مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

تاجر السعادة

ظل أمير الضحك وزعيم المقهورين والمهمشين وأبناء الفقر سنوات طويلة، وكان قادراً على انتزاع ضحكاتهم من رحم الأيام الصعبة، يفرج عن كروبهم رغم أنهم مصلوبون على حائط الأحزان.
إنه (عادل إمام)، فهو تاجر السعادة البارع في صياغة الضحكة في مدائن البكاء، الموهوب في مزج المرح الخلاب بخبزهم اليومي المبلل بالخوف والدموع، فظلوا يحملونه على الأعناق ويحمونه في حدقات العيون، ويبايعونه ملكاً متوجاً على عرش الكوميديا في عصر القنوط والكآبة.
تعد أفلامه العظيمة التي عرضت في التسعينات من أهم علامات السينما المصرية في تاريخها كله، ومنها على سبيل المثال: الإرهاب والكباب والمنسي وطيور الظلام واللعب مع الكبار والنوم في العسل والهلفوت وحب في الزنزانة.. حيث يقف فيها -آنذاك- على يسار السلطة بضراوة، ويكشف عوراتها، ويعري فسادها، وينحاز إلى مجتمع الفقراء الذين يعانون من شظف العيش والظلم الاجتماعي.
وفي هذه الأفلام انتصر لقيم العدل الاجتماعي، وعالج قضايا الواقع السياسي، وحقوق البسطاء في حياة كريمة، وتصدى لدعاوى التخلف والرجعية التي تمارسها التيارات الدينية المتطرفة بجرأة بالغة وجسارة تقفز فوق الأسوار العالية والأسلاك الشائكة.
ولا خلاف أنه وصل إلى قمة إبداعه الفني ونجاحه الجماهيري منذ تلك الفترة في رحلة صاحبه فيها الكاتب الكبير (وحيد حامد) والمخرج المبدع (شريف عرفة)، حيث توحد المشاهدون معه، وأحسوا أنه لسان حالهم والمتحدث باسمهم ومندوبهم المخلص والحميم لدى السلطة الظالمة. وفي مواجهتها ضد الظلم الاجتماعي والقهر الإنساني كان يشاركهم همومهم وكسرة خبزهم الجافة وأملهم في غد أفضل حالاً، يشعرون فيه بأمن ضد زمن غادر.
لكن الظلاميين بعيونهم الزجاجية وجلودهم ميتة الإحساس وأرواحهم البغيضة الكارهة للفن والحياه أعلنوا الحرب المقدسة لوأد حرية الإبداع وتطهير الدراما المصرية من الدنس والفاحشة، ومن الكوميديا والسخرية، فزعموا أن (بابا نويل) البسطاء الذي يحمل هداياه من شرائط دعابات ملونة وألعاب بهجة ساخرة، هو أبو لهب شرير يزدري الدين الإسلامي الحنيف، بينما هو في الحقيقة يزدريهم هم ويزدري المصادرة والتجريم والتحريم وفرض الوصاية والجهامة، وينزع أقنعة التقوى الزائفة من وجوههم التي تحصر جوهر الدين في قشور الزي والمظهر والطقوس.
إن صيحة ازدراء الدين المخيفة التي انطلقت في هذا المناخ المسموم حوكم بموجبها (عادل إمام) ثلاث مرات، منها مرتان بواسطة محامي تكفيري، قضت محكمة الجنح في إحداها بعدم قبول الدعوى والتأكيد على أن حرية الرأي والتعبير من أهم مقومات النظم الديمقراطية السليمة، وأن توجيه الانتقادات لأي تيار فكري غير مجرم، إلا أن المتشددين يصرون على تنصيب أنفسهم أوصياء ومدافعين عن العقيدة ضد الأخطار. لكن إذا افترضنا جدلاً أن تلك الأعمال الفنية تتناقض مع فهمهم للعقيدة؛ فهل معنى ذلك أن يختذل الدين في فهمهم وتأويلهم، لأن العقيدة في نفوس المصريين كشعب متدين أقوى من أن يهددها عمل فني، لكن ضعف موقفهم المستند إلى الظلام والجهل هو الذي صور لهم ذلك. كما أنه يجب التفرقة بين الدين والفكر الديني من جهة، وبين ما هو مقدس وما هو غير مقدس من جهة أخرى.
هذا وقد أعرب وقتها (عادل إمام) عن سعادته ببراءته من الاتهام بازدراء الأديان، مؤكداً أن البراءة ليست لشخص (عادل إمام) إنما هي براءة للفن والإبداع المصري الذي يحاولون النيل منه. وقد أثبت القضاء استقلاله فأنقذ تاريخ الفن المصري ورد كرامة الفنانين.
لكنه رد بمزيج من الحسرة والأسي: (كيف تقضي عمرك لتصنع بهجة للناس وتشيع حبوراً بينهم فتجد منهم من يسعى لسجنك؟).
فأي رِدة حضارية تلك التي تريد أن ترفع الرايات السوداء لتعلن هزيمة الإبداع والعودة بنا إلى القرن الثالث عشر، لنبحر في غياهب الجهامة والدمامة والتخلف والظلمات.
ذو صلة