أطروحة التمثيل التاريخي أو ما وراء القص التاريخي زعزعت المفاهيم القديمة تجاه التاريخ والرواية، إنها تستعملهما معاً باعتبارهما جنسين قادرين على تمثيل الماضي كل بطريقته. وهنا يصبح التاريخ شأنه شأن النص الأدبي متحركاً وقابلاً لأكثر من تفسير حسب ستيفن غرينبلات. وفي ظل هذا التحول هناك من نادى بضرورة أن يحل مصطلح التخيل التاريخي محل مصطلح الرواية التاريخية، فهذا الإحلال سوف يدفع بالكتابة السردية التاريخية إلى تخطي مشكلة الأنواع الأدبية وحدودها ووظائفها، ثم إنه يفكك ثنائية الرواية والتاريخ، ويردم الهوة بينهما، ويعيد دمجهما في هوية سردية جديدة، وهو أمر تطرق إليه بكثير من التفصيل الباحث عبدالله إبراهيم، الذي أوضح أن السرد والتاريخ يتقاطعان في أكثر من علاقة، وهذا التقاطع يجهز على الثنائية القائلة باختلافهما الكلي، فقوة التاريخ وقوة السرد تجدان المعنى المشترك لهما في (إعادة تصوير الزمان)، أي بـ(الإحالة المتقاطعة) للتاريخ والسرد.
أثبت كتاب الميتا تاريخ: الخيال التاريخي في أوروبا القرن التاسع عشر، الذي نشر سنة 1973، أنه عمل رائد على الرغم من أن غالبية المؤرخين تجاهلوه في البداية، لأنهم ببساطة رفضوا الإمكانات النقدية التي تتيحها لهم نظرية الأدب، وكأنهم بسماحهم لها بالتدخل في حقل اختصاصهم سيتعرضون إلى خسارة ما. ومن بين الذين رفضوا هذه الأطروحة المؤرخ الفرنسي جاك لوغوف الذي لم يقبل القول بكون التاريخ قصة مسرودة، على الرغم من إشادته بإسهامات الناقد الأدبي الأمريكي هايدن وايت وأطروحاته. إن المؤرخين الذين يرفضون عادة فكرة أن الشكل الذي يكتب به بحثهم يخلق معنى تاريخياً، يبنون رفضهم على افتراض أن اللغة المستخدمة للكتابة عن الماضي تتصل بالماضي بوصفه سرداً، وهذا رأي يرفضه هايدن وايت، ومعه آخرون مثل لويس مينك وأنكلر سميث وبول ريكور. إن تحليله لكيف أن المؤرخين، وهم يصفون أحداث الماضي ويقيمونها، يخترعون الماضي ربما يكون أكثر تطور جذري عرفه المنهج التاريخي في السنوات الثلاثين الأخيرة حسب ما بينه ألون مونسلو في دراسته عن تفكيكية التاريخ.
حاول هايدن وايت في مقدمة كتابه أن يعرض نظرية متماسكة ومفصلة في تحليل السردية التاريخية كما تظهر في الأعمال التاريخية، وقبلها رسم خطوطاً عريضة لما يقصده، حيث تناول العمل التاريخي باعتباره بناء لفظياً، وخطاباً نثرياً تاريخياً. وقد اشتغل بالنص التاريخي سواء كان مصدراً أصيلاً أو دراسة عصرية، ولم تكن تهمه مسألة واقعية الأحداث التاريخية ومصداقيتها، بقدر ما همَّته الممارسات المحاكاتية التي يزاولها رواة الخبر والمؤرخون، أي أنه أعطى الاهتمام لطرق التمثيل ولكيفية تصوير الواقع.
قرَّبنا كتاب الميتا تاريخ من فهم طبيعة الكتابة التاريخية انطلاقاً من رؤية مغايرة، فثمة محتوى بنيوي يكمن وراء المستوى السطحي الذي تبديه النصوص التاريخية، وهذا المحتوى الشعري واللغوي يدعوه وايت بالعنصر الميتا تاريخي، يعمل في الأساس كإطار باراديغم لما يجب أن يكون عليه التفسير التاريخي. وهو ما يعمل على تجريد التاريخ من مكانته التقليدية كأساس وطيد للحقيقة الواقعية، ويعلي من جوهر السردية باعتبارها جوهر التاريخية.
لقد ذهبت ليندا هتشيون إلى اعتبار ما وراء القص التاريخي نوعاً من أنواع الرواية ما بعد الحداثية التي ترفض إسقاط المعتقدات والمعايير الحالية على الماضي وتؤكد على خصوصية وفردية الحدث الماضي. ويعد كتابها شعرية ما بعد الحداثة الطرح الأكثر تأثيراً للرواية التاريخية في تجليها الخاص أواخر القرن العشرين، فقد أبرزت في تناولها لما وراء القص التاريخي مشكلة التمثيل، معتبرة أن ما وراء التاريخي يدحض سلطة التاريخ من خلال تحدي الافتراضات الضمنية للبيانات التاريخية: الموضوعية والحياد واللاشخصانية وشفافية التمثيل.
إن معالجة التمثيل التاريخي تسمح لنا بتأويل جديد للأحداث والوقائع، من خلال التأكيد على أن التاريخ قبل كل شيء حكاية، ورواية قصة، وليس مستودعاً للحقائق والوقائع. فالنص التاريخي حتى وإن كان موضع ثقة أو تمت البرهنة على صدقيته، فبوسع المرء أن يجادل، إذ إن معناه يكمن في الوسائل التي يلجأ إليها الكاتب من أجل صنع المعنى وإحداث التأثير المطلوب: أي في نصيته. فالنص التاريخي ليس وسيلة لنقل الحقائق، بل هو عمل أدبي قائم بذاته، هو بنية لغوية، خطاب كغيره من الخطابات. وهو أمر سبق وأن وضحه رولان بارت الذي خلص إلى أن الكتابة التاريخية ذاتية وخيالية، فهي من صنع المؤرخ الساعي عبر حيله اللغوية إلى أن يسبغ عليها صفة الموضوعية. يستعين المؤرخ، بسعيه هذا، بمرجعية المصادر (المتوهمة)، ويزعم أنها هي التي (تتكلم) وتعبر عن نفسها. إن الحقيقة التاريخية التي يتحدث عنها المؤرخون هي، في نظره، حشو كلامي لا يمت إلى ماض واقعي، وهي، في الواقع، مجرد صياغة لغوية، مزودة