يسافر المرء من فضائه المألوف إلى فضاء مختلف بالنسبة إليه، لا يدرك عنه شيئاً سوى ما استقر في ذهنه من مرويات أو مقروءات، وليس من شك في أن السفر بمراحله الثلاث؛ لحظة الانطلاق، فالعبور، فالوصول، يعد تجربة غير عادية على النفس تتولد على إثرها مشاعر وأفكار معينة تتصل بالفراق والحنين والاغتراب والدهشة المنتظرة، وما قد يتولد عن ذلك من حزن أو هم أو وحشة؛ فطريق السفر في باطن الأمر سفر من نوع آخر، سفر داخل النفس الإنسانية، ذلك أن الخروج من الفضاء المألوف إلى الفضاء المجهول فضلاً عن الوقت الطويل المستغرق في السفر يشعل الحنين، ويؤجج المشاعر في النفس، ويستدعي الذكريات، ويجعل المسافر في حالة ترقب وتأهب من القادم المجهول، وفق ذلك التصور تبرز حاجة المسافر إلى رفيق أو رفقة يحادثهم حيناً، ويلهو معهم حيناً آخر، يقصر معهم الإحساس بطول الطريق، ويستقطب بهم السرور، وهذا لا يتأتى بسفر المرء وحده.
يترسخ في المتخيل مبدأ التحذير من الوحدة، على اعتبار أنها تستدرج المرء إلى أمور غير محمودة، أو تجعله فريسة لأوهامه، ويتعاظم هذا التحذير من الوحدة في الذهنية البشرية في معرض الحديث عن سفر المرء وحده تحديداً، وقد يتجسد هذا الخوف على هيئة نوع مع الجن يهلك المسافر وحيداً ضرباً أو قتلاً، فقد روي عن الجاحظ (ومن الجن جنس صورة الواحد منهم على نصف صورة الإنسان، واسمه شق، وإنه كثيراً ما يعرض للرجل المسافر إذا كان وحده، فربما أهلكه فزعاً، وربما أهلكه ضرباً وقتلاً). والأمر الذي لا بد من الوقوف عليه في هذا السياق هو أن الخطاب الديني يحفل بأخبار تحذر من الوحدة أثناء السفر تحديدا، وتدعو إلى المؤانسة، ومن ذلك ما يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ، مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ).
تستقر هذه المرويات في الذهنية بلا ريب؛ فللخطاب الديني سلطته التي تؤطر الحياة، وتتسلل إلى الممارسات الإنسانية كافة، من هنا يتأكد فعل المسافرة بوصفه من المؤنسات الطارئة، فرفيق السفر مؤنس مادام السفر، وتنتهي مهمته بانتهاء الرحلة، حيث يتُخذ لغاية نفعية؛ فهو يقصر الإحساس بطول الطريق، فضلاً عن أن المؤانسة بطبيعتها تبدد الوحدة وما قد يتولد عنها مما لا يُرغب فيه، من هنا يغدو طريق السفر مستقطباً للذيذ والمسعد وما من شأنه أن يخفف من وعثاء السفر، وتضحي الممارسات التي تندرج في سياق الهزل واللهو من الأمور المحمودة في السفر، ويغدو الرفيق أو الرفقة في السفر ضرورة يرسخها المتخيل الديني تارة خوفاً مما تخلفه الوحدة من أفكار وأوهام قد تضر بصاحبها، وميل المرء بطبيعته إلى المؤانسة تارة أخرى.
إن هذا التصور يبدي لنا طرفاً من هذا الإسعاد المتحقق بفعل السفر، حيث يستحضر الأنس لتخفيف مشقة السفر، ويستخدم الرفيق بوصفه مؤنساً طارئاً يلطف من حدة وحشة الطريق ووحدة النفس، إلا أن للأنس في المسافرة طرفاً مسعداً آخر عند بعضهم؛ فمن يسافر ويضرب في الأرض سينتقل من فضائه المألوف إلى فضاء آخر مجهول بالنسبة إليه، وهو مجهول بالنسبة إلى أهل ذلك الفضاء، وعليه، فإن المسافر يتحول إلى نكرة في الفضاء المرتحل إليه، وتلك الصفة تتيح عند بعض المسافرين ممارسة ألوان من المتع المحضة متحررين أثناءها من عباءة الجاه أو المروءة، منعتقين من إسار القانون الذي يحكم فضاءهم. وبذلك فإن النأي عن المكان، والتنكير المؤقت للمسافرين في الفضاء المرتحل إليه، يضمن لبعضهم لحظات سعيدة حيث اللذة والوفرة.
وعلى هذا النحو فإن للرفيق في السفر دوراً مسعداً يتمثل في تزجية الوقت، ونقض الوحدة ومفرزاتها، وبث السرور في النفس بالأحاديث والغناء وسائر ما يتصل باللهو والهزل، ولا يقتصر دور هذا الأنيس الطارئ على طريق السفر فحسب، حيث يشارك المسافر أيضاً في ألوان من المتع المحضة في الفضاءات المرتحل إليها، خصوصاً وأن النأي عن المألوف عند بعضهم -كما ذكرنا- يشجع على ممارسات تنعتق من إسار القانون، وتتحرر من عباءة الجاه أو المروءة، والمرء في مثل تلك الممارسات يحتاج إلى أنيس يشاركه ويتفاعل معه.