مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

السينما في الطائف من السطح إلى الحوش

كانت ظهيرة يوم عيد مختلف. كنا ثلة من أطفال  الحارة جمعنا غلتنا من العيدية وقررنا بعد أن نعبر جبل البازم ونقطع وادي وج باتجاه حارة البخارية، نتلفت حولنا خشية أن يرانا أحد من أهل الحارة أو معارفنا. دخلنا شارع أبو العتاهية ثم انحرفنا يساراً لشارع مسبح عكاظ كما يسمى لوجود قاعة أفراح بهذا الاسم فيه، كانت على اليمين عدة أحوشة مسقفة بالزنك إحداها كان مقصدنا، كانت سينما أبو الروس الذي تزاحمه قاعات سينمات أخرى كسينما المصيف ووج، تقدم قائد المجموعة إلى بائع التذاكر سأله عن قيمة التذكرة وكانت مناسبة لنا وقبل الدفع أطل أحدنا برأسه من باب القاعة ليشاهد أحد أبناء الحارة جالساً في الصف الأول فما كان من الجميع إلا الهروب ومغادرة الشارع. انتقلنا للشارع المجاور وكانت به سينما الزقزوق -على ما أعتقد- وكانت خالية من المشاهدين فدلفنا فيها وشاهدنا فيلماً لوحش الشاشة فريد شوقي، وعندما هممنا بالمغادرة رأف بنا المسؤول عن المكان وعرض لنا فيلماً آخر مجاناً، لكن تلك الرأفة تحولت عند خروجنا من السينما إلى رعب شديد إذ كان الوقت ليلاً ولم يسعفنا الركض في أن نسبق الوقت فتلقى كل واحد منا علقة ساخنة لتأخره عن العودة للمنزل دون أن نبوح أننا كنا في السينما وإلا كانت العقوبة أشد. هذه القاعات تمارس نشاطها المعتاد في إجازة نهاية الأسبوع وهي عبارة عن أرض مسورة مسقوفة بالزنك وشاشة العرض عبارة عن أحد الجدران مطلي باللون الأبيض بديلاً عن استخدام القماش الأبيض مما كان يؤدي إلى احتراقه نتيجة قدف المتفرجين بقايا السيجارة عليه للتعبير عن مشاعرهم أو للعبث، أمام الشاشة صفوف من الكراسي الخشبية تغص بالمتفرجين الذكور البالغين والعمال الأجانب خصوصاً اليمنيين الذين يعملون في أعمال البناء، أما مكينة العرض فكانت تنصب على منصة عالية تسمح بوضع كراسٍ تحتها ولا يسمح بالتواجد عليها إلا مشغل المكينة ومعاونه، وفي إحدى مداهمات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للسينما تم تغيير الفيلم بسرعة فائقة وهرب المعاون بشريطي الفيلم من خلال مخرج علوي ينفذ على أسطح الأحوشة الملاصقة وكانت أغلب الأفلام يتم شراؤها من مدينة جدة.
هذه لم تكن المرة الأولى لي لمشاهدة الأفلام السينمائية، إذ كانت بيوت الطائف تعرفها ففي المناسبات مثل حفلات عقد النكاح (المِلكة) كان يتم استئجار المكينة مع الفيلم من محل عثمان السوداني غالباً وكانت الأفلام المصرية هي الرائجة وإن كانت الأفلام السورية قليلة خصوصاً أفلام دريد لحام (غوار الطوشة) لارتباط الناس بمسلسل حمام الهناء ويتم عرض الفيلم إما في سطح المنزل بعد أن توضع على الجدار قطعة قماش بيضاء (ملاءة سرير) أو أن يعرض الفيلم في داخل المنزل إذا كان به فناء، وكان يتولى عملية عرض الفيلم أحد أبناء الحارة بعد أن يكون قد شاهد الفيلم مسبقاً، إذ يجلس الأطفال والكبار في المقدمة بينما تجلس النساء خلفهم، وكان مشغل مكينة السينما يقوم بدور الرقيب الفني، إذ يضع بجواره وسادة يعترض بها البث عند اللقطات الحميمية حفاظاً على الآداب العامة وأتذكر فيلم سمك بل حسك (إنتاج 1975م) شاهدته في ملكة إحدى بنات الحارة. أما بعض العائلات الميسورة فقد كانت في الغالب تعرض في منازلها على فترات ويقتصر على الأبناء الذكور الذين يستضيفون بعض أصدقائهم المقربين.
وقد تخصصت بعض المنازل أن تعرض أفلاماً بمقابل مالي لجمهور معروف لديهم خشية المداهمة من الهيئة، وقد ذكر لي الأستاذ الفنان عبدالله المرشدي -يرحمه الله- مدير جمعية الثقافة والفنون بالطائف أنه عندما قدم من الليث إلى الطائف لأول مرة وكان تقريباً في سن الثامنة عشرة أنه كان يسمع بالسينما وأراد أن يشاهدها فدله أحد أصدقائه على منزل أحد الأشخاص وأخبره أنهم سيعرضون ليلة الجمعة فيلماً ولكن بمقابل مالي للدخول وعندما ذهب للمنزل أخبر من فتح له الباب أنه مرسول من فلان فسمح له بالدخول ثم صعد للسطح وكان أحد الجدران مطلي باللون الأبيض والناس جلوس على الأرض والفيلم كان قد بدأ، وفي لقطة تظهر ليلى مراد تمشي بمواجهة الكاميرا فمال قليلاً ليفسح لها الطريق مما أثار ضحك الحاضرين.
ولم تقتصر قاعات السينما على هذه الأماكن بل وجدت لها مناخاً مناسباً؛ إذ ذكرت لي الدكتورة ملحة العبدالله الكاتبة المسرحية أن والدها كان ضابطاً في الجيش بالطائف فكان يحملها على كتفيه وهي طفلة ويدخل بها نادي الضباط بمبنى القشلة أي الثكنة العسكرية (مجمع الدوائر الحكومية الآن) لتشاهد معه فيلماً سينمائياً، وكان الحضور خاصاً بالرجال. كذلك شهدت الأندية الرياضية بالطائف نشاطاً لعرض الأفلام كإحدى طرق تنمية إيراداتها، وكانت الأفلام تتنوع بين العربية والأجنبية. وقد ثلاشت كل هذه الظواهر الإنسانية بشكل أساسي بعد فتنة احتلال الحرم المكي وما نتج عنها من فكر متشدد وضال، كما ساهم انتشار الفيديو بدور مساعد.
ذو صلة