تحولت المعلومة في عصرنا الراهن من أداة للتواصل إلى سلاح إستراتيجي يُخاض به الصراع على الوعي الجمعي. ولم يعد النصر في المعارك الكبرى حكراً على من يمتلك الجيوش والأسلحة، بل بات مرتبطاً بمن يملك القدرة على تشكيل الرواية وضخّها في الفضاء العام. غير أن هذه المقولة، على وجاهتها، تحمل في طيّاتها مزلقاً تحليلياً خطيراً، إذ إن حروب المعلومات لم تُلغِ الحروب التقليدية بل تسير جنباً إلى جنب معها. فما يجري في العالم اليوم يُثبت أن الدبابات لم تتقاعد لصالح التغريدات. والتحليل الأدق هو أن حرب المعلومات تُعظّم أثر القوة المادية أو تُقوّضها، لكنها لا تحلّ محلّها في المعادلة الإستراتيجية الكاملة.
في هذا السياق، تبرز (القيمة التداولية للإعلام) بوصفها المفهوم الجوهري لفهم كيف ينتشر المحتوى ويؤثر ويُعيد تشكيل القناعات. وهي ليست مجرد مقياس لكمّ الانتشار، بل تعبير عن قدرة المحتوى على اختراق الوعي وتجاوز الحواجز النقدية لدى المتلقي. وقد نبّه نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان في كتابهما (تصنيع الموافقة) (1988) إلى أن وسائل الإعلام لا تنقل الواقع بقدر ما تُنتجه، إذ تعمل وفق منظومة مصالح تجعل المحتوى أداة لتطويع رؤى بعينها وإقصاء أخرى. والنموذج في جوهره ثاقب، إذ كشف عن بنية مصالح مؤسسية تُشكّل الأجندة الإعلامية بعيداً عن أي مؤامرة مُدبَّرة. بيد أنه يحمل قيوداً جوهرية ينبغي استحضارها. على سبيل المثال، بُنيَ الإعلامُ الأمريكي في سياق الحرب الباردة، على نموذج مركزي للسيطرة على المعلومات، وهو لا يُطبَّق بالقدر ذاته على بيئات إعلامية مغايرة. في حين أن الفضاء الرقمي اليوم فكّك هذا المركز وأنتج فوضى معلوماتية لا تتحكم فيها جهة واحدة. وحين تدخل هذه الآلية في خدمة حروب المعلومات، تتحول وسائل الإعلام من ناقل للحقيقة إلى صانع للواقع المُراد تسويقه.
لعل ما يجعل حرب المعلومات المعاصرة مختلفة عن سابقاتها هو ما رصده الباحث البريطاني فيليب هاوارد في كتابه Lie Machines (2020)، بأن الفضاء الرقمي أتاح إنتاج المحتوى المُضلِّل بكميات هائلة وتوقيت مُحسَب وتكلفة شبه معدومة. فلم تعد الدعاية بحاجة إلى مؤسسات ضخمة أو ميزانيات باهظة، بل أصبح بمقدور جهات صغيرة أن تُطلق حملات تضليلية تُربك مجتمعات بأكملها. والأخطر من ذلك أن هذه الحملات لا تعتمد على الكذب الصريح دائماً، بل تعتمد على ما وصفته الباحثة كايت ستاربيرد في دورية Nature 2019 بـ(المعلومات المُلوَّثة)، وهي معلومات تحتوي على قدر كاف من الحقيقة لتبدو موثوقة، لكنها مُشوَّهة أو مجتزأة من سياقها بما يُعطي انطباعاً مغلوطاً.
أما الآلية التي تمنح هذا المحتوى قيمته التداولية العالية فهي الاستثارة العاطفية. وقد أثبت فوسوغي وروي وأرال في دراستهم المنشورة في مجلة Science 2018 أن الأخبار الزائفة تنتشر بسرعة تفوق الأخبار الصحيحة بستّ مرات، لأن المحتوى الذي يثير الغضب والخوف والإثارة يدفع الناس إلى المشاركة الفورية دون تدقيق. غير أن الاستشهاد بهذا الرقم دون تأهيل كاف يُكرّس قلقاً مشروعاً بطريقة تُشبه ما تصفه الدراسة ذاتها من تضليل، أي صحيح في مصدره، مُضخَّم في دلالته. فقد اقتصرت الدراسة على منصة تويتر وحدها، وهي بيئة لا تمثّل سلوك الجمهور العام في استهلاك الأخبار. كما أثار باحثون لاحقون أن انتشار المحتوى المُضلِّل يتمركز في شرائح ديموغرافية محددة لا في ظاهرة شاملة متجانسة. وثمة فرق جوهري كذلك بين الانتشار الواسع والتأثير الفعلي في تغيير القناعات، وهو فارق يغيب عن كثير من الاستشهادات بهذه الدراسة. وتُضاعف من هذه الظاهرة خوارزميات المنصات الرقمية التي تُكافئ التفاعل لا الدقة، فتُضخّم المحتوى الأكثر إثارةً بصرف النظر عن مدى صحته، وهو ما جعل كاس سانستيل يُحذّر في كتابه Republic 2017 من خطر (غرف الصدى) التي تتحول إلى بيئات حاضنة للتطرف والانقسام.
وقد أضاف الذكاء الاصطناعي التوليدي بعداً جديداً ومقلقاً لهذه المعادلة. فتقنيات (Deepfake) باتت قادرة على إنتاج مقاطع مُزوَّرة لشخصيات حقيقية بواقعية مذهلة، وهو ما دفع الباحثَين هنري فارل وأبراهام نيومان إلى التحذير من (معضلة المصادقة الجذرية)، فحين يعلم الناس أن أي مقطع قد يكون مزيّفاً، يفقدون الثقة في الأدلة البصرية والسمعية جميعها، وهو هدف تسعى إليه بعض جهات حروب المعلومات لأن المجتمع الذي لا يثق بشيء يُصبح عاجزاً عن التمييز والفعل. بيد أن ثمة جانباً يغيب عن هذا التحليل، كتقنيات كشف التزوير التي تتطور بالتوازي مع تقنيات الإنتاج، والمجتمعات. فلم تفقد ثقتها في كل شيء كما قد تُوحي المبالغة، بل طوّرت حساسية متزايدة تجاه المحتوى المشبوه وإن كانت موزّعة بشكل غير متساوٍ.
في هذا المشهد المعقد، تجد وسائل الإعلام التقليدية نفسها في مأزق حقيقي. فبدلاً من أن تتمسك بميزتها التنافسية الوحيدة وهي الموثوقية والتحقق، راحت كثير منها تتنافس مع المنصات الرقمية على مستوى الإثارة والسرعة. وقد تنبّه تشارلي بيكيت إلى أن الأزمة الإعلامية في جوهرها ليست أزمة معلومات بل أزمة ثقة، والفراغ الذي تتركه المؤسسات الإعلامية حين تفقد مصداقيتها يملؤه المحتوى المُضلِّل بسرعة قياسية. غير أن المقاربة التي تقتصر على إصلاح الخطاب الإعلامي، تتجاهل أسباباً بنيوية أعمق. فالأزمة الاقتصادية لنماذج الأعمال الإعلامية جعلت غرف الأخبار أقل قدرة على التحقق جراء تقليص الكوادر الصحفية، فيما أفرز تركّز ملكية الإعلام في يد كتل رأسمالية كبرى توافقاً غير معلن في الأجندات أشد خطورة من التدخل المباشر.
أمام هذا الواقع، لا يكفي الحديث عن إصلاح الإعلام وحده، بل المطلوب منظومة متكاملة على ثلاثة مستويات. على مستوى المؤسسات الإعلامية، المطلوب العودة إلى أخلاقيات التحقق والمسؤولية التي صاغها بيل كوفاش وتوم روزنستيل في (عناصر الصحافة) (2007)، والتي تضع الولاء للمواطن فوق أي اعتبار آخر. وعلى مستوى المنصات الرقمية، المطلوب ضغط تنظيمي حقيقي يُعيد توجيه الخوارزميات نحو تعزيز جودة المحتوى لا كثافة التفاعل، مع الإقرار بأن تحقيق ذلك يصطدم بتفاوت التشريعات الوطنية وقدرة هذه المنصات على التملّص عبر الولايات القضائية. أما على مستوى المجتمع، فالمطلوب الأهم هو ما يُسمّى (محو الأمية الإعلامية)، أي تجهيز الفرد بأدوات التفكير النقدي التي تُمكّنه من تفكيك الرسائل الإعلامية وفهم السياقات التي أُنتجت فيها. والتحفّظ هنا مشروع أيضاً، إذ تُشير أبحاث علم النفس المعرفي إلى أن التثقيف لا يُبطل التحيزات المعرفية بل يُعيد توجيهها أحياناً، وأن التضليل المُصمَّم باحتراف يستهدف تلك التحيزات في عمقها لا في سطحها.
خلاصة القول، إن القيمة التداولية للإعلام في عصر حرب المعلومات قضية سياسية واجتماعية راهنة تتوقف عليها طبيعة المجتمعات وقدرتها على صون تماسكها وحماية أمنها المجتمعي، ومقاومة الوقوع في فخ السردية التشاؤمية التي تجعل التضليل قدراً محتوماً، وإنتاج كتلة سلبية منزوعة الإرادة، تخدم هذا الهدف. فالمجتمعات أثبتت قدراً من المناعة، والصحافة الاستقصائية لا تزال تُنتج كشوفات مؤثرة، والمقاومة الشعبية للتضليل ليست غائبة بل تحتاج إلى بيئة تُغذّيها. والرهان الفعلي اليوم ليس فقط على من يمتلك أدوات الإنتاج الإعلامي أو على الوعي بالتلاعب وحسب، بل على بناء ثقافة واعية تُعلي من قيمة الحقيقة لأنها تُدرك أن وجودها ذاته مرهون بها.