عندما أتم الخليل إبراهيم وولده إسماعيل عليهما صلوات الله رفع القواعد من البيت، كان إسماعيل أول سادن للكعبة المشرفة، أي القائم على شؤون الكعبة وخدمتها، وورثها عنه أبناؤه، ثم آلت إلى (جرهم) حتى غلبتها عليها قبيلة (خُزاعة)، فأخرجهم منها قصي بن كلاب وحاز مفتاح الكعبة، وتوارثه بنو عبد الدار بن قصي حتى آل إلى بني أبي طلحة.
وروى ابن سعد في طبقاته عن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة سليل سدنة البيت العتيق أن خاتم الأنبياء -صلى الله عليه وسلم- لقيه بمكة المكرمة قبيل الهجرة، فدعاه إلى الإسلام، فأبى وأغلظ له القول وانصرف عنه، وذات يوم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يدخل الكعبة مع الداخلين إليها، فنال منه عثمان وما كان من نبينا إلا الخُلق الكريم وقال له: (يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوماً بيدي أضعه حيث شئت)، فأجابه عثمان: لقد هلكت قريش يومئذ وذلت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بل عمرت وعزت يومئذ). وحين دخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة المشرفة، أمر عثمان أن يأتيه بمفتاح الكعبة، فانطلق إلى أمه (سلافة بنت سعد) التي كانت تحتفظ بالمفتاح، وطلب منها أن تدفع إليه المفتاح فأبت وقالت: لا واللات والعزى لا أدفعه أبداً، فقال لها: يا أماه.. إن لم تفعلي قُتلت أنا وأخي شيبة ويأخذه منك غيري، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قائماً ينتظر فلما رأى أبو بكر وعمر بن الخطاب ذلك انطلقا إلى دار سلافة، ورفع عمر صوته منادياً عثمان، فبادرت سلافة بإعطاء المفتاح لابنها، فحمله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فدخل الكعبة ومعه بلال وعثمان بن طلحة وأسامة وخالد بن الوليد، ورأى النبي الكريم صوراً فأمر بمحوها ثم كبّر في نواحي البيت وصلى ركعتين بين العمودين اليمانيين وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، ثم وقف صلى الله عليه وسلم على باب الكعبة فقال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج).. وبعد جملة من الأحداث أوردتها كتب المغازي والسير جلس صلى الله عليه وسلم في المسجد والناس حوله فقال علي بن أبى طالب: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية، ويقال إن العباس رضي الله عنه هو الذي طلب ذلك حيث بسط يده قائلاً: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة والسقاية، فتساءل رسول الله: أين عثمان بن طلحة، فدعي له، فأقبل مستبشراً وهو يهتف: لبيك يا رسول الله، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (هاك مفتاحك يا عثمان.. اليوم بر ووفاء)، ثم قال: (خذوها يا بني أبى طلحة تالدة خالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته فخذوها بأمانة الله عز وجل فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف)، ودفع الرسول صلى الله عليه وسلم السقاية إلى عمه العباس.. وفي أخبار مكة للأزرقي عن مجاهد في قوله عز وجل: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) (النساء 58)، قال: نزلت في عثمان بن طلحة بن أبي طلحة حين قبض النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة ودخل به الكعبة يوم الفتح فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان، فدفع إليه المفتاح..
ويقول عثمان فلما وليت ناداني إليه فقال: (ألم يكن الذي قلت لك)، قال فذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة لعلك سترى هذا المفتاح يوماً بيدي أضعه حيث شئت، فقلت: بلى أشهد أنك رسول الله، وحمل عثمان مفتاح الكعبة إلى أمه سلافة فقبضت عليه بيدها وانطلقت إلى النبي الكريم تبايعه.
في العصرين العباسي والمملوكي
في عصر الدولة العباسية، كان الخليفة العباسي يتقدم قافلة الحج من بغداد، كان أبرزهم أمير المؤمنين (هارون الرشيد) والذي أخبرتنا المصادر التاريخية أنه كان يحج عاماً ويغزو في سبيل الله عاماً، ومفاتيح الكعبة المشرفة في العصر العباسي يرجع أقدمها إلى عهد (المستنجد بالله) 555هـ/ 1160م، وترجع ثلاثة أخرى إلى عهد (أبى العباس الناصر) 575هـ - 622هـ/ 1180م – 1225م، وآخرها يرجع إلى عهد (المستعصم بالله) في نهاية الدولة العباسية 622هـ/ 1225م، ولوحظ استخدام الذهب بكثرة في التحديث والترميمات في الكعبة المشرفة، وبخاصة في عهد الخليفة المتوكل العباسي.
ويلاحظ في النماذج الأولى من مفاتيح عصر الدولة العباسية أنها صُنعت من الحديد، ثم صُنعت بعد ذلك من البرونز، أما الكتابات التي نُقشت على المفاتيح والأقفال فقد كُتبت بالذهب أو بالفضة بطريقة التكفيت، وهذا التطور واكب ما حدث من تطور في صناعات التعدين الإسلامية.
وفي عصر سلاطين المماليك، بدأ إرسال المحمل بالكسوة الشريفة في عهد السلطان الظاهر بيبرس 658 – 676 هـ/ 1260 م – 1277 م، في موكب خاص وبرفقته أول مفتاح للكعبة المشرفة في العصر المملوكي باسم السلطان الظاهر بيبرس.
ويوجد بمتحف (الفن الإسلامي) بالقاهرة مفتاحان من العصر المملوكي، أحدهما باسم السلطان الأشرف ناصر الدين شعبان مؤرخ في 765 هـ/ 1363 م، والآخر باسم السلطان فرج بن برقوق مؤرخ في 1405م، وهما من الحديد المكفت بالذهب والفضة.
عصر الدولة العثمانية
مما لا شك فيه، أن أندر مجموعة مفاتيح وأقفال خاصة بالكعبة المشرفة؛ تلك التي يقتنيها متحف سراي (طوب قابي) في إسطنبول/ محفوظة في دائرة (البردة الشريفة) ضمن ما عُرف باسم (الأمانات المباركة)، وهذه الآثار ومن بينها مفاتيح وأقفال الكعبة المشرفة كانت تُحفظ في صناديق وخزائن فاخرة معلقة بأختام السلاطين داخل قصر (الباب العالي)، ولم يكن في مقدور أحد من خارج القصر أن يطلع على هذه الأمانات المباركة!
عقب دخول السلطان العثماني (سليم الأول) مصر عام 923 هـ/ 1517 م، وانتهاء عصر دولة سلاطين المماليك، دخلت مكة المكرمة والمدينة المنورة تحت السيادة العثمانية.. كان أمير مكة المكرمة هو الشريف بركات بن محمد، فأرسل ولده الشريف أبا نمي بصحبة سفير يدعى (عرار) إلى مصر، فدُعيا إلى ديوان السلطان سليم الأول في الثالث عشر من جمادى الآخرة عام 923 هـ لتسليم مفاتيح الكعبة إلى السلطان العثماني في احتفال مشهود، ثم جرت العادة، فأرسل السلاطين العثمانيون المفاتيح والأقفال إلى الكعبة المشرفة، تقليداً لمن سبقهم من خلفاء الدولتين العباسية والمملوكية.
موكب المفتاح
كان وصول تلك المفاتيح والأقفال إلى إسطنبول ثم دخولها إلى القصر العثماني في احتفال حاشد يُعرف بـ(موكب المفتاح)، وتشير محفوظات ووثائق أرشيف متحف سراي طوب قابي وبعض المصادر التاريخية إلى أن تنظيم ومظاهر (موكب المفتاح) والمشاركين فيه وأزيائهم؛ تدل على مدى عناية سلاطين الدولة العثمانية بذلك الموكب التاريخي، ومن خلال وثائق تشريفات القصر العثماني، نعلم أن هذه المفاتيح والأقفال كانت تأتي بطريق البحر، وخبر اقتراب السفينة الخاصة من ميناء (البارودخانة) يصل إلى الباب العالي قبل يوم واحد، فيقوم المجموعة التي وقع عليها شرف استقبالها، بملابسهم الرسمية، بالتوجه مبكراً إلى (ثكنة داود باشا) في إسطنبول.
وورد في وثيقة بتاريخ 1228هـ/ 1813م أن (كامل إسماعيل باشا) هو الذي حمل مفاتيح الكعبة من مكة المكرمة إلى إسطنبول، وتشير إلى أن المفتاح المحفوظ بدائرة (البردة الشريفة) قد حفظ داخل كيس من الحرير الفاخر المشغول بالقصب. كما تشير الوثائق والمصادر التاريخية إلى أن السلطان (مراد الرابع) عام 1043هـ/ 1633م قد صحب مفتاح الكعبة في حملته على بغداد ثم حُفظ عقب عودته في خزانة غرفة (خاص أوده) بالقصر العثماني، ثم خرج المفتاح نفسه عام 1094هـ/ 1683م في حرب الدولة العثمانية على النمسا.
كيس مفتاح الكعبة المشرفة
يعتبر كيس المفتاح من ملحقات كسوة الكعبة، ففي الإشهاد الشرعي بتسليم كسوة الكعبة المشرفة لسنة 1321هـ ورد أن كيس المفتاح صنع من: الأطلس الساسي الأخضر، مقاسه ذراع وثمن الذراع، طرز بالفضة الملبسة بالذهب البندقي، ويبلغ وزنه 45 مثقالاً، وكنتير ششخانة أبيض وترتر فضة أبيض وزنه مثقالان، وقد بطن الكيس بالأطلس الساسي الأخضر وركب عليه قيطان بشرابتين من قصب مذهب ومخيش عقادي أصفر وبطول هذا الكيس قوله تبارك وتعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)، وتحته اسم الآمر بصناعة ذلك الكيس (جناب الخديو عباس حلمي الثاني) ومكان صناعته (دار الكسوة الشريفة) بالقاهرة وتاريخ صناعته 1321هـ، وفي الجهة الأخرى نُقش قوله تبارك وتعالى: (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم)، وفوقه وتحته أيضاً اسم الآمر بصناعته والمكان والتاريخ.
وتشير سجلات الديوان العالي عام 1208هـ/ 1793م أن أمير الحج تسلم كيساً لمفتاح الكعبة مع الكسوة وملحقاتها، وقد حرر عليه إشهاد بذلك، كما تحفظ السجلات كيساً من الأطلس الأخضر الفاخر مطرز بالقصب مقاسه 18 * 12 سم، مطرز عليه: (أمر بعمل هذا الكيس المبارك مولانا السلطان مراد)، وفي الأسفل (أمر بتجديده مولانا حسين باشا في سنة 1045هـ)، ثم قوله تعالى (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) وعلى الوجه الآخر (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها).
وربما تكون حادثة سرقة مفتاح الكعبة في أواخر شهر رمضان عام 976هـ تشكل بداية الاهتمام بصنع كيس لمفتاح الكعبة، وذلك عندما قام الشيخ (عبد الواحد الشيبي) بفتح باب الكعبة لدخول النساء كما جرت العادة في ذلك العصر، ثم اكتشف اختفاء المفتاح من موضعه، وكان يزدان بصحائف ذهبية، فوقعت الضجة في أرجاء الحرم وأغلقت أبوابه وتم تفتيش الزائرين فلم يظفروا به.. ثم نما إلى علم (سنان باشا) في بلاد اليمن بوجود المفتاح مع رجل أعجمي وقد قُبض عليه فأقر بسرقة المفتاح وبعض الهدايا الأخرى فعرض على السيف، وأعيد المفتاح إلى الشيخ الشيبي سادن الكعبة.
قراءات لنماذج من مفاتيح الكعبة
- مفتاح الخليفة العباسي الناصر: صُنع من النحاس الأصفر، وطوله 37 سم، مدون عليه كتابات مكفتة بالفضة على كلا الوجهين، أما الرأس والرقبة والحلقة فتزدان بنقوش زخرفية هندسية ونباتية، ويحمل الوجه الأول من المفتاح الآيات من سورة آل عمران: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا) وعلى الوجه الآخر: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً)، ثم نقش لاسم الخليفة وتاريخ صنعه: (عمل هذا المفتاح في أيام دولت الخليفة الناصر سيف الدين أمير المؤمنين في التاريخ من شهر رمضان لسنة ست وخمسمائة) ونقش على رقبة المفتاح اسم الرسول صلى الله عليه وسلم وأسماء الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم وبطرف المفتاح كلمة التوحيد (لا إله إلا الله).
- مفتاح : صنع هذا المفتاح من النحاس الأصفر المكفت بالفضة، وطوله 34 سم، وقد نقشت آيات قرآنية على بدن المفتاح ومكعب الرقبة وسطح الحلقة، وآية الكرسي على الجانبين الرفيعين للمفتاح، كما ازدان ببعض الزخارف البسيطة.
نقش على الوجه الأول للمفتاح الآيتان 1-2 من سورة الفتح: (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)، وعلى الوجه الآخر (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)، ونقش على مكعب الرقبة عبارة: (هذا مفتاح الكعبة المشرفة شرفها الله)، وعلى الوجه المقابل (السلطان الملك الصالح بن الملك الناصر في سنة ثلث) وعلى مكعب الرقبة (وأربعين وسبعمائة هجرية نبوية) وعلى أحد وجهي حلقة المفتاح نقشت عبارة: (نصر من الله وفتح قريب) وعلى الوجه الآخر: (لا إله إلا الله محمد رسول الله).
- مفتاح السلطان الظاهر فرج بن برقوق: صنع من الحديد المكفت بالذهب، وطوله 34 سم، وقد خطت الكتابات على ماسورة القفل الأسطوانية وعمود التعليق بالذهب، أما الإطارات التي تحيط بالكتابات فمصنوعة من الفضة الخالصة، وقد نقش على بدن القفل الأسطواني وملحقاته داخل أشرطة متتالية: آية الكرسي، والآية 27 من سورة الفتح: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين...) والآية 96 من سور آل عمران (ولله على الناس حج البيت...) وسورة الإخلاص والآية 129 آخر سورة التوبة (فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش الكريم)، ونقش على الجزء المسطح المتصل بماسورة القفل آية الكرسي، وعلى الوجه الآخر منه: (اللهم اغفر لعبدك مولانا السلطان الملك الناصر فرج بن عبدك المرحوم الملك الظاهر خادم بيت الله الشريف)، وعلى عمود التعليق: (السلطان الظاهر برقوق) (عمل في جمادى الأولى سنة أربع وثمانمائة).
- مفتاح وقفل السلطان سليمان القانوني: صنع هذا المفتاح من الفضة المطلية بالذهب، وطوله 38 سم، الرأس الكمثرية متحركة حول نفسها ونهايته مكونة من أربعة فصوص للفتح والغلق.
والقفل مثمن، صنع من الحديد المصفح بالفضة المطلية بالذهب، ويبلغ طوله 60,5 سم وعرضه 10 سم، ويخلو من الزخارف، فيما عدا الجزء المعروف بـ(المراية) وهو على هيئة عقد تعلوه مثل عرائس الشرافات، ويزدان هذا الجزء بكتابات في ثمانية أسطر: (هذا قفل باب بيت الله الملك المنان، وضعه المعتصم بغفرانه يوم الميزان، سلطان سليمان خان بن سلطان سليم خان برجاء القبول بخدمته والوصول إلى مغفرته في سنة ثلث وسبعين وتسعمائة).