بعد أن تحقق العدول عن فكرة الالتحاق بالمعهد الصحي بقيت في الرياض مع قريبي محمد بن عباس -رئيس تحرير جريدة الجزيرة سابقاً- وكان طالباً في المرحلة الثانوية (بمعهد الأنجال) الذي تحول اسمه فيما بعد إلى (معهد العاصمة النموذجي)، وكان اهتمامه البالغ في اقتناء المجلات والصحف، خصوصاً (المصور/آخر ساعة/ الجيل/صباح الخير)، مع الصحف السعودية الأسبوعية (اليمامة) القصيم و(الجزيرة الشهرية)، وبعض الصحف في المنطقة الغربية، وبخاصة البلاد والندوة، وذلك في عهد الأفراد. أخذت أقلب وأنظر دونما اكتراث فيما حولي، ولكن كان محمد يحثني على أن أقرأ وأطلع، خصوصاً عندما رآني بدأت أفتش في رف أو رفين مما كان يشكل له مكتبة منزلية صغيرة أذكر أنها كانت تضم ضمن محتوياتها كتاب الحيوان للجاحظ، العبقريات الإسلامية لعباس العقاد، مجموعة في مجلد واحد، وكان مزوداً على صفحة الغلاف الداخلي بعبارات إهداء من مدير المعهد الشيخ (عثمان الصالح)، ما يوحي بأن هذا الكتاب هو جائزة القراءة الحرة التي استحقها، وكان الكتاب بمقدمة للأستاذ أحمد عبدالغفور عطار، أتبعها العقاد بـ(مقدمة المقدمات)، وبعض روايات التاريخ الإسلامي لجورجي زيدان، وكتب لتوفيق الحكيم وطه حسين، و(في منزل الوحي) لمحمد حسين هيكل، والعبرات، والنظرات للمنفلوطي.. وغيرها. وأعجبت بشكل الكتب، ولكن كيف لي أن أدخل في مثل هذه الأجواء التي لم أكن أعهدها، وهي في نظري تمثل شيئاً كبيراً، قال محمد لماذا لا تحاول أن تقرأ؟ ستجد متعة وفائدة، ومد لي كتاباً من سلسلة المكتبة الخضراء، استله من أحد الرفوف عنوانه (الأنف العجيب) لمحمد عطية الأبراشي، من سلسلة كتب الأطفال، ضحكت وقلت: هل أنا طفل في هذا العمر؟ قال: خطوة توصل إلى ألف ميل، جرّب. تنحيت جانباً في ذلك اليوم، واختليت بالأنف العجيب، قرأت حتى أكملته ولدي بعض القناعة بأني قرأت كتاباً مستقلاً خارج المقررات المدرسية، وبدون توجيه اعتمدت على نفسي وسحبت رواية (وا إسلاماه) لعلي أحمد باكثير، وسرحت فيها مع قطز وجلنار، وتابعت حتى آخر الليل لأكملها في اليوم التالي، ثم ألحقتها بكتاب (الأيام/ لطه حسين) وحصل مثل الذي كان مع الكتاب السابق سيرة الأعمى/البصير الذي توصل إلى عمادة الأدب العربي.
كانت قراءات ربما حدّت إليها محاولة المحاكاة، وبعد انتهاء الإجازة عدت إلى الطائف ومواصلة الدراسة في المعهد، وفي نفسي أحمل حماساً للقراءة، وبمساعدة أستاذي (سليمان فياض)، وحسب نصحه صرت أتردد على مكتبة المعهد وأستعير، ولكن كان يركز على أن أجتهد في التعاون معه في تحرير وإعادة كتابة المقالات التي تُعَدّ من ضمن نشاط جمعية الصحافة، ومحاولة كتابة مقالات من نتاجي وعرضها عليه لأحصل على التوجيه والتشجيع، واستمر الوضع كتابة في الصحيفة الحائطية في المعهد، خواطر على قدر الحال، ولكن ما أسمعه من أستاذ اللغة العربية سليمان فياض من أنني أتقدم وأن الاستمرار على هذا المنوال قراءة وكتابة ستوصل إلى مرحلة سعيدة؛ عزز ذلك ما أولاني إياه أستاذ المواد الاجتماعية (إبراهيم البرماوي) من أن أكون مشرفاً مساعداً له في تحرير وتقديم صحيفة تخص المواد الاجتماعية، حيث يوجه وأنفذ، وما نصحني به من أن القراءة هي الزاد الذي كلما أكلت منه ازدادت شراهتك تجاهه، فمن أقواله المثل الشهير: (منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب مال)، وأنت طالب علم، والقراءة علم والوحي الإلهي على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بدأ بـ(اقرأ)، فالقراء ثروة تزداد بمرور الزمن لتزودك بالمعارف.
مع الوقت أصبحت القراءة مشوقة، فكتاب العبرات للمنفلوطي أعقبته بالنظرات، وأهل الكهف لتوفيق الحكيم، مرآة الإسلام لطه حسين.. وغيرها من الكتب الخفيفة التي أصبحت أنا من يختارها من ورّاق كان قريباً من (مجمع نجمة التعليمي الذي يضم- المدرسة الفصلية الثانوية- دار التوحيد- معهد المعلمين)، الوراق كنا نطلق عليه لقب (السيد)، هو يشتري الكتب المستعملة ويبيعها في موقعين: الصباح في دكانه أو مكتبته، والعصر في الحراج، حيث يفرش سجادة يعرض عليها الكتب والمجلات وبأسعار رخيصة، وربما يعيرك كمستأجر تقرأ وتعيد الكتاب نظير سعر رمزي، وكل طالب كان يهتم بالقراءة أو من غير الطلبة في الطائف كان يعرف (السيد) ويتعامل معه.
محاولة الكتابة في الصحف بدأت معي وأنا في الصف الثاني المتوسط، كانت هناك حملات صحفية من الإعلام المصري أيام (الجمهورية العربية المتحدة) القطر الشمالي/والقطر الجنوبي، وكان عبدالناصر يوجه عبارات غير لائقة موجهة للمملكة وقيادتها مما يدخلها في عداد السباب والشتائم، وكانت الصحف السعودية ترد مفندة الادعاءات بمشاركة كتاب كبار لهم قيمتهم الفكرية في الداخل والخارج، ويساهم أبناء الشعب ممن لديهم ملكة الكتابة بالدفاع عن الوطن الحبيب.
كتبت معبراً عن مشاعري حسب إمكاناتي موضوعاً في المساهمة مع أندادي، وبعثت به إلى جريدة (الرائد) الأسبوعية في جدة لصاحبها (الأستاذ عبدالفتاح أبومدين)، انتظرت أسبوعاً وعندما تصفحت العدد الجديد وباب بريد القراء وجدت اسمي وإشعاراً بوصول الموضوع وأنه سينشر قريباً، وهذه أول مرة أقرأ اسمي في جريدة، وكم كانت فرحتي غامرة، إذ استلمت العدد ونزعت منه الصفحة التي نشر فيها اسمي ووضعتها في جيبي أعرضها على من أرى أنه سيفرح معي ومن لا يهمه، كان العرض الأول على والدتي التي بكت فرحاً وأبكتني، أما الوالد فكان مسافراً، وتباينت المشاعر كما طبيعة الناس من يريد لك النجاح ومن تدركه الغيرة ومن لا يهتم، وفي الأسبوع الموالي وجدت ما كتبته يحتل نصف عمود في صفحة من جريدة (الرائد)، وهو أول موضع كان يحمل توقيع (سعد عبدالله الحميدين). كانت الفرحة الكبرى تحيط بي، وأي فرحة! أنا كاتب في جريدة مشهورة، ومع كتاب مثل (محمد حسين زيدان- أبوتراب الظاهري- عبدالله مناع- هاشم عبده هاشم- عبدالعزيز فرشوطي- حمدان صدقه- عبدالفتاح أبومدين، وراشد الحمدان- عبدالعزيز النقيدان.. وغيرهم، فصارت الصفحة تصحبني أنقلها معي وأعرضها على بعض من أرى أنهم سيشاركونني حبوري وفرحتي من الأقارب والزملاء، خصوصاً من يجمعنا بهم حب الكتاب، وكان ذلك المقال هو المفتاح، فقد كررت إرسالي (للرائد)، ونشر لي في صفحة (الجيل الجديد) التي يشرف عليها (هاشم عبده هاشم) -رئيس تحرير جريدة عكاظ سابقاً- وازداد حماسي للقراءة الحرة، والدروس، حيث أستمع للشرح ولا أفتح الكتاب إلا وقت الدرس، وفي المنزل كانت مجلات وكتب مثل الآداب والأديب رجيع سنوات ماضية، خصوصاً الآداب (منعت في الستينيات) لأنها كانت تسير في الركب الناصري وتمجده مقالات وقصائد، فسرى عليها ما كان على مثيلاتها من الصحف والمجلات المناوئة (للوطن الغالي).
مع التشجيع والنشر والإحساس بالنشوة وغرور الشباب، وفي الخطوات الأولى حاولت أن أدخل في مناقشات مع غيرى، كما كنت أقرأ لغيري وهم يكتبون فيما يسمى نقداً أو معركة أدبية، فأبوتراب الظاهري يرد بعنوان (أفواه القرب في الرد على أحمد الذهب)، والشاعر علي دمر يكتب (كشف النقاب عن أوهام أبي تراب) فيكون عنوان رد أبي تراب (هبهبة الهبهاب في الرد على النقاب) وآخر يكتب (إن كنت ريحاً فقد واجهت إعصاراً).. ومواضيع تكون حول اختلاف على بيت مكسور، أو رأي في مشهور، أذكر عندما نشرت الرائد (ثلاث قصائد/لشاعر معاصر)، كتب الأستاذ عبدالعزيز النقيدان في زاويته (نفثات اليراع)، منتقداً الشاعر، ومسفهاً إياه، بأنه شويعر مدع لا يعرف الشعر وما ينبغي له، وأنه يقلد الغرب ببلادة، ويكون رد الشاعر وهو (محمد العامر الرميح) الذي كانت قصيدته على طريقة الشعر الحر؛ بأن الناقد من التقليدية في مكان؛ فلكوني أرى حينذاك أنه يمكن لي أن أبدي رأيي، كتبت مندداً بالرميح وشعره، وأنا لا أعرف عن الشعر إلا ما كان مقرراً في المنهج الدراسي، فكان رد الجريدة عبر البريد الذي يشرف عليه (ابن الشاطئ): (تَعَلُّم السباحة يبدأ بحركات وخطوات قريبة من الشاطئ، ثم شيئاً فشيئاً يكون التقدم، وكما قالوا: (مد رجلك على قد لحافك)، استمر في كتابة المواضيع التي تقدر عليها، ولا تتعجل سر بخطى ثابته وتزود بالمعرفة)، من المؤكد أن الموضوع لم ينشر، ولكني استفدت من الرد بأن أتجنّب التسرع وألا أخوض في موضوعات غير ملم بها ولست محيطاً بها معرفياً، وسرت على هذا النهج وما زلت.