حنين الصايغ: لا أكتب رواية واحدة بل أقدم أنماطاً مختلفة من النساء
حوار/ لطيفة محمد القاضي: الرياض
في المشهد العربي المعاصر تبرز أصوات روائية ترفض أن تمر الحكاية عبر أقلامها مروراً عابراً، بل تحفر عميقاً في وجدان القارئ، وتنبش في المسكوت عنه، لتصنع من شظايا الواقع لوحات إبداعية تنبض بالحياة. في صدارة هذه الأصوات تقف الروائية اللبنانية حنين الصايغ التي تكتب الألم من الداخل، فهي لا تراقب الجرح من بعيد، بل تضع يدها عليه، وتصف حرارته بدقة.
تؤكد حنين الصايغ أنها ستظل تكتب القصص التي تستحق أن تُروى، وأن مجتمعها القريب سيبقى بوصلتها الأولى، لأنه وحده القادر على ملامسة أسئلتها الداخلية ودفع كتابتها نحو طبقات أعمق من الوعي والتأمل.
في (ميثاق النساء) كانت البطلة الشابة التي تتمرد على مصيرها المرسوم، أما في (ثمرة النار ) فاخترتِ أن تضعي نبيلة الأم في قلب الرواية. هل هذا تحوّل في رؤيتك للمرأة؟
- أرى في دور نبيلة في (ثمرة النار ) امتداداً طبيعياً للرؤية نفسها. تنتمي الروايتان إلى سؤال واحد حول التحرر، ويتجلى هذا المفهوم عبر أشكال متعددة ومسارات متنوّعة. غير أن التحرر، كما أفهمه، لا يأخذ شكلاً واحداً، ولا يسلك طريقاً وحيداً. لذلك جاءت كل شخصية لتجسّد احتمالاً مختلفاً لهذا المفهوم.
نبيلة تقدم نموذجاً لامرأة تخوض تحررها من الداخل، من دون أن تغادر المكان الذي فرض عليها القيود. وهو نمط لم يُتناول كثيراً، على حدّ اطلاعي، في السرد الروائي. فالصورة الأكثر شيوعاً للأم في الأدب إما أن تكون امرأة مستسلمة، قليلة الحيلة ومضحية بالكامل، أو أن تُقدَّم كامتداد مباشر لمنطق السلطة الأبوية، أداة تُستخدم لتنفيذ إرادة المجتمع الذكوري.
نبيلة تعيل وتصبر وتمنح ولا تطلب، ثم تختار الرحيل بعزة ترفض فيها العلاج. هل هي نموذج تحتفين به أم جرح تُعرّينه، وهل خفتِ أن تُقرأ كمديح للمرأة التي تضحي بنفسها دون أن تسأل لماذا؟
- كلا الأمرين حاضر في شخصية نبيلة: هي نموذج يُحتفى به، وجرح تنكشف طبقاته عبر الكتابة في الوقت نفسه. غير أن ما أحتفي به تحديداً يتمثل في الوجه الآخر لهذا الصمت، أي القدرة على التكيّف والمرونة، وعلى ابتكار مسارات غير مباشرة للتعامل مع القيد.
ما يستحق التقدير في هذه الشخصية هو قدرتها على تغيير عالمها الصغير مع الحفاظ على جوهرها من دون أن يتبدل تحت ضغط الواقع. فالقوانين القاسية التي أحاطت بها عمّقت وعيها بموقعها، ومنحتها حكمة عملية في إدارة التفاصيل اليومية، وفتحت أمامها مساحة لتخفيف حدّة المصير الذي عاشته ومنع تكراره في حياة بناتها.
بنيتِ الرواية عبر أربعة أجيال من النساء، وهذا رهان سردي صعب، كيف قررتِ من أين تبدأين وأين تتوقفين؟
- أحد أهداف العمل كان تتبّع الإرث الذي تتركه كل امرأة لبناتها عبر الأجيال، وكيف يُعاد تشكيله مع كل انتقال. فالجدة مهيبة، رغم قسوتها ونزعتها الذكورية، حملت أيضاً جانباً عصامياً مهماً، إذ دفعت ابنتها نبيلة نحو الاستقلال المادي، وعلمتها مهارات العيش والاعتماد على الذات من خلال صناعة الخبز. هذا التناقض الأول أسّس لطبقة معقّدة في السلسلة النسائية داخل الرواية.
أما نبيلة، فحاولت تدارك ما ورثته من أمها، وانحازت لبناتها ضمن حدود ما يسمح به مجتمعها. عاشت بين مساحتين، استكانة أحياناً، وتمرد هادئ يُمارس من تحت السطح في أحيان أخرى، كأنها تعيد توزيع شكل الحياة بدل مواجهتها مباشرة.
في الجيل التالي، جاءت أمل لتقلب الطاولة كاملة، فتخرج كل ما كان مكتوماً إلى العلن: النقد، العتب، واللوم الموجّه إلى المجتمع والدين والعادات. سعت إلى قدر من الموضوعية، لكن المرارة أخذتها إلى منطقة أكثر حدة، خصوصاً في علاقتها بقرارات والدتها نبيلة، إذ لم تستطع تقبّل المجتمع الذي سلبها شبابها وبهجتها وقيّد حريتها وقراراتها لعقود.
وعند فقدان نبيلة، انكشفت طبقة أخرى من هذا الإرث، لتفاجئني الحفيدة رحمة، التي تمثل الجيل الرابع، برؤية مختلفة تماماً. لم تنشغل رحمة بالإجابة عن الأسئلة التي حملتها الأجيال السابقة، بل أعادت طرحها من زاوية جديدة، وفتحت أسئلة أخرى أكثر تعقيداً. أعادت قراءة حياة جدتها نبيلة.
النار في الرواية تطبخ الخبز، وتلتهم العمر في الوقت ذاته. هل جاء هذا الرمز المزدوج مقصوداً منذ البداية؟
- وقع اختياري على عنوان ثمرة النار قبل أن أبدأ كتابة الرواية، النار تحمل وجهين متجاورين. تضيء وتدفئ من جهة، وتحرق وتفني من جهة أخرى. ما يحدد أثرها هو طريقة الاقتراب منها، والمسافة التي تفصلنا عنها، وحرفة التعامل معها. من يمنحها الخشب يتلقى رماداً، ومن يضع فيها الذهب يخرجه منها أكثر صفاءً. بهذا المعنى، كان الرمز المزدوج حاضراً منذ البداية في جوهر الفكرة، ثم أخذ يتكشف مع تقدم الكتابة، حتى أصبح جزءاً من بنية الرواية نفسها وتفاصيلها الداخلية.
وصفتِ القرية في (ثمرة النار ) كما لو أنها كيان حي يراقب ويحكم ويعاقب. ما الذي يجعل المجتمع المغلق أكثر قسوة في نظرك من قمع السلطة الرسمية. وهل الإقامة الاختيارية في داخله هي أشد أنواع السجن وطأة؟
- نعم، هذه ملاحظة دقيقة جداً. فالمجتمعات المغلقة، أينما وُجدت، وبغضّ النظر عن انتماءاتها الدينية أو الثقافية أو الجغرافية، تميل إلى قدر كبير من الجمود، نتيجة محدودية انفتاحها على الآخر، وعلى أنماط الحياة والأفكار المختلفة. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الجمود إلى قيمة بحد ذاته، ويصبح الحفاظ على المألوف فضيلة يُكافأ عليها الأفراد، بينما يُنظر إلى أي محاولة للتغيير بعين الريبة والشك.
في مثل هذه البيئات، يُقاوَم الاختلاف لأنه يهدد التوازن الذي اعتاد عليه المجتمع. ولذلك تُفسَّر أي محاولة للخروج عن السائد، أو التفكير بطريقة مغايرة، على أنها إدانة ضمنية لمنظومة القيم القائمة، وكأن المختلف يقول للآخرين إن ما يؤمنون به أو يمارسونه ليس الطريق الوحيد أو الصحيح.
لهذا السبب قد يكون قمع المجتمع المغلق أكثر قسوة من قمع السلطة الرسمية. فالسلطة تفرض قيودها من الخارج، أما المجتمع فيمارس رقابته من الداخل، عبر العلاقات اليومية، ونظرات الناس وأحكامهم وتوقعاتهم. إنه نوع من الرقابة يتسلل إلى الوعي ويجعل الفرد رقيباً على نفسه قبل أن يراقبه الآخرون.
وردت في الرواية فكرة أن الحب في هذه البيئة (ظاهرة خطيرة). هل الخطر الذي تقصدينه يأتي من المجتمع الذي يعاقب على الحب، أم من الحب نفسه الذي يجعل المرأة تتوهم بإمكانية الانفلات مما لا يمكن الفرار منه؟
- الخطر لم يكن يوماً في الحب نفسه، ولا في المشاعر التي يختبرها الإنسان. على العكس، فالحب تجربة إنسانية أساسية تسهم في صقل الشخصية وتعميق فهمنا لأنفسنا وللآخرين. من خلاله نتعلم كيف نقترب، وكيف نبتعد، وكيف نُجرح ونتعافى، وكيف نتعامل مع الخيبة والفقد والهجر وسائر المشاعر المعقدة التي ترافق العلاقات الإنسانية.
لذلك فإن وصف الحب في الرواية بأنه (ظاهرة خطيرة) جاء من باب السخرية والمفارقة. ففي كثير من المجتمعات المغلقة لا يُنظر إلى ممارسات مؤذية فعلاً، مثل التعدي على حقوق النساء، أو حرمانهن من الميراث، أو النميمة، أو النفاق الاجتماعي، بوصفها أخطاراً تستوجب الإدانة. أما الحب، وهو شعور إنساني طبيعي، فيُعامل وكأنه الجريمة الكبرى التي تهدد تماسك المجتمع وقيمه.
هذه المفارقة تكشف خللاً عميقاً في المنظومة الأخلاقية السائدة.
كتبتِ (ثمرة النار ) وأنتِ تعيشين في بيروت التي تعرفين ما تعرفينه من وجع. هل تسرّب شيء من هذا الخراب الخارجي إلى القرية الجبلية في روايتكِ، وهل الكتابة عن نساء الداخل كانت هرباً من الحرب، أم حواراً سرياً معها؟
- يلفت نظري أحياناً اعتراض البعض على تناول مآسي النساء في سياقات الحروب أو الأوبئة، بحجة أن (هناك أولويات أخرى). غير أنني لا أؤمن بفكرة ترتيب المعاناة أو المفاضلة بينها. فالمشكلات الإنسانية لا تتوزع وفق سلم واحد من الأهمية، ولا يمكن القول إن معاناة ما أقل جدارة بالاهتمام من أخرى.
كثير من النساء يعشن، في الواقع، أشكالاً مختلفة من (الحرب) اليومية، حتى خارج سياقات العنف المباشر. إنها حرب على مساحة ضيقة من الحرية، على حق التعبير، على الجسد، على الحركة، وعلى القدرة على اتخاذ القرار دون قيود أو شروط. بهذا المعنى، قد تكون بنية مستمرة من القمع الناعم أو الصلب. القمع والعنف وجهان لتجربة إنسانية واحدة، وإن اختلفت أشكالهما. وإذا كان العنف المباشر أكثر وضوحاً، فإن العنف البنيوي اليومي لا يقلّ أثراً أو عمقاً، وهو ما تحاول الكتابة أن تضيء عليه من الداخل.
روايتان، والنساء في قلب كل منهما، والمجتمع الدرزي مسرحاً للاثنتين، واللغة الشعرية خيطاً يجمعهما. هل تشعرين أنكِ تكتبين رواية واحدة كبيرة موزعة على أجزاء، وإلى أين تأخذكِ هذه الشخصيات فيما هو قادم؟
- لا أرى أنني أكتب رواية واحدة، بل أعمل على تقديم أنماط مختلفة من النساء، لكل واحدة منهن تجربتها الخاصة ومسارها الذي لا يشبه الآخر. فبطلة ميثاق النساء مثلاً شابة عشرينية متمرّدة، تحمل أسئلتها الخاصة وقضاياها الوجودية، في حين أن نبيلة تنتمي إلى جيل وتجربة مختلفين تماماً، امرأة متدينة حاولت أن تصنع لنفسها شكلاً خاصاً من الحرية داخل حدودها.