الطائف من الناحية السكانية يعد مجتمعاً مترابطاً بطبعه، متشابكاً في وحدة حميمية، متآزراً في حياض روحي متحد. هكذا تشكلت أهم صفاته السيسيوثقافية، وهو بذلك يكوّن أفراداً ينتمون إلى أحيائهم السكنية، بالدرجة الأولى، ينصهرون مع بعضهم في نسيج اجتماعي متشابك ومتفاعل تجاه بعضه.
هذه الحقيقة التي ترسخت عبر عشرات السنين أوجدت ما يمكن تسميته بالشاغل الجمعي، وهو الشاغل المتشعب والمتداخل في النسق الثقافي لأهل الطائف، بسكان حاراتها وباعتها المتجولون وشرائحه المختلفة، من موظفين وطلاب ومدرسين ومهنيين ومتسكعين. وبطبيعة الحال أدى ذلك، من ضمن ما أدى، إلى توالد الحكايا والقصص الصغيرة والكثيرة التي تنشأ في جيب صغير من جيوب السكان، لا تبرح إلا وتنتشر وتعم، بل وتزدهر وتنمو حتى تصل إلى مرحلة الفنتازيا والخيال الواسع.
مجتمع متنوع وحكاء
ما أن يحدث حدث صغير حتى يتناقله الأفراد في مجالسهم ومسامراتهم، إذ إنهم لا يستطيعون العيش بدون مجالس وجمعات وسمرات، فتروى الحكايا مع الإضافات المتخيلة، وتصبح حديث المرابع و(البشكات)، بل إنها تنتقل إلى تجمعات النساء (الجارات) وقت العصر (جمعة العصرية) حيث لا يحلو احتساء القهوة وتناول (المعمول) إلا بالتندر بقصة حدثت هنا أو مفارقة وقعت في أحد بيوت الحي أو بين جيران يقطنون بالجوار. يحدث ذلك إلى درجة أن الأطفال يصبحون رواة لهذا الحدث أو ذاك. إنها صفة تشكلت وتثبتت بفعل الزمن فأصبحت خاصية أهل الطائف المتميزة.
غير أن من يتأمل توالد وتواتر الحكايا والقصص الواقعية ويحاول أن يحفر إلى جذورها، قد يجد عدة مؤثرات رسختها، وربما احتاج الأمر إلى دراسة واستبيان واستنتاج، ولكن بالمشاهدة والاستبصار العام المرتكز على الملاحظة اليومية، يمكن القول إن مجتمع الطائف، منذ الثمانينات، تميز بعدة خصائص أنثروبولوجية، أو بسلوكيات إنسانية متأتية من كونه مجتمعاً متنوعاً (كوزموبوليتانيا) ليس تنوعاً شاسعاً ولكنه محدود ومحصور، مما زاد قوة هذه الخصائص، وأكسبها صفة السمات الأساسية.
في أحياء الطائف نجد الجماعات التي قدمت من أواسط آسيا في القرن الماضي، (التركستان والبخارية والأفغان والصينيون وغيرهم من الأكراد والبشناق والفرس والأتراك والهنود). ناهيك عن النزوح من اليمن وفلسطين وبعض دول أفريقيا في فترات متعاقبة ممن استقبلتهم الطائف من الحجاج الذين استوطنوا وبقوا في الطائف. هذا التنوع العرقي واختلاط أفراده بأبناء الطائف الأصليين خلق ذلك المجتمع المتميز في طبائعه والتي أصبحت موروثاً ينتقل من جيل إلى آخر، إضافة إلى أن العوامل الجغرافية والبيئية والطقسية أسهمت في صبغتهم بالمزيد من خصوصيتهم، فتكون مجتمع حكاء، ينحو إلى التعرف على القصص الغرائبية ويعيد إنتاجها وروايتها وإعادة تدويرها، إن صح القول.
حونشية ولكنهم أسطوريون
لو تأملنا الحكايات التي تشتهر بين أحياء الطائف نجد أنها، غالباً، ما يكون أبطالها أشخاصاً حقيقيين من طينة الناس أنفسهم، ولأنهم مفتونون بالمبالغة بقصد التسلية وإضفاء روح التشويق والدعابة في واقعهم وحكياتهم فإنهم يضيفون على أبطال الحكايات بعداً أسطورياً.
ولعلنا، هنا، نسوق مثالاً حقيقياً حدث مع شخصيتين حقيقيتين، هما (التشتش) و(الهبش)، فهما من تلك الشخصيات التي تأسطرت وذاع صيتها في السبعينات، وكانا (من عيال) حارة (بقيلي) بحي الشهداء الشمالية، واشتهرا بأنهما من فئة (الحونشية)، وهي صفة تطلق على من يثير المشاكل وهم حادو الطباع، مثلهم مثل الفتوات في الأحياء المصرية الشعبية أو الأبضايات في الحارات الشامية، رغم أن (الحونشي) يتسم بصفات الشهامة ونصرة الضعيف إذا اعتدى عليه من هو أقوى منه، وهو أيضاً يحمي الحارة من أي دخيل معتدي، ويعتبر بنات الحارة أخواته ونساء الحارة أهله اللاتي لا يرضى أن يمسهم سوء. وهو ذو كاركتر خاص، بلباس خاص في وضع العمامة على كتفيه، يتكلم بطريقة خاصة، ويمشي بشكل خاص أيضاً، ولا يخلو جيبه من سكينة أو مطوى قرن غزال.
انتشرت قصص بطولات التشتش والهبش، ويقال إن الهبش أنقذ عائلة كاملة من حادث حريق شب في منزلهم، فكان يدخل بين النيران ويحمل الأطفال ويخرج بهم الشارع حتى أنقذ أفراد العائلة جميعها. أما التشتش فيروى عنه أنه وبعد إحدى المباريات في كرة القدم بين عيال حارة بقيلي وعيال حارة الجال، وبعد أن هزم البقيليون فريق الجال، شاط غضب عيال الجال فاعتدوا بالضرب على شباب بقيلي، وهنا أسرع أحد الصبية وأخبر التشتش الذي هرع مسرعاً وتصدى لما يتجاوز العشرة أفراد بمفرده وضربهم ضرباً مبرحاً، بل إنه أجبرهم على مغادرة ميدان الملعب وهم حفاة وقد تمزقت ملابس بعضهم. وبالطبع تنسرد الحكايات بتفاصيل مشوقة ومثيرة وتلهب الحماس. هاتان الشخصيتان مثال صغير على منابع تولد الحكايا في الطائف، ودون شك هناك ما لا يحصى من هذه المنابع الواقعية التي تتكون في رحمها مئات الحكايات.
تأثيرها على الأدب
وربما يقودنا كل ذلك إلى ثراء الأدب في الطائف، سواء كان الأدب الشعبي الشفهي أو الأدب المنهجي الفني المكتوب أو الأدب النخبوي المجسد درامياً على خشبات مسارح المدارس أو مسارح جمعيتها الثقافية أو ناديها الأدبي، وربما نستحضر ونحن نقرأ لأدبائها أمثال محمد منصور الشقحا، وعبدالعزيز الصقعبي، وغيرهم الكثير، ما يشير إلى تأثرهم بهذا الفيض الحكائي الثري الخارج من أزقة حواري الطائف.