مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

أزمة مثقف أم ثقافة؟

عندما أقرأ لبعض المثقفين تذمرهم عن واقع الثقافة اليوم، إذ يقول أحدهم (فلان بحجم كذا لم يتم استدعاؤه لمناسبة ثقافية)، وحين يقول آخر (إن ما يكتبه نال إعجاب الأديب الكبير فلان)، وعندما يقول آخر (إن الأديب الفلاني هو من أطلق عليه هذه الكنية)، نوقن أننا أمام أزمة ثقة، أزمة اعتراف، في حين تتراجع الثقافة في إنتاج مثقف يُظهر قدرته على الغوص في المعنى بعيداً عن التكرار، فالثقافة ليست حشواً للمعلومات ولا تظاهراً بها، بل هي إعادة تشكيلها ودمجها داخل المجتمع. إن لم نؤثر في هذا المجتمع، تأثيراً فعالاً، ينتج عنه قبول الحركة الثقافية فتُملى القاعات عن آخرها عندما نقدم عملاً أدبياً، أو نعرض مجلات تُعنى بجعل هذا الإنسان يناقش ويندمج في نقاش الفكر والوعي والمعرفة، جاء من استطاع قيادته بكل احترافية، يقول ميشيل فوكو: (إن المعرفة مرتبطة بالسلطة ومن يمتلك سلطة الخطاب يمتلك سلطة التأثير على الآخرين). قد نلاحظ بلا شك أن سلطة الخطاب اليوم لم تعد بيد المثقفين، بل أصبحت بيد رواد المواقع في ظل تراشق المثقفين بعضهم ببعض، رغبةً في إقصاء الآخر على حساب غيره فقط كي يكون هو الأول.
إن هذا العبث الوجودي صنع لنا مثقفاً هشّاً يبحث عن الاعتراف من قبل مثقف آخر يريد البقاء على عرش ربوبية الثقافة، في حين يتضامن رواد السوشال ميديا حين يتم التهجم على صاحب محتوى ما، بل يدعمون حسابه ليستمر في نشر ثقافة الانسلاخ من قيم مجتمع ظل يحافظ على ثوابته لعقود. لقد نجحت التكنولوجيا في خلق نموذج بشري مستهلك ليس لديه ضوابط. يقول مالك بن نبي (العبد دون ضمير خراب للروح)، وأقول السوشل ميديا دون ضوابط خراب للأجيال.
لقد نجحت إلى حد بعيد في إعادة تشكله، وأصبح الترند مصدراً للنجاح المبهر الذي يتنافس حوله المتنافسون ويقتادون به. وما زال المثقفون يبخلون على بعضهم بعضاً بتعليق أو إعجاب أو قراءة لعمل كاتب التقاه في ملتقى أدبي، يخفي إعجابه أو سخطه. كان علينا أن نقبل بالحقائق مهما بلغت من القسوة، وأن نقبل النقد مهما بلغ من تشويه للنص، حتى نستطيع إنتاج نص يبقى شاهداً على عصر تتصادم فيه الرؤى والمصالح والشلل، فهل سيصمد نصٌّ وسط هذا العبث؟ إن المثقف الذي يتماشى مع ذهنية السبعينات لن يستطيع هضم ذهنية الكتّاب الجدد الذين يسعون إلى القمة بكل الطرق. لا أخفي عليكم قدرة هذا الشباب الذكي والمحظوظ بتوفر المادة العلمية التي كنا نبحث عنها في ريعان شبابنا. محظوظ جداً بوجود مواقع يمكنها أن تساعده على الوصول إلى القمة، لكن بخلق أدب مختلف، ربما أدب استهلاكي سريع. في الآخير إن قيمة المثقف لا تكمن في قدرته على الأجوبة بقدر ما تكون في طرحه للأسئلة وهذا يتماشى مع مبدأ الفلسفة القائمة على طرح الأسئلة التي تدفع بالعلم للبحث والتعمق.

ذو صلة