مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

مأزق المؤسسة الثقافية الأهلية

الأديب والمثقف يحرص على ارتياد الصالونات الثقافية أو الجهات الأهلية من جمعيات واتحادات تُعنى بالثقافة ويزاول نشاطه فيها بغية الحصول على إطار معنوي يضاف إلى السيرة الذاتية، كما يحيط نفسه بجو الثقافة والانتماء أو ربما لمآرب أخرى!
إلا أن تباين الرؤى وتنوع الاتجاهات ضمن بنية المؤسسة الثقافية في بعض الأحيان يخرج عن نطاق المحبة ثم يقفز إلى أروقة الصراع البيني فترتفع رايات الحرب، يتخندق هذا الفريق ضد الآخر، ربما يتم تسوية الأمور العالقة وربما تتجه المواجهة للمزيد من التعقيد فيتصدع بنيان المؤسسة من الداخل.
كل من احتك بالعمل الثقافي لا شك قد خبر مثل هذه الإشكالات المتولدة من داخل البيت الثقافي، فهناك عينة من المثقفين تتكيف مع الوضع وتعده احتكاكاً طبيعياً من المهم وضعه في إطار مقبول والسيطرة عليه كي لا ينشأ عنه أية تفاعلات جانبية تفجر الصراع والتدمير الذاتي وهناك من يختار الانعزال والحيادية والابتعاد عن الجو المتوتر الذي يفسد ماكياج الثقافة الأنيق، فلا أصعب من رؤية تلك المماحكات والصدامات بين أعضاء المؤسسة الثقافية أثناء اجتماعات الجمعية العمومية والندوات التي يتم فيها التراشق بالكلام والمواقف المتشنجة.
اليوم.. توجه المثقف أصبح يميل إلى الابتعاد عن هيكلية المؤسسة الثقافية الكلاسيكية، يزهد ربما وتدريجياً عن الانتساب إليها بصفته عضواً، فتطورات عصرنا الراهن وقدرة عالم (السوشيال ميديا) على إطلاق الفرص والإمكانيات، مكنت المثقف من إنشاء صفحته الخاصة وعرض نتاجاته الأدبية ووجهات نظره والتفاعل مع نظرائه من المثقفين العرب، بل وتكوين المجموعات ذات الاهتمام المشترك، فأصبحت اهتمامات المثقف وتوجهاته وقناعاته مؤطرة في عالمه الفردي حتى بات من المتقبل اليوم التسليم أن لكل مثقف وكاتب صالونه الخاص أو (برجه العاجي/ الفيسبوكي) فيقبل بضيافة هذا ويمنع ذاك، لا يحضر مناسباته واحتفالاته غير الملتفين حوله والمعجبين بمسيرته أو المهرولين لمجاملته لغرض في نفس يعقوب.
عملياً بدأ العد التنازلي لموت المؤسسة الثقافية أو بعبارة أخرى اضمحلال دورها التقليدي ومدى تأثيره في الحياة الواقعية، فالعالم آخذ في التحول نحو الواقع الافتراضي، وما تداعيات مرض كورونا إلا دليل على محطات التحول الذي نتحدث عنه وكيف ترك الصالونات الثقافية الرسمية خاوية على عروشها حيث انتقلت للبث المباشر من وراء كاميرات الهواتف الذكية في الغرف المعقمة والمغلقة والبعيدة عن الزحام المعتاد!
لست أميل هنا إلى التبشير بقرب زوال هيكلية المؤسسة الثقافية كما نعرفها، فهي تمارس دورها التنموي وتقدم خدماتها في بث الوعي والمعرفة ورعاية المواهب الجديدة.. إلخ من أدوار على الصعيد الموضوعي والمعنوي، فهي تقوم بدور حضاري مكمل لبقية القطاعات الخدمية في المجتمع لا يمكن بأي حال من الأحوال الاستغناء عنه واستبداله بمغريات الواقع الافتراضي لكننا هنا لابد أن نعي فهم محركات التغيير وإفساح المجال لها كي يتم إصلاح البيت الداخلي.
أي مؤسسة ثقافية كي تستمر فلا مناص لها من تقديم تنازلات ما بغية الحفاظ على تماسكها الداخلي والقيام بمسؤولياتها وتقديم خطابها الثقافي لجمهورها. إن فهم طبيعة التحولات الراهنة والتعامل معها بخطاب منفتح يمكن المؤسسة إدارياً من إيجاد مناخ مرن يستوعب ما يحصل بتغيير آلياته حيث يستمر في العطاء.
لكن عندما لا يكون هناك فهم عميق لمجريات التغيير الذي أفرزته عشرون عاماً مضت من تلك الهزات التي أحدثتها الطفرات التكنلوجية وما أحدثته من تحول على مختلف الأصعدة في حياتنا، فإن الكاتب والمثقف، سيواصل اعتماده (الواقع الافتراضي) كخيار بديل للمؤسسة الثقافية والتي ستفقد مبرر وجودها مع مرور الوقت ما لم تواكب تطورات العصر وتعرف كيف تعبر إلى الضفة الأخرى بسلام.
تحقيق عبور سلس وآمن يقتضي منا الالتفات لبعض الأمور وهي كالتالي:
- حديث معايير العضوية في المؤسسة بما يسهم في النهوض بواقعها.
- الحرص على عدم نشوء (الشللية) أو (الحرس القديم) لفرض هيمنة الشخصيات التي تحتكر التمثيل الإداري.
- تمكين العناصر الشابة والدفع بها لتطوير أداء المؤسسة من الداخل كي تستلم الراية وتواصل مسيرة العمل.
- تنويع قائمة البرامج والأنشطة العامة ودمجها إعلامياً عبر منصات التواصل الاجتماعي لتحقيق أقصى استفادة ممكنة.
- معالجة المشاكل والتوترات أو تنوع الرؤى المختلفة في جو من الود والتفاهم يسهم في هدوء البيت الداخلي وتواصل انتاجه الثقافي.
- الحرص على ترسيخ روح الديمقراطية داخلياً ضمن أجواء من الشفافية يسهم في حل المعضلات ومواجهة التحديات.
- تقاسم الامتيازات وعدالة توزيع الفرص التي يوفرها العمل الثقافي لعموم الأعضاء دون أن يحتكرها طرف على حساب الآخر يسهم في نجاح المؤسسة واستدامة عطائها الثقافي والاجتماعي.
ذو صلة