مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

العاهل.. والفنان.. والتسول.. وكتاب مسوجر

كتاب مسُوجر
يعتقد بعض الناس أن كلمة (مسوجر) كلمة عامية، وأنها تستخدم للتعبير عن إحكام الغلق في الجوابات، بحيث تطمئن إلى أنك أول من يفتح هذا المظروف.
الكلمة عربية صحيحة لا غبار عليها، فأصلها مأخوذ من (سوجرت الكلب) أي طوقته بالساجور وهو القيد الذي يوضع حول عنقه، والجمع سواجير، و(سجَرَه) أي شدَّه كسَوْجَرَه، كما يذكر صاحب القاموس، فإذا قلنا: (كتاب مسوجر) كان المعنى أنه مقيد مغلول، وهو كذلك عن طريق ختم البريد الذي يوضع عليه والطوابع وإثباته في الدفاتر، وتسليمه إليك بعد توقعيك.. فكل هذه أمور تجعل الرسالة التي تأتيك مقيدة مغلولة، وإذا لم تجد الختم أو الطابع لم تتسلمه.
إذن الكلمة صحيحة في هذا الاستخدام ولو مجازاً، لأن فعلها (سَوجَر) أي شدَّه على وزن (جرجَر)، والشد هنا بمعنى التقوية كما في قوله تعالى: (سنشد عضدك بأخيك)، أي كل الإجراءات التي تتخذها هيئة البريد من ختم وطابع وإثبات ما هي إلا للتقوية والإيثاق لتطمئن أنه وصل إليك دون أن يمسه أحد قبلك، وكما أراده من أرسله إليك، كما يقول صاحب (أزاهير الفصحى في دقائق اللغة) عباس أبو السعود، ولكن في عاميتنا ننطقها بضم السين، هكذا (مُسُوجَر) والصواب فتحها (مُسَوْجَر).
التسوُّل
ذكر الأستاذ عباس أبو السعود أن كلمة (التسوَّل) لم ترد عن العرب بالمعنى المعروف وهو طلب المساعدة.
فالتسويل معناه التزيين، يقال سولت له نفسه أمراً إذا زينته له، ومنه (وسولت له نفسه قتل أخيه). والسؤل والسؤلة، ويترك همزتهما: ما يسأله الإنسان، ومنه (أوتيت سؤلك يا موسى)، وكذا يتساءلون ويتساولون، أي يسأل بعضهم بعضاً.
من ثم لا يجوز أن يقال تسول، ولا التسول ولا المتسولون، ونستخدم بدلاً منها: تكفف، والتكفف، والمتكففون، وتكفف الرجل الناس أو استكفهم بمعنى مد كفه إليهم بالمسألة.
أو يقال: شحذ، والشحذ، والشحاذ، وهو الإلحاح في السؤال.
أو يقال: المجتدون، لأن المجتدى هو طالب الجدوى وهو العطية.
الفنان
أول من وضع كلمة (فنان) بالمعنى المعروف هو أحمد حسن الزيات، وذلك عندما ترجم (آلام فرتر) لجوته سنة 1920، لتقابل كلمة (أرتست)، وكتب الله الذيوع لها على يديه، واعترض بعض الأدباء ورأوا أن يستخدموا بدلاً منها كلمة (المِفَن)، لأن الفنان هو حمار الوحش، ولا توجد علاقة بين صاحب الفن وهذا الحمار، وبرر الزيات استخدامه للفنان بأنه أخذها من قول العرب: (فنَّ الشيء إذا حسَّنه وزيَّنه)، فهي صيغة من صيغ النسب كنجَّار وبنَّاء.. وقد أقرها المجمع.
العاهل
معنى (العاهل) كما ورد في المعجمات: (الملك الأعظم الذي يحكم شعوباً مختلفة كالخليفة والإمبراطور) والجمع عواهل، لكن الأب (أنستاس ماري الكرملي) له رأى آخر، والأب (أنستاس) هو واحد من الأعضاء المؤسسين لمجمع اللغة العربية لو صح هذا التعبير، إذ كان عضواً منذ إنشائه.
ورغم أن أسرته من لبنان، فإنه ولد ببغداد سنة 1866 لانتقال والده إليها، وله تصانيف كثيرة، منها: نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها، أغلاط اللغويين الأقدمين، خلاصة تاريخ العراق، أديان العرب، وغيرها، توفي سنة 1947.
ومن كلامه حول كلمة (العاهل)، أن العاهل لم يذكر لها جمع في معاجم لسان الضاد لا كبيرها ولا صغيرها، أما الأقدمون إذا أرادوا جمع العاهل قالوا: العباهلة، وفي ذلك سر هو أن العاهل كانت تلفظ بالإمالة أي العيهل، وهو الذكر من الإبل أو الناقة السريعة والنجيبة الشديدة، والعيهل إذا وردت في كتب العرب بمعنى العاهل فهي محولة عن العبهل، وهي الأصل في أول وضعها.
وأصل العبهل أنها منحوتة من (عبء) أي ضوء، و(هل) قصر (هالة) وهي الدائرة حول القمر أو القمر نفسه أو على الأصح (الشمس)، ومن ثم يكون معنى العبهل (ضياء الشمس)، وهو لقب من الألقاب التي كان يخلعها الأقدمون في الشرق على ملوكهم العتاة الجبابرة خوفاً منهم وإعظاماً لقدرهم، ومن ذلك ألقابهم: بهاء الله، وضياء الله، وسيف الله، وصمصام الدين، وشمس الدين، وحسام الدين.. إلى غيرها من الأسماء والألقاب الضخمة التي لا يرى أمثالها في ديار الغرب إلا عند الأقدمين من اليونانيين الذي احتكوا بالمشارقة.
يرى الأب (أنستاس) أن (العبهل)، يقابل اليوم ما يسميه الإفرنج بـ(الأنبرادور) أو (الأنبراطور) بنونين في كليهما، أو كما يكتبه بعضهم خطأ (الأمبراطور)، بميم قبل الباء الموحدة، والعرب لم تفعل ذلك، بل تجعل دائماً النون قبل الباء، كما في عنبر وقنبر وصنبور وطنبور إلى غيرها.
فـ(العبهل) يدل على الجبروت والطغيان والغرور مثل (قيصر) الذي يعني الطاغية أو الدكتاتور، ولهذا المعنى لم يستخدم مؤرخو الإسلام وكتبتهم الكلمة (عاهل) للخليفة ولا عبهل ولا عيهل ولا عيهلة إجلالاً لمقام الخليفة.
يعني الأب (أنستاس) رد أصل (العاهل) إلى (العيهل) التي كانت في أصلها الأول (العبهل) وهو لقب كان يطلق على العتاة والجبابرة مثلها مثل (قيصر) و(فرعون) و(كسرى)، وفي ضوء هذا لم يذكرها المؤرخون من المسلمين ولم يخلعوها على الخلفاء المسلمين لما لها من معنى لا يليق بمقام الخليفة.
وإذا أردنا جمع (العاهل) فإنها تجمع على أصلها الأول (العبهل) فيكون جمعها (العباهلة)، أما عواهل فلم يسمع عن العرب، رغم أن مجمع اللغة أجاز جمعها على عواهل.

ذو صلة