مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

موج يوسف: النظريات ليست كسرة خبز مقدسة بيد صوفي

حوار/ عبدالرحمن الخضيري: الرياض

ينطلق هذا الحوار مع الباحثة والناقدة العراقية الدكتورة موج يوسف من كتابها (المرأة الدينية المرأة النسوية: كشف مضمرات الخطاب السردي في ضوء علم اجتماع الأدب)، حيث وقفت على بعض الملاحظات التي أراها تؤثر على جودة العمل ومصداقيته، إضافة إلى اللغة المستخدمة التي قد تبدو متحيزة ضد الرجل.
ولم يقتصر الحوار على الكتاب، بل امتد إلى قضايا أوسع تتعلق بدور المرأة في الثقافة، والتحديات التي تواجهها، وتأثير وسائل التواصل في تشكيل صورتها في المجتمع، إلى جانب موضوعات في النقد والإبداع.

كيف ترين تطور دور المرأة في الثقافة مستقبلاً مع انتشار التقنية والذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن تعزيز تمثيلها في مختلف المجالات الإبداعية؟
- أرى أن حضور المرأة المبدعة بشتى المجالات يمثل ظاهرة صحية بعدما كانت أغلب المجتمعات العربية مصابة بضعف في مفاصل المجتمع والسياسية والثقافة والاقتصاد، واليوم عادت المرأة لترمم تلك المفاصل وتداويها بالإبداع الذي قدمته، فصرنا نراها إعلامية ودبلوماسية ومحللة وصحافية وكاتبة وشاعرة، وأرى أن المستقبل القريب سيكون لشمسها لأنها قرعت كل النوافذ عبر استمرارها بالحضور الفعلي والواقعي في المنصات ومنها الذكاء الاصطناعي فليس صعباً أو مستحيلاً عليها لأننا تجاوزنا فرضية الرجل أذكى من المرأة ومرّ عهد كانت فيه أكبر مغامرة تنفذها هي أن تخرج للسوق ولم تعدّ تصغي لقول (تخرج المرأة من بيتها مرتين، مرة إلى بيت زوجها ومرة إلى القبر). فهذا التفاعل يعزز من قدرتها ومن ذكائها في الابتكار والصناعة لكن يبقى شيء واحد ليزيد من تمثيلها هو اللغة لابد من امتلاكها ثياباً لغوية على مقاسها وتعبّر عن صوتها الداخلي.
هل تعتقدين أن استخدامك للنظريات والدراسات بشكل انتقائي يعزز من حججك أم يفتح باباً للنقد حول كتابك «المرأة الدينية المرأة النسوية»؟
- كما تعلم أن النقد لم يعد يفتح الصخرة أمام علي بابا ثم يتوقف، وإنما صار يفتح ألف نافذة بوجه الحياة، لذا فإن تعدد النظريات والإفادة منها يأتي ليفتح الغرف المظلمة في النص الأدبي، وشخصياً لم ألتزم بتطبيق أي منهج أو نظرية كما وضعها منظروها ونقادها لأنها ليست كسرة خبز مقدسة بيد صوفي، بل أجعلها كطين وأشكلها كيفما أحتاج، بمعنى أنني بكتابي المرأة الدينية المرأة النسوية لم أقع جاثمة على منهج علم اجتماع الأدب لمؤسسه لوسيان غلودمان، لأن تطبيق نص غير عربي على نص سردي عربي فيه مغالطة، فأخذت منه الخط العام وصنعت خطوطي النقدية وعززتها بباقي المناهج والعلوم الاجتماعية والنفسية.
كيف تردين على من يتهمك بالتحيز ضد الرجل في كتابك، وكيف يمكن للخطاب النسوي أن يكون أكثر توازناً دون الوقوع في فخ الإدانة الجماعية؟
- إنَّ قرّاء كتابي (المرأة الدينية المرأة النسوية) أكثرهم الرجال مع أنني أعني المرأة أكثر من الرجل في نقدي، ولاحظت من خلال تواصلهم معي أنهم يحاولون اكتشاف أنفسهم عبر كتابتي، وأنهم استطاعوا سماع مشاعر النساء وحكايتهن المدفونة بصدورهن عندما جعلت قلبها يدق بصوت عال ولاسيما في فصل (جسد المرأة بين الانهيار الفني غريزة المتلقي) فلم أكن متحيزة ضد الرجال وإنما ضد الذكورة التي تحتال على وتر الحياة (النساء) وتجعل الموسيقى بصوت واحد، كنت مع مبدأ أن الحياة تجلس على طرفين وغياب أي طرف يخل بتوازنها، والأمر الثاني شعرت أن أغلب القرّاء الرجال يتعاطون كتابي وكأنه منشورات سرية لا يريدون أن يعلم أحد أنهم قرأوا الكتاب.
كيف يمكن للمؤسسات الأكاديمية تعزيز الرقابة الذاتية وتحسين جودة الأبحاث والكتب للحد من الأخطاء العلمية والتاريخية في مجالات التأليف والأدب والبحوث؟
- المؤسسة الأكاديمية مسؤولة عن أفكارنا وكيف تحقنها بمخدر موضوعي تستمر صلاحيته على مدى سنوات الدراسة وكلّ الذين هربوا من حقن المخدر -وهم قلة- كانوا مصدر قلق لتلك المؤسسات، فكتابة الباحث مهما كانت تُعاني من ضعف ومغالطات لم تلفت النظر، والمسؤول عنها كاتبها. وأما جانب التأليف والأدب فهو خارج أسوار الأكاديمية ولا تتدخل بشؤونه إلا إذا لحقها ضرر من مؤلفه.
هل ترين أن كتابك (المرأة الدينية المرأة النسوية) يفتح باباً للنقد الذاتي والتفكير العميق أم أنه قد يُستخدم كصك إدانة ضد الرجل بشكل عام؟
- هذا الأمر متروك للقارئ، فحين خرج الكتاب مني صار ملك قارئي وهو من يحدد أنني متهمة بإزعاج سفن الرجال وتغيير حركتها أم أنني فتحت أشرعة الأسئلة والتفكير، فهذا الأمر يرتبط بمستويات التلقي عند القرّاء.
وكيف يمكن للخطاب النقدي المعاصر أن يوازن بين النقد وتجنب الإدانة للأفراد المبدعين في مجال الأدب والثقافة؟
- أنت تعلم أن كتاب (الوساطة بين المتنبي وخصومه) لمؤلفه القاضي الجرجاني جعل روح القضاء ترقد بمحراب الناقد ظناً منه أنه سينصف ولن ينصف خصوم المتنبي عليه، لذا أقول إن الخطاب النقدي ابن مرجعيات ثقافية وذائقة ولغة، فصعب موازنته مهما ادّعى النقاد ذلك، لكن الموضوعية هي التي يمكن تحقيقها لئلا يقع في فخ الإدانة.
ما تأثير وسائل التواصل الرقمية على تشكيل صورة المرأة في المجتمع، وهل ساهمت في تعزيز حضورها الثقافي أم في تهميشها؟
- الإجابة عن سؤالك تحتاج إلى دراسة ترصد تحولات صورة عبر المواقع الرقمية لأنني أرى الحضور الرقمي للمرأة خرج من شرنقة الخوف ودخل في مرحلة أثر الفراشة، فهي تترك بصمات أصابعها، لغتها، بوحها وتشارك مجتمعها الرقمي همومها وطموحها ونجاحها وعملها، فكم من المبدعات خطن كحل إبداعهن من السوشيل ميديا؟ بل إنها حققت حضورها خارج محميتها عبر منصتها الرقمية. ولا أظن أن الميديا كانت قاسية مع النساء فلم تهمشهن بل العكس رسخت وجودهن، وأرى أن وسائل التواصل الرقمي عادلة مع المرأة لأنها ليست بشرية.
هل يمكن للمنظور النسوي أن يدمج مع القيم الثقافية التقليدية دون تناقضات جوهرية في مجالات الرواية والكتابة الإبداعية؟
- المنظور النسوي ليس جسماً طفيلياً على القيم الثقافية الاجتماعية بل هو منتزع عنها غير موضة ثوبه، بمعنى أن النسوية تفكر بطريقة نضالية تحاول تمكين الذين يعيشون على محاور عدة من عدم المساواة كالفقراء والأطفال وحتى العرق والهوية فهي ليست خاصة بالنساء بل بكل من خذله قانون الذكورة لذا حضور الرؤية النسوية في الأدب ليس تناقضاً بل مكملاً للنقص الوجودي.
كيف يمكن للجيل الجديد بناء حوار مشترك يضمن احترام الاختلافات الثقافية والدينية ويعزز قيم قبول الآخر؟
- هل فعلها الجيل القديم ومن سبقه في بناء حوار مشترك؟ الإشكالية الموجودة ليست بالجيل القديم أو الجديد بل بالحوار نفسه لأن الثقافة والتنشئة الاجتماعية والأسرية العربية لم تربِ الأفراد على صناعة حوار مشترك قائم على الاختلاف بل صرنا بوعي أو لا وعي نطارد من يشبهنا ولا نجيب عمّن يختلف عنا في الهوية أو الدين أو العرق، ومهما تظاهرنا بتقبلنا للمختلف تأتي لحظة مكاشفة تفضح لغتنا الباطنة المتحيزة.
أتصور أننا لا نملك الحوار بمعناه الثقافي وإنما الكلام المتبادل بجدليات متفق على جدلها.

ذو صلة