مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

مسرح الطائف بين الحركة والحراك

عندما نذهب للحديث حول مسرح الطائف؛ سنجد أنفسنا أمام حديث مزدحم بالمنجز الوطني الذي بنى اسمه ومشروعه داخلياً وخارجياً، وحقق حتى الآن أكثر من سبعين جائزة محلية وعربية ودولية.
من أين سنبدأ قصة هذا المسرح؟ وهي التي تحتاج كتاباً كاملاً لرصد التجربة وقراءة تفاصيلها، وليس مقالاً يحاول الإيجاز المخل أحياناً.
منذ زمن بعيد، وقبل توحيد السعودية العظيمة، تحت راية التوحيد؛ قال الرواة إنهم شاهدوا أو سمعوا عن مسرحية كانوا يسمونها تمثيلية، عرضت على خشبة مسرح المدرسة الهاشمية التي تحولت فيما بعد للمدرسة السعودية، ثم تذكر المصادر والصحف نشاطاً لحفلات السمر في مدرسة دار التوحيد التي أسسها الملك الموحد عبدالعزيز -يرحمه الله- في مدينة الطائف، وكان من أبرز ما يقدم فيها مشاهد تمثيلية برع فيها لفترة فهد العرابي الحارثي الذي كان أحد طلاب المدرسة.
يتضح الأمر أكثر بداية من عام 1370هـ عندما تصدى مجموعة من المعلمين السعوديين الشباب للمشهد، بعد أن استفادوا من خبرات سابقة لهم مع عدد من المعلمين العرب الذين كانوا يدرسونهم، ثم عندما تخرجوا تحمسوا لفعل حراك مسرحي فاعل في مدارسهم، ليشهد الفعل المسرحي نبوغاً مسرحياً، تقدم فيه مشاهد معدة من مسرحيات شكسبير وموليير، وتحوير لقصص شهيرة وتقديمها مسرحياً، مثل: بائعة الخبز، والبؤساء.. ثم كم كبير نوعاً وكيفاً لمسرحيات رائعة: بائع الذهب، يوم في الجزائر، جابر عثرات الكرام، فلسطين، العدو الغاشم.. وقائمة طويلة من أسماء المسرحيات التي عرضت خلال هذه الفترة، والتي تظهر فيها بوضوح أسماء المعلمين الذين ساهموا فيها، ومن أبرزهم: عبدالرحمن الحنبلي- علي العبادي- عبدالرحمن فلمبان- موسى فلاتة- سعد الحارثي- سليمان الضلعان- عوض الله بن سعود- سالم الحميدي- أحمد سليمان- محمد الصديقي.. وقائمة طويلة من الأسماء الرائعة التي قدمت للحركة المسرحية في تلك الفترة الكثير من العطاءات.
كان المسرح المدرسي وقتها منفتحاً على المجتمع، فهو يقدم عروضه في الفترة المسائية، من خلال عروض مفتوحه يحضرها أولياء الأمور وسكان الحي، ويزدحم فيها المكان حتى يتسلق الحضور أسوار المدارس ويجلسون عليها لمشاهدة هذه المسرحيات.
قبل ذلك وبعده، كانت الحركة المسرحية في مدينة الطائف مشتعلة في دلالة على حضارة هذه المدينة وتميزها الدائم، منذ الأشكال المسرحية في لعبة القيس والغزالة وممثلي الفطرة في الأسواق حتى دار التوحيد والمراكز الصيفية ونادي عكاظ ونادي وج وصخب المنافسة المسرحية بينها.
في جو مدينة الطائف بطقسها وتضاريسها وتاريخها العميق الممتد في مدينة شهدت خلال فترة 1370 وحتى 1390 تداخلاً مميزاً للفنون والآداب والحراك الاجتماعي والثقافي، من: المكتبات، دور السينما، حفلات الغناء، الشعراء، الحكواتية، المقاهي ذات الفعل الاجتماعي والاقتصادي، محلات الرسم والخط، والمصيف الذي يتحرك بفعل مختلف طوال فترة الصيف، ليتم تأسيس جمعية الثقافة والفنون بالطائف عام 1399هـ برئاسة الشريف عبدالله المرشدي، وهي الجمعية التي تهتم بالفنون والفعل الثقافي، وليكون أول رئيس للجنة الفنون المسرحية الدكتور عثمان الصيني، لتبدأ عملية تأسيس فرقة مسرحية بالجمعية، وينطلق عملها في عام 1403 بمسرحية (مين يكمل الثاني) من تأليف محمد رجب وإخراج محمد الشامي في فترة رئاسة الأستاذ عبدالعزيز الرشيد للجنة الفنون المسرحية، وتتوالى أعمال الجمعية المسرحية من خلال مسرحية (صفعة في المرآة) لعبدالعزيز الصقعبي تأليفاً، وإخراج عبدالعزيز الرشيد، ثم مسرحية (مع الخيل ياعربان) من تأليف راشد الشمراني وإخراج عامر الحمود، ثم مسرحية (اللعبة) من تأليف وإخراج عبدالعزيز الصقعبي.
رحل الأربعة راشد وعامر وعبدالعزيز الرشيد والصقعبي، وتوقف العمل لفترة ثم عاد النشاط بمسرحية (يارايح الوادي) ثم (بيت العز) ثم (شدت القافلة)، لينطلق بعدها مشروع ورشة العمل المسرحي بالطائف 1413هـ، وهو المشروع الذي أحدث تغييراً جذرياً في شكل المسرح السعودي ومضمونه، انطلاقاً من حالة المشروع التي قام عليها، والتي يعتني فيها بالتدريب والتأهيل للكوادر السعودية ويعمل بالتنسيق مع الورش المسرحية العربية الشهيرة وقتها.
وأتم توقيع محضر التأسيس بتاريخ 14 / 7 / 1413هـ الموافق 7 / 1 / 1993م: فهد ردة الحارثي، أحمد محمد الأحمري، عبدالعزيز عبدالغني عسيري، محمد عثمان بكر، مساعد حسن الزهراني، محمد حمدان المالكي، أمين على الزهراني، فاضل رجاءالله الذويبي، فهد صالح الغامدي، حسن حسين الزهراني، إبراهيم قاسم عسيري، جمعان رويجح الذويبي، سامي صالح الزهراني.
وانطلقت أعمال ورشة الطائف المسرحية تجوب المدن السعودية والعربية محققة الجوائز والإشادة ومتابعة هذه التجربة المختلفة ومحاولة استنساخها، وواصلت التجربة تفردها وعملها. وبعد تأسيس جمعية المسرحيين السعوديين؛ تم تأسيس فرقة مسرح الطائف والتي ضمت الورشة المسرحية، وانطلق العمل يحمل زخماً من الإبداع حتى بلغت عروض مسرح الطائف العالم العربي، فقدمت عروضها على مسارح 35 مدينة عربية و14 مدينة سعودية، وحصدت أكثر من سبعين جائزة محلية وعربية ودوليه، وباتت نخبة من المسرحيين في الطائف يحكّمون في مهرجانات ومسابقات عربية، وتم تكريمهم محلياً وعربياً.  حتى بلغت العروض المسرحية ما يزيد عن خمسين عملاً للكبار والأطفال ومسرح المونودراما، ونظمت ملتقيات ومهرجانات مسرحية ودورات وورش وندوات ومعارض، وبات مسرح الطائف ملء السمع والبصر محلياً وعربياً.
وبعد فإن هذه العجالة ستكون نواة مشروع كتاب يرصد تجربة مسرح الطائف تاريخياً ونقدياً ومنجزاتها.
ذو صلة