هناك الكثير من الناس الذين نحتك بهم ونتعامل معهم من أقارب وأصدقاء ومعارف ومحيط وبيئة اجتماعية من مختلف الشرائح الاجتماعية والمنابت الطبقية، ومن مختلف المستويات والمراتب التعليمية والثقافية يفكرون في ما يجري حولهم من أحداث ومجريات سواء تعلقت بهم أو بمحيطهم، بطريقة جزئية لحظية جداً، ويلعب الحدث الآني دوراً كاسحاً في تشكيل نفسيتهم وتفكيرهم تجاهها، بحيث يتجاهلون آنية الحدث ولحظيته وإمكان مراوغته والالتفاف الإبداعي عليه وتجاوزه وأن الأمور والمجريات تتحول مع تحول الظروف والأسباب المؤدية إليها، وكمثال واقعي على ما نقوله - لتقريب الفكرة إلى ذهن القارئ - أنّ أحدهم يعمل بشكل حر في التجارة أي يخضع لعمليات الربح والخسارة وتقلب الأسواق المحلية والعالمية، نجد هذا الشخص يفرح كثيراً عندما يربح، وهذا شعور طبيعي لأي كائن بشري، لكنه يستسلم لهذا الفرح إلى درجة صرف كل ما ربح بشكل سريع وبصورة غير اقتصادية فيدعو أصدقاءه للولائم، ويصرف على منزله في الكماليات وهكذا دون أن يحاول أن يصرف ما هو ضروري له ولعائلته ويوفر الباقي للزمن القادم (قرشك الأبيض ليومك الأسود)، لأنّه كما يقولون دوام الحال من المحال، وبعد فترة عندما يخسر هذا الشخص فإنه يندب حظه وقد يتشاجر مع أفراد عائلته ويضطر للاستدانة من أهله ومعارفه وأصدقائه مستسلماً للحظته الآنية من خسارة مفاجئة وغير متوقعة لديه، دون التفكير المنطقي السليم بأسباب الخسارة وعواملها الموضوعية، كما أنّ عليه أنْ يعلم أنّ الربح والخسارة أمران واردان لأي تاجر وتجارة على الكرة الأرضية، لأن الأمور ليست ثابتة إنما متحولة، والمثال عن التجارة ينطبق على كل مجالات الحياة من اقتصاد وسياسة واجتماع وغيرها من المجالات الحياتية.
كما أنّ الطالب الذي يفشل في واجباته المدرسية أو الجامعية من خلال امتحان ما عليه عدم الركون والاستسلام لهذا الفشل وعليه معرفة أسبابه الموضوعية لتجاوزه والوصول إلى النجاح في امتحان قادم، وبالعكس عندما يتفوق في امتحان أو فحص مدرسي أو جامعي عليه عدم الإصابة بالغرور وبالتالي الكسل في الامتحان القادم، أي أنه سواء فشل أو نجح عليه ألا يستسلم للنتيجة ويحسب حساباً للتجربة أو الامتحان القادم.
يتمثل التفكير اللحظوي في إطلاق حكم قيمة كلي على جزء فإذا كانت صفحة من كتاب إيجابية بالنسبة للإنسان ذو التفكير اللحظوي فإنه يعمم هذه الإيجابية على الكتاب كله، وإن كانت سلبية فإنه يطلق حكم قيمة سلبي على الكتاب كله.
وبحسب الكاتب محمد المحمود فإن هذا التفكير هو التعبير عن مشاعر ووجدانيات لحظية مشدودة إلى هذا الحدث أو ذاك، أو مشدودة إلى نقطة محددة أو جزئية معينة من نقاط أو جزئيات الحدث.
فالتفكير اللحظي تفكير جزئي محدود ينطلق من جزء بسيط من ظاهرة ما ويسيطر على التفكير ويبني عليه موقفاً كلياً، فعلى سبيل المثال أن يصف شخص ذو تفكير لحظوي شخصاً آخر يتصرف تصرفاً إيجابياً واحداً تجاهه بأنه شخص نبيل ويمدحه بالعديد من العبارات التي تعلي من شأنه، رغم أن هذا الشخص يرتكب العديد من الأخطاء والمواقف السلبية، أو بالعكس أن يذم شخصاً ويوصمه بشتى الصفات السلبية لأنه ارتكب خطأ واحداً رغم أنه يتصف بالعديد من الصفات الإيجابية المحمودة.
إن الماء عندما نسكبه فإنه يأخذ شكل الإناء الذي سُكب فيه بشكل كامل، كذلك العقل اللحظي أو السائل بتعبير الأستاذ أشرف عبدالمنعم فإنه يتشكل بحسب اللحظة التي وضع فيها، فهذا العقل لا ينظر للوراء أي للماضي لأخذ العبر والدروس منه، ولا يضع إستراتيجية للمستقبل للسير بها إلى الأمام، فالمواقف التي يتخذها الفرد أو الجماعة أو حتى الشعوب التي تفكر بشكل لحظي هي مواقف آنية مؤقتة لحظية غير مخطط لها وغير إستراتيجية، لذلك تكون الصدمات التالية للموقف اللحظي الراهن شديدة ومؤثّرة لأن الشعور والتفكير اللحظي (نقول التفكير من باب التجوز لأنه لا يمكن أن يعد التفكير اللحظي تفكيراً حقيقياً)، يبني الموقف بالاستناد إلى وقائع وإحداثيات اللحظة الراهنة، لا على دروس وعبر الماضي، ولا على رؤى مستقبلية تستند على العديد من المعطيات منها المعطيات الراهنة، لذلك هي تخسر الاستفادة من دروس الماضي وتخسر أيضاً رهانات المستقبل، عوضاً عن استيعاب الحدث اللحظي وامتصاصه والاستفادة من الأخطاء والظروف والعوامل التي أدت إلى النتائج السلبية باتجاه التخطيط العقلاني للمستقبل، ومن أسف أنّ هذا العقل والتفكير موجود بشكل كبير كما أسلفنا في المقدمة وبخاصة لدى الأفراد والمجتمعات والقوى في العالم العربي وفي الشرق الأوسط عموماً.