم للأبد ويثقلون كاهلهم بها، ففي النهاية كل شيء يمضي. وقد كانت التمارين الروحية التي مارستها هي السبيل للتغلب على أفكارها السلبية التي نصحها زميلها ريتشارد في المعتزل في الهند أن تتعلم كيف تختار أفكارها تماماً كما تختار ملابسها كل يوم، كي تستطيع أن تسيطر على حياتها, ثم كان هو السر في أن تتجاوز وهم ارتباطها الأبدي بمن كانت تحب, حيث أقنعها بأن حبها لديفيد ليس سوى البداية فقد تذوقت الحب وحسب، ولم يكن إلا حباً دنيوياً محدوداً، فقد كان عليها أن تنتظر لترى كم يمكنها أن تحب أعمق من ذلك فلديها القدرة لحب العالم بأسره ذات يوم.
إذاً في كتابتها.. في تجاوز محنتها.. في علاجها الروحي كان اعتماد إليزابيث على رجل في كل مرحلة تقر بفضله وبدوره في حياتها بعد أن كان السؤال الذي يخالجها هو هل تستطيع التصرف برصانة أمها في زواجها؟ أن تكون مستقلة وقوية ومكتفية ذاتياً، وقادرة على البقاء دون جرعات من الرومانسية أو الغزل كانت تفتقد إليها في أحايين كثيرة في حياتها من زوج هو مزارع يشكل حالة غريبة كما وصفه أحد أصدقاء إليزابيث التي كانت ترى أمامها أماً تتلقى حب زوجها وحنانه كلما فكر في منحه, وتضطر للابتعاد جانباً للعناية بنفسها كلما انعزل هذا الزوج إلى عالم النسيان والغفلة الخاص به. وقد كبرت الكاتبة كما تقول وهي ترى أماً لم تطلب شيئاً من أحد، مما جعلها تطرح السؤال على نفسها: هل تستطيع أن تنهج نهج أمها في العزلة لفترات قد تكتفي بذاتها وعلى البقاء بدون جرعات رومانسية أو غزل؟
كون الكاتبة بقيت وحيدة لفترة من الزمن انشغلت بعزلتها وتأملها كانت تخاطب نفسها: كوني وحيدة.. تعرفي إلى طريقتك في الوحدة، ضعي لها خريطة، جالسي الوحدة لمرة واحدة في حياتك، عيشي هذه التجربة الإنسانية دون أن تستعملي جسد أو مشاعر شخص آخر كلوح تعلقين عليه كل احتياجاتك.
من الواضح في هذا الخطاب النفسي أن هناك صراعاً في نفس المرأة مع ذاتها حول العيش بدون رجل, ويظهر هذا من خلال تعزيتها لنفسها وإن دل إنما يدلنا على الحاجة الماسة في هذه الحياة لهذا الثنائي.. المرأة والرجل. وقد أبدعت الكاتبة في وصف هذه الحاجة بشفافية وصدق دون أن ينقص من قيمتها الإنسانية أو الأدبية.
في روما حيث المحطة الأولى لإليزابيث تغرق في ملذات الطعام والحفلات وأكل البيتزا والحلوى ولا تأبه لوزنها الزائد لأن جسدها طمأنها بأنه سيعود إلى حجمه الطبيعي في فترة لاحقة وكأنه يعطيها الإشارة أن في الطعام السلوى ونسيان ما أصابها، في الهند محطة للتأمل والسكون والصمت والتسامح ومساعدة الآخرين وملازمة المعابد، ثم المحطة الأخيرة في بالي بإندونيسيا تلتقي عرافاً يقودها للسلام وحب حياتها، حيث تعثر ذات حفل راقص على الرجل الذي تقرر الارتباط به طوال حياتها، فقد تحول فيليب إلى فلك يدور من حولها، يجعلها محوراً له ويكون فارسها بحق، فهو يحتاج لوجود امرأة في حياته، ليس لتعتني به، بل ليكرس نفسه لها، وبينما كانت إليزابيث تشعر بالقلق والحيرة كان الشريك القادم يشعر بها شعوره تجاه أولاده وهم صغار، بأنهم غير مجبرين على حبه ولكن واجبه أن يحبهم، لذلك قرر أن يحبها بجنون ويعتني بها.
في هذه الرواية الروحانية تتحفنا إليزابيث جيلبريت بقلم نسائي استطاع أن يكون له نمط خاص بصاحبته حيث (امرأة تبحث عن كل شيء) هي سيرة ذاتية لا يخجلها أن تسلط فيها الضوء على أدق التفاصيل التي يمكن لكتاب وكاتبات أن يبتعدوا عن البوح بها، تقول إليزابيث: إنني محظوظة لأن لديّ موهبة الكتابة، فهذا أمر قد يفهمه الناس. فقد تخلت عن زواجها لتكرس نفسها لفنها، هذا صحيح لحد ما ولكن ليس تماماً، فكثير من الكاتبات لهن عائلات: طوني موريسون مثلاً شقت طريقها الخاص بها. ويجدر بي أن أشق طريقي؛ يقول الباغافاد غيتا وهو كتاب هندي يوغاني قديم، إنه من الأفضل أن تعيش قدرك ناقصاً من أن تعيش تقليداً لحياة رائعة لشخص واحد، وقد بدأت أعيش حياتي، ومهما بدت مشوبة بالنواقص وخرقاء إلا أنها صارت تشبهني.
في الرواية 36 حكاية عن السعي إلى السعادة الداخلية التي بلغتها الروائية، بدأتها بتجربة زواج فاشلة وطلاق طويل ومدمر أعقبه سفر دائم ناشدت فيه الشفاء والسلام اللذين لا يأتيان إلا من الوحدة، وفي هذا المشهد يتبين لنا الاختلاف الثقافي بيننا وبين مجتمع الكاتبة الذي يعطيها حرية الاختيار والقرار بإيقاف نزيف حياتها بالطلاق بينما ربما في مجتمعاتنا العربية يعتبر هذا أمر مشين حيث يتجه ألف وألف أصبع اتهام للمرأة المطلقة بإدانة لموقفها ويحكم عليها بالموت البطيء في حياة زوجية أشبه بالانتحار وبدلاً من معاملتها كإنسانة يحق لها أن تتألم وتصرخ من ألمها وتقرر مصيرها فهي لا بد وتتكتم على مصيبتها.
في الأدب بوح ورسالة يقدمها الكاتب لمجتمعه، هو يضع يده على موقع الألم ويترك الجرح مفتوحاً لكي يصيح صاحبه ألماً ومن ثم يتنبه الآخرون له، والمرأة أفلحت في الكثير في كتاباتها في التعبير عن ألمها وقضاياها الخاصة والعامة، وسوف أتجاهل أولئك النساء اللاتي ما كانت أصواتهن إلا لإثارة الزوابع والقفز عن أسوار شائكة لا يستعرضن حقيقة ما خلفها بل لمجرد الظهور والشهرة.
ذو صلة